الدعوة التي أطلقها منذ أيام، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، سيلفاكير ميارديت، لمواطني جنوب السودان لاختيار الانفصال في الاستفتاء المقبل المقرر إجراؤه العام 2011، وإن كانت قد جددت ملامح الأزمة السودانية،** على الأقل في جانبها السياسي؛ فهي، في الوقت نفسه، تمثل إعلاناً مبكراً لانحياز الحركة إلى اختيار الانفصال عن شمال السودان.
صحيح أن البعض من المحللين السياسيين يرون في هذه الدعوة مناورة سياسية من جانب الحركة للضغط على شريكها في حكومة الوحدة الوطنية، أي «حزب المؤتمر الوطني»، الحاكم في الشمال، في شأن مطالب لا تزال محل خلاف بينهما، إلا أنه يبقى من الصحيح، أيضاً، أن دعوة سيلفاكير للجنوبيين إلى اختيار الانفصال بدلاً من الوحدة - حتى لا يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم حسب تعبيره - لا يمكن أن تعبر إلا عن توجه واضح للحركة، قبل أكثر من عام ونصف العام من الاستفتاء، خصوصاً إذا لاحظنا أن سيلفاكير رئيس حكومة جنوب السودان، والنائب الأول للرئيس السوداني، وهما موقعان لا يجدي معهما، بل لا يصح، اللعب على وتر المناورات السياسية.
لا يصح لأن هذه الدعوة نفسها تتناقض مع التصريحات التي أطلقها سيلفاكير في العاصمة المصرية القاهرة، والتي أعلن خلالها دعمه لخيار الوحدة. كما أنه لا يجدي لأن تصريحات سيلفاكير حول خيار الانفصال، هي تأكيد على توجه محدد، حتى ولو كان رئيس الحركة الشعبية قد تعرض إلى ضغوط خارجية لجهة تحقيق انفصال الإقليم.
والتساؤل الآن: إلى أي الاحتمالات يتجه المستقبل السوداني؟ والتساؤل نطرحه بناء على الأهمية التي يتمتع بها هذا البلد العربي الأفريقي، الذي يعتبر، وبحق، البوابة الجنوبية لـ «العالم العربي» التي ربما لا يلتفت الكثيرون إليها.
يكفي أن نشير، هنا، كـ «دلالة» على الأهمية هذه، إلى الموقع السوداني على خارطة القرن الأفريقي، التي تمثل مرتكزاً رئيساً على ما أصبح يُعرف باسم «قوس الأزمة»؛ أي الإقليم الذي يمتد من وسط آسيا إلى أواسط أفريقيا، ويتمدد على جانبي ما يمكن أن نطلق عليه وتر «غرب آسيا - شرق أفريقيا»، أو بالأحرى وتر «الخليج العربي - القرن الأفريقي»، الذي توليه الاستراتيجيات الكبرى، وعلى رأسها الاستراتيجية الأميركية، أهمية فائقة، وذلك لنتبين مركزية المنطقة في هذا الإطار.
فـ «الخليج العربي»، بما يتضمنه من احتياط هائل للنفط، ناهيك عن كونه من أكثر مناطق العالم إنتاجاً له، هو أحد المرتكزين الرئيسين لـ «الوتر» المشار إليه؛ وفي الوقت نفسه، يمثل «نقطة مفتاحية» سواء بالنسبة إلى جنوب آسيا وشبه القارة الهندية، أو إلى وسط آسيا ومنطقة بحر قزوين، أو إلى المماس الأوراسي «أي خط التماس بين آسيا وأوروبا».
أما «القرن الأفريقي»، وبما يتضمنه، أيضاً، من اكتشافات نفطية مهمة «الصومال، وجنوب السودان»، فهو المرتكز الرئيس الآخر؛ وفي الوقت نفسه، يمثل «نقطة مفتاحية» سواء بالنسبة إلى منطقة البحيرات العظمى وأواسط أفريقيا، أو إلى الشمال الأفريقي وجنوب البحر المتوسط تحديداً؛ هذا، ناهيك عن كونه نقطة مفتاحية رئيسة بالنسبة إلى البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي في آن واحد.
في هذا الإطار، يمكن إدراك المدى الذي يتحكم به، ومن خلاله، القرن الأفريقي، في واحد من أهم طرق التجارة العالمية، خصوصاً تجارة النفط الآتي من منطقة الخليج العربية إلى أوروبا والولايات المتحدة «أحداث خطف السفن قبالة سواحل الصومال، دال في هذا الإطار». والأهم، القيمة الفعلية التي يمثلها هذا «القرن»، كأحد الممرات المهمة لأي تحركات عسكرية آتية من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه الخليج العربي (لاحظ اندفاع القوى الكبرى في إرسال قوات عسكرية إلى المياه الإقليمية بالمنطقة).
وفي هذا الإطار، نفسه، يمكن إدراك مغزى التحركات الدولية عموماً، والأميركية خصوصاً، على ساحة هذه المنطقة، في الآونة الأخيرة؛ وهي التحركات التي تفسر العديد من الأحداث التي شهدتها منطقة القرن أخيراً، بل، يمكن إدراك الدوافع التي تستند إليها تلك التحركات، سواء «المسكوت عنه» في هذه الدوافع، أو «المصرح به».
فهذا الأخير، «المصرح به»، يستند إلى بروز القوى الإسلامية في كثير من بلدان القرن الأفريقي، ومطالبتها بتطبيق الشريعة الإسلامية «السودان، الصومال، إقليم الأوجادين»؛ ثم، ما تردد عن التلاقي والتنسيق بين تنظيم «القاعدة» وبعض هذه القوى (كمثال: ما تردد عن علاقة تنظيم «القاعدة» بالاتحاد الإسلامي الصومالي، وعلاقة هذا الأخير بتفجير سفارتي الولايات المتحدة، في كينيا وتنزانيا، في العام 1998)، وهو ما «يوحي» بأن الاهتمام الأميركي بمنطقة القرن الأفريقي هو وليد التداعيات الناتجة عن أحداث 11 سبتمبر الشهيرة.
نقول: «يوحي»، لأن الاهتمام الأميركي بهذه المنطقة يعود إلى ما قبل ذلك بكثير. وهنا، يأتي «المسكوت عنه»، في هذا الاهتمام، الذي يمكن الاستدلال عليه عبر مجموعة من المؤشرات.
وفي مقدم ذلك أن الولايات المتحدة، ومنذ ما يقارب العقد من الزمن، كانت قد حاولت السيطرة على المنطقة بالغزو المباشر، وكانت عملية «إعادة الأمل» في الصومال نموذجاً، لكنها لم تنجح. ثم، كانت المحاولة التالية لها عن طريق حلف «القادة الجدد»، عبر اللعب على وتر «التوتسي» في منطقة البحيرات العظمى، لكنها، أيضاً، لم تنجح النجاح المأمول (حرب العام 1994، في رواندا، نموذجاً). إلا أن أحداث 11 سبتمبر، وفرت الفرصة التاريخية للولايات المتحدة، وأعطت سياستها الخارجية بعداً إضافياً، في التدخل المباشر تحت دعوى محاربة «الإرهاب».
هل يعني ما وصلنا إليه، توّاً، أن وضع السودان على «قائمة الأعمال» (Agenda)، الأميركية، هو فكرة من أجل الهيمنة على منطقة القرن الأفريقي؛ ومن ثم، إعادة تشكيلها بما يتناسب مع المصالح الاستراتيجية الأميركية، هناك؟
لا يمكن الجزم بأن ذلك هو «فكرة أميركية»، منفردة؛ بقدر ما يمكن التأكيد على أن ثمة محاولات أميركية، وبريطانية، في إعادة تهيئة الأوضاع في القرن الأفريقي عموماً، وفي السودان خصوصاً، بما يتناسب مع مصالحهما الاستراتيجية.
أهم العوامل الدافعة إلى هذا التأكيد يتمحور على أهمية السودان «البلد - العربي - المفتاح» إلى منطقة القرن الأفريقي وباب المندب والمحيط الهندي، وهي المنطقة التي تضاف إلى منطقة الخليج العربي، ليمثلا - معاً - دائرة «قوس الأزمات» في القرن الواحد والعشرين، الراهن. هذا، إضافة إلى ما تؤشر إليه التحركات الأميركية في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، ومحاولاتها تغيير خارطة التوازنات والتحالفات الإقليمية هناك، ناهيك عن قواعدها العسكرية المتواجدة في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر «جيبوتي».
ضمن المؤشرات الدالة في هذا الإطار، تأتي «قوة العمل المشترك للقرن الأفريقي»، التي أعلن عن تشكيلها قبل أعوام (في نهاية العام 2002)، من تعداد يبلغ قوامه 1300 جندي، يعملون براً وبحراً على «رصد ومكافحة الإرهابيين، في كينيا والصومال وإريتريا وجيبوتي»، وذلك حسب تصريح قائد القوات البحرية الأميركية المشتركة في منطقة القرن الأفريقي جون ساتلر.
والملاحظ، أن هذه القوة قد تنامى عددها إلى أن بلغ، راهناً، أكثر من ثلاثة آلاف جندي؛ وحسب تصريح القائد التالي لها، ماستين روبسون، فإنها «ستعمل على تعزيز الاستقرار في المنطقة لأجل طويل». وغني عن البيان، هنا، أن الإعلان أخيراً عن «إقامة قاعدة عسكرية أميركية» في معسكر «لومونير»، وهو قاعدة فرنسية سابقة، في جيبوتي لا يعني، فقط، أن هناك محاولات أميركية في إزاحة النفوذ الفرنسي من أماكن تواجده التقليدية؛ ولا يعني، وحسب، تمركز «القوة الأميركية» الخاصة بالقرن الأفريقي عند أهم نقاط التحكم في البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي؛ ولكن، إضافة إلى هذا وذاك، يعني توافر الإمكانية الأميركية في الهيمنة، على منطقة القرن الأفريقي، خصوصاً بعد أن جعلت من جيبوتي، كما تذكر بعض التقارير «مقراً لأكبر وأحدث مراكز الاستخبارات في منطقة شرق أفريقيا والمحيط الهندي بعد نشر أكثر من ثلاثة آلاف جندي هناك».
ومن ثم، ألا يحق لنا أن نتساءل عن العلاقة بين ذلك، وبين ما دار من قبل، ولا يزال، بخصوص «جنوب السودان»؛ وكذلك ما يدور، منذ أعوام، في شأن دارفور؟
هذا وإن كان يؤكد على مقولة «فتش عن القوى الكبرى في كل أزمة». إلا أنه، في اعتقادنا، غير كافٍ لتأكيد المحاولات الأميركية، المستميتة، لـ«فدرلة» السودان، أو بالأحرى إعادة هيكلته بما يتناسب مع المصالح الاستراتيجية الأميركية. كيف؟
بعيداً عن «نظرية المؤامرة»، وبعيداً عن «الموقف النفسي» الناتج عن الممارسات الأميركية على طول الأرض العربية، وعرضها (يكفي ما يحدث في العراق وفلسطين، كمثالين). بعيدا عن هذا وتلك، فإن الإجابة الصحيحة عن تساؤلنا الأخير، تعتمد على الإجابة الصحيحة عن تساؤل يسبقه: ما المصالح الأميركية هناك، في السودان عموماً، وفي جنوبه خصوصاً؟
هنا، لن نكتفي بالتأكيد على أهمية السودان بالنسبة إلى منطقة القرن الأفريقي وباب المندب والمحيط الهندي، ولكننا سوف ننقل فقرة من تقرير جون سي دانفورث «مبعوث الرئيس الأميركي إلى السودان»، وهو التقرير (المقدم في: 26 أبريل 2002)، الذي كان ضمن أهم مرتكزات قانون الكونغرس الأميركي، «قانون سلام السودان».
يقول دانفورث في تقريره: «إن اكتشاف احتياطي نفطي مهم، خصوصاً في الجنوب، وبدء الإنتاج الجدي له في العام 1999، أعاد تكوين شكل الحرب الأهلية في السودان (يملك السودان - والكلام لايزال لدانفورث - احتياطياً نفطياً يتجاوز مليار برميل، مع احتمالات وجود احتياطي إضافي يتراوح بين مليار وأربعة مليارات برميل)؛ ولا يمكن التوصل إلى تسوية دائمة للحرب في السودان ما لم تتم المعالجة الفعالة للمسألة النفطية».
هذا هو أحد أهم النصوص الواردة في تقرير جون سي دانفورث عن «السلام في السودان»، وهو يغني عن أي تعليق في شأن المصالح الأميركية في جنوب السودان.
وأيّاً يكن الأمر، فإن ما نود التشديد عليه أن الملامح المستقبلية لـ «السودان»، هي ملامح، في ما يبدو، مليئة بـ «الاحتمالات المفتوحة».

حسين معلوم
كاتب مصري