يعيش كل فرد في هذا الكون الواسع الآن، وفي هذه اللحظة، وهو يستقبل عامه الجديد، مشاكله الشخصية مادية كانت أو عاطفية أو اجتماعية، كما يعيش هؤلاء الأفراد مشاكل أوطانهم اقتصادية كانت أو سياسية أو معيشية أو غيرها. ويظن بنو البشر، والذين مازالوا على قيد الحياة إلى لحظة قراءة هذا المقال، ان هذه المشاكل لابد من حلها وإلا لن يقضوا بقية أعمارهم في سعادة وفرحة. كما يظن معظمهم أن مشاكلهم كبيرة ولم يسبق لبشر قبلهم أن مروا بها.
ولو عدنا بالخيال إلى مئة عام قبل اليوم لوجدنا أن بشراً غيرنا بالكلية على وجه هذه الأرض كانوا كلهم يعانون من مشاكل على مستواهم الفردي وعلى مستوى دولهم التي يعيشون فيها، وهي مشاكلنا نفسها وبالحجم نفسه، وأوسع من ذلك... عد بخيالك إلى مئتي عام مضت، إذ كان على وجه هذه البسيطة بشر غيرنا وغيرهم... ماذا تجد في خيالك؟ أناس يعيشون مشاكلنا نفسها ومشاكلهم تماماً... ارجع الى مئات الأعوام... ما الفرق؟ لا فرق أبداً، المشاكل هي هي، ذهب هؤلاء كلهم وبقيت المشاكل، قضى هؤلاء أعمارهم ولم تنقضِ الأزمات الاقتصادية ولا السياسية ولا المشاكل الاجتماعية والمادية للأفراد.
إذاً لماذا تنقضي أعمارنا في هم وغم، ونحن نركز على المشاكل ونعيشها بتفاصيلها وأحداثها كلها؟ لماذا ننسى الفرحة والسعادة؟ لماذا نحرم أنفسنا من التمتع بنعم الله عز وجل التي أنعمها علينا وعلى أوطاننا؟
إن فئة من البشر في كل مكان وفي كل زمان أصبحت صنعتها «قتل الفرحة». هذه الفئة تجدها في التلفاز، في الصحافة، في الشارع، في المنتديات، وليس لها هم أو عمل سوى التركيز على المشاكل، حتى من دون إيجاد حل لها أو السعي إلى إيجاد حل. هذه الفئة تروج لبضاعتها تلك، وتجني من ورائها أموالاً طائلة ومكتسبات مهولة... إنها فعلاً جريمة تستحق العقاب... إن بني البشر اليوم وقبل اليوم أيضاً عاشوا أعمارهم ولا هم لهم إلا متابعة المشاكل والكوارث والأزمات وماتوا وهم كذلك... إن السعادة والفرحة شعور يجب ألا يفارق أرواحنا مهما عانينا وعانت مجتمعاتنا وأوطاننا من أزمات أو مشاكل... المشاكل تحل بمواجهتها بنفوس قوية مقبلة على الحياة لا بنفوس منهزمة محطمة بشعور يائس.
أيها السادة... لكل شخص منا، وعلى مستوى أي فرد في هذا الكون، ما يدعو إلى الفرح والسعادة. وكذا على مستوى أي وطن أو مكان للعيش هناك الكثير مما يدعو إلى السعادة والفرح... نعم الله علينا كثيرة وكثيرة جداً وأكثر من أن تُحصى، لكننا أغمضنا أعيننا عنها وتجاهلناها ورحنا لا نرى ولا نشاهد ولا نسمع إلا ما يقتل هذا الشعور فينا.
احذروا فئة في المجتمعات كلها لا حديث لها ولا أخبار تنشر ولا ديدن إلا حديث البؤس والمشاكل والنظرة السوداوية. هؤلاء مجرمون أقدموا على قتل «الفرحة» في نفوسنا، وعقوبتهم التي يستحقونها هي الحرق بالنار.


محمد صالح السبتي
كاتب كويتي
yousef-8080@hotmail.com