يعكس تَفشي البطالة في صفوف موظّفي الجهاز المصرفي اللبناني، الذي كان حتى عاميْن سابقيْن جوهرةَ الاقتصاد الوطني وقاطرة تمويله ونموّه، حدودَ القعر الذي تُلامِسُه تداعياتُ الأزماتِ المتفاقمة في لبنان على مدار 25 شهراً بالتتالي ومن دون استراحةٍ تتيح للمؤسسات المُكافِحة الاستيعابَ المتدرّج للخسائر التراكمية الناجمة عن الفوضى المالية والنقدية.
ووفق رَصْدٍ أجرتْه «الراي» مع مسؤولين في البنوك وخبراء، فإن غالبيتهم تخشى تَوالي موجات الانحدار بما يُفْضي إلى تَقَلُّصات أكثر حدة في الأنشطة التقليدية والتكنولوجية التي تَمَيَّزَتْ بها المصارفُ اللبنانية إقليمياً في العقديْن الماضييْن، بالترافق مع فقدان ميزات الكادر البشري وتحييده تهجيراً أو قسراً حيث تتعاظم موجاتُ الاستقالات والتسريح الوظيفي في القطاع المصرفي.
وليس من المغالاة بشيء التوصيفات المحلية والدولية عن حجم ومحتوى الأضرار البالغة التي لحقت بالقطاع المالي وبموقعه المركزي كنواةٍ صلبة في مكوّنات الاقتصاد الوطني، وخصوصاً بعدما تَقَلَّصَتْ شبكةُ التواصل المالي مع الأسواق الدولية إلى مستوياتٍ خطرة ومُقْلِقَة بسبب الارتفاع الحاد في منسوب المَخاطر السيادية والقرار «الهمايوني» بتمنُّع الدولة عن سداد مستحقات ديونها القائمة بالعملات الصعبة، وفرْض موجباتٍ تحوطية على المصارف أجبرتْها على التخلي «طوعاً»، وعلى حين غرّة، عن هويتها الإقليمية عبر الخروج من أسواق إقليمية في مقدّمها سورية ومصر والعراق والأردن، وتَكَبُّد المتاعب السوقية في تركيا وسواها، إلى جانب الارباكات التي تعتري خطوطَ تَواصُلها مع شبكة البنوك المُراسِلة حول العالم.
وتُظْهِرُ وقائع الصرف من الخدمة والمعزَّزة بتوجهاتٍ شبه مؤكدة، أن الجهاز المصرفي ينفّذ فعلياً عمليات إعادة هيكلة قد تفضي إلى تسريح ثلث الموظفين على الأقل، أي نحو 8 آلاف موظف، وبالتالي الإقفال التام لنحو ثلث شبكة الانتشار المحلي البالغة أساساً نحو 1085 فرعاً مصرفياً يغطي مجمل المناطق اللبنانية ويعمل فيها إلى جانب الادارات المركزية نحو 25 ألف موظف. وهذا يتم بصورة شبه جَماعية في 46 مصرفاً عاملاً عقب قفْل وإلغاء تراخيص عدد من البنوك الاستثمارية التابعة لبنوك تجارية، وإن عبر استراتيجيات مستقلّة قررتْها إدارات البنوك بصفة مستقلة، مع ملاحظة التقارب حدود التطابق في المنطلقات والأهداف. وهذا ما يعني تنفيذياً بالمحصلة، بحسب التقديرات غير النهائية، التخلي عن نحو 300 فرع مصرفي وتسريح العاملين فيها. فضلاً عن عمليات الصرف من إدارات وأقسام مركزية ربْطاً بفقدان قسري لأنشطة وأعمال مثل التسليف والتسويق وسواها.
ويشدّد مسؤول مالي في قراءة خاصة عبر «الراي» على أن تصحيح أوضاع الجهاز المصرفي يمثّل مهمة أساسية وملحّة في أي خطة للانقاذ وشرطاً أساسياً لنجاحها، وذلك بمعزل عن الجدل القائم حول المصارف والقيود القائمة على السحب من الودائع. فهذا القطاع لعب دوراً حاسماً في نهضة الاقتصاد اللبناني طوال العقود الماضية، وبَلَغَ التمويلُ المقدَّم للقطاع الخاص قبيل الانهيار نحو 59 مليار دولار، ما يشكل أكثر من 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
كما لعب هذا القطاع دوراً رئيسياً في تمويل الإنفاق العام على مرّ ثلاثة عقود، سواء بشكل مباشر من خلال الضرائب والرسوم، أو غير مباشر من خلال تعبئة الموارد من مصادر داخلية وخارجية لتلبية احتياجات الدولة التمويلية لتغطية العجوزات المالية في الميزانية العمومية.
وساهمتْ المصارف بفعالية بحسب تقرير بحثي، قبل انفجار الأزمات، بتنمية قطاعات مهمة مثل العقار والاسكان والتعليم والطبابة والاتصالات والسياحة والتجارة، وساهمتْ أيضاً بتمويل مشاريع زراعية وصناعية وتكنولوجية ومؤسسات صغيرة ومتوسطة الحجم وأصحاب المهن الحرة، وهي قطاعات توظف نحو 1.2 مليون مواطن لبناني يعيلون قرابة 80 في المئة من المواطنين.
وتشير التقديرات الاحصائية التي جمعتْها دائرة الأبحاث في مجموعة «أولا - الاقتصاد والأعمال» إلى أن القطاع كان يساهم بإعالة أكثر من 170 ألف لبناني بشكل مباشر وغير مباشر بعد احتساب موظّفي المصارف وأفراد أسرهم، ومساهمته بتمويل وظائف القطاع العام وإيجاد فرص عمل في القطاع الخاص.
كما بلغ تمويل المصارف للقطاع الخاص أكثر من 89 ألف مليار ليرة لبنانية (59 مليار دولار) موزَّعة على أكثر من 620 ألف مستفيد مع نهاية العام 2018، وهو العام الأخير الذي شهد نمواً اقتصادياً صحيحاً في لبنان قبل أن تتراجع المؤشرات في العامين 2019 و2020 متأثرة بالأحداث السياسية والصحية، فنما بذلك الناتج المحلي اللبناني من أقل من ألفي مليار ليرة في العام 1990 إلى نحو 86 ألف مليار ليرة ( نحو 57 مليار دولار) في نهاية 2018، وهو العام الأخير قبل دخول الاقتصاد وقطاعاته في دوامة الأزمات.