بالطبع لسنا في شهر رمضان حتى يخطر ببالنا شراب «قمر الدين»! ولست أقوم الآن بدعاية للدراما السورية، ولكنني أعرض بموضوعية كما أظن حالة من النجاح الواضح لسياسة سورية في علاقاتها مع الدول، رغم المنعطفات التي مرت بها، ربما تكون شهادتي مجروحةً فيما أقول لأنني سوري! ولكن كلنا سمع ما قالته فرنسا لسورية أخيراً: «كنتم شريكاً موثوقاً به وقد احترمتم دائماً وعودكم والتزاماتكم». لكنه عام ميلادي عشناه وها قد شد رحاله، وأستذكر الدور الذي قام به عميد الديبلوماسيين العرب صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله في استضافته القمة العربية في الكويت أول هذا العام 2009، والتي أفسحت الطريق أمام الرياض للتقارب بينها وبين سورية، وكانت خطوة أولى لتفاهم سوري - سعودي مهد فيما بعد طريقاً نحو مصالحة عربية مرتقبة، فيما دفعت تلك الخطوة إلى تحلحل في الأزمة اللبنانية وخروج اللبنانيين من عنق الزجاجة.
لست أتحدث عن براءة سورية (من الدم الذي على قميص يوسف)، فاللقاء الذي جرى بين الرئيس بشار الأسد ورئيس وزراء لبنان سعد الحريري في دمشق؛ هو أكثر من براءة للسياسة السورية، بل هو خطوة إيجابية لوقف حالة ممقوتة وسقيمة ابتلي بها الطرفان، وسعى إلى الفتنة بينهما أطراف عدة بدأت باغتيال الحريري الأب واغتيال آخرين بعد ذلك، ثم بأفواه مرتزقة تحركها جهات لا تريد المصلحة لكلا البلدين الشقيقين. ففي تلك الفترة لم يعد في المنطقة من مشكلة أو جريمة أو اتهام إلا وألصق بسورية؛ من اغتيال لرفيق الحريري إلى مسألة ضبط الحدود مع العراق إلى إيواء الفصائل الفلسطينية وإلى دعم دمشق لـ«حزب الله»!
إن وصول العلاقة بين دمشق وبيروت إلى الصورة القائمة حتى الآن لدليل على أهمية الدورين السوري والسعودي في الوفاق اللبناني خصوصاً والعربي عموماً. إن تحرر سورية والسعودية حتى الآن من أي علاقة أو معاهدة مع إسرائيل يعطيهما دوراً ذا طابع خاص صالح للاستثمار عربياً، خلافاً لدور الدول التي قُيد انطلاقها في هذا الجانب بمعاهدات سلام مع اسرائيل. إن الهجوم الذي واجهته سورية في فترة ما بعد اغتيال رفيق الحريري من عدة أطراف دولية وإقليمية كان الهدف منه إعادة تشكيل المنطقة العربية ليس جغرافياً، كما توقع البعض، وإنما إعادة تشكيل لجوهر ومضمون الفكر السياسي عند العرب، وتسديد ضربة عميقة لما بقي من اللحمة العربية، فلم يبقَ في الساحة من يمثل الصف العربي بصفته القومية والإسلامية سوى المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية؛ ويظهر ذلك من مسمى الدولتين؛ المملكة العربية والجمهورية العربية.
لقد فشلت الإدارة الأميركية السابقة بعجرها وبجرها، في إفساد العلاقة السورية - السعودية، لذلك كان على العرب جميعاً ألا يستسهلوا ما يقدم لهم من حلول أو أفكار نحو الأحداث والقضايا المختلفة! ولذلك، علينا أن نكون أكثر وعياً تجاه الحفاظ على ما تبقى من وحدتنا وتضامننا، فلا نريد بطلاً عربياً يعدنا بحرق إسرائيل فإذا به يحرقنا! ولا نريد أيضاً من يفرط بحقوقنا! إنه من حق الجميع أن يطلبوا التحقيق في أي جريمة قتل بمحكمة محلية أو إقليمية أو دولية. وبالطبع، جرائم القتل كلها؛ ولعلنا نحقق على سبيل المثال لا الحصر في مقتل الرئيس المصري السابق أنور السادات! وهل صحيح قتل لأنه صالح اسرائيل؟ أم أنه قتل لأنه نوى الصلح الموقت معها؟ ومقتل الرئيس الباكستاني ضياء الحق ومعه السفير الأميركي لدى باكستان وغموض تلك القضية وارتباطها آنذاك بالساحة الأفغانية! ومن ثم التحقيق في مقتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ونحن نعلم أن آخر ما توصلت إليه المتابعات أن الرئيس الراحل عرفات قد تناول العشاء أو الإفطار في شهر رمضان مساء 12 أكتوبر من العام 2004، وقد دخلت جسمه مادة أدت إلى تكسر صفائح الدم سببت وفاته. ولكن أخشى ما أخشاه أن تحقيقاً دولياً يجرى في ذلك وتكون النتيجة أن عرفات شرب قبل وفاته «قمر الدين سوري»! كل عام وأنتم بخير.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com
لست أتحدث عن براءة سورية (من الدم الذي على قميص يوسف)، فاللقاء الذي جرى بين الرئيس بشار الأسد ورئيس وزراء لبنان سعد الحريري في دمشق؛ هو أكثر من براءة للسياسة السورية، بل هو خطوة إيجابية لوقف حالة ممقوتة وسقيمة ابتلي بها الطرفان، وسعى إلى الفتنة بينهما أطراف عدة بدأت باغتيال الحريري الأب واغتيال آخرين بعد ذلك، ثم بأفواه مرتزقة تحركها جهات لا تريد المصلحة لكلا البلدين الشقيقين. ففي تلك الفترة لم يعد في المنطقة من مشكلة أو جريمة أو اتهام إلا وألصق بسورية؛ من اغتيال لرفيق الحريري إلى مسألة ضبط الحدود مع العراق إلى إيواء الفصائل الفلسطينية وإلى دعم دمشق لـ«حزب الله»!
إن وصول العلاقة بين دمشق وبيروت إلى الصورة القائمة حتى الآن لدليل على أهمية الدورين السوري والسعودي في الوفاق اللبناني خصوصاً والعربي عموماً. إن تحرر سورية والسعودية حتى الآن من أي علاقة أو معاهدة مع إسرائيل يعطيهما دوراً ذا طابع خاص صالح للاستثمار عربياً، خلافاً لدور الدول التي قُيد انطلاقها في هذا الجانب بمعاهدات سلام مع اسرائيل. إن الهجوم الذي واجهته سورية في فترة ما بعد اغتيال رفيق الحريري من عدة أطراف دولية وإقليمية كان الهدف منه إعادة تشكيل المنطقة العربية ليس جغرافياً، كما توقع البعض، وإنما إعادة تشكيل لجوهر ومضمون الفكر السياسي عند العرب، وتسديد ضربة عميقة لما بقي من اللحمة العربية، فلم يبقَ في الساحة من يمثل الصف العربي بصفته القومية والإسلامية سوى المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية؛ ويظهر ذلك من مسمى الدولتين؛ المملكة العربية والجمهورية العربية.
لقد فشلت الإدارة الأميركية السابقة بعجرها وبجرها، في إفساد العلاقة السورية - السعودية، لذلك كان على العرب جميعاً ألا يستسهلوا ما يقدم لهم من حلول أو أفكار نحو الأحداث والقضايا المختلفة! ولذلك، علينا أن نكون أكثر وعياً تجاه الحفاظ على ما تبقى من وحدتنا وتضامننا، فلا نريد بطلاً عربياً يعدنا بحرق إسرائيل فإذا به يحرقنا! ولا نريد أيضاً من يفرط بحقوقنا! إنه من حق الجميع أن يطلبوا التحقيق في أي جريمة قتل بمحكمة محلية أو إقليمية أو دولية. وبالطبع، جرائم القتل كلها؛ ولعلنا نحقق على سبيل المثال لا الحصر في مقتل الرئيس المصري السابق أنور السادات! وهل صحيح قتل لأنه صالح اسرائيل؟ أم أنه قتل لأنه نوى الصلح الموقت معها؟ ومقتل الرئيس الباكستاني ضياء الحق ومعه السفير الأميركي لدى باكستان وغموض تلك القضية وارتباطها آنذاك بالساحة الأفغانية! ومن ثم التحقيق في مقتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ونحن نعلم أن آخر ما توصلت إليه المتابعات أن الرئيس الراحل عرفات قد تناول العشاء أو الإفطار في شهر رمضان مساء 12 أكتوبر من العام 2004، وقد دخلت جسمه مادة أدت إلى تكسر صفائح الدم سببت وفاته. ولكن أخشى ما أخشاه أن تحقيقاً دولياً يجرى في ذلك وتكون النتيجة أن عرفات شرب قبل وفاته «قمر الدين سوري»! كل عام وأنتم بخير.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com