كعادة المنظمات السرية كلها، كل شيء يتم في الخفاء، لا شيء علني، مواقفها سرية حتى تجبر على أن تعلنها على الملأ، قراراتها سرية حتى تضطر إلى إذاعتها على رؤوس الأشهاد، مراسلاتها مع القضاء والنيابة العامة وديوان المحاسبة وديوان الخدمة المدنية والشركات الأجنبية، وما يخطر على بالك كله من أطراف ثالثة سرية سرية سرية حتى إشعار آخر، أو بمعنى أدق حتى استجواب آخر! هل تعلمون
كيف يتخذ القرار في مجلس الوزراء؟
هل تعلمون كيف وصلت الحكومة الرشيدة إلى أي من قراراتها السابقة؟ هل سمعت الحكومة ورئيسها ووزراؤها ومستشاروها بكلمة «شفافية» من قبل؟ أم أنها لا تزال في طور التكوين الأولي وتحتاج إلى أعوام وأعوام، حتى تبدأ في فك الخط وتعلم حروف الأبجدية الإدارية؟ وستحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك لتصبح شفافة يرى ما في داخلها بالعين المجردة السليمة.
هل سمعتم صوت سمو رئيس مجلس الوزراء، وهو يدافع عن قراراته؟ هل سمعتم صوت نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع، وهو يعبّر عما في داخله؟ وحتى الفرصة الوحيدة التي أتت لذلك، وهي فرصة الاستجوابات أفسدوها بالسرية، ألم أقل لكم إنها حكومة تتحرك مثل المنظمات السرية؟ هل تعلمون ما هي ردود وزير الدفاع على محاور النائب ضيف الله بورمية؟ لا تعلمون ولا أعلم ولن نعلم لأننا لن نرى وزير الدفاع يتحدث إلا في المجالس المغلقة. هل تعلمون ما هي ردود سمو رئيس مجلس الوزراء على اتهامات النائب فيصل المسلم، وما هي مبررات دفعه الشيكات لنواب الأمة؟ ولماذا يصرف ديوانه مليون، ومليون ونصف المليون، ومليونين خلال زيارات قصيرة إلى دول مجاورة من دون تبرير؟ لا تعلمون ولا أعلم ولن نعلم، لأننا لن نرى رئيس الوزراء يتحدث علناً إلا في الأحلام. إنهم يتحركون بسرية ويعشقون السرية بشكل
تحسدهم عليه عصابات صقلية وميليشيات الإكوادور وبقايا قوات التاميل.
هل تعلمون لماذا وافقت الحكومة على الدوائر الخمس، ثم «عنفصت» وانقلبت، وطالبت بالعشر، ثم انقلبت مرة أخرى لتطالب بتحويل العشر إلى المحكمة الدستورية، ثم عادت وبكل برودة وجه لتعلن موافقتها على الدوائر الخمس، هل تعلمون لماذا؟ شخصياً لا أعلم، ولا أتوقع أن هناك من سيمتلك الجرأة في الحكومة الحالية ليخرج ويبرر لنا! طيب ما علينا، هل يعلم أي منكم لماذا دافعت الحكومة حتى النخاع المستطيل عن المصفاة الرابعة ومشروع «الداو - كيميكال» ثم عادت وألغت قراراتها بعد أقل من عشر ساعات من خروج وزير النفط مدافعاً عن المشروعين على شاشات التلفاز؟ لا تعلمون، ولا أعلم ولن نعلم، الحكومة قررت الدفاع، ثم قررت الانسحاب ثم قفل الملف وعفا الله عما سلف! وهل تعلمون لماذا الحكومة انسحبت من جلسة الاستجواب في المجلس الماضي، رغم حصولها على غالبية، ولماذا قررت مواجهة الاستجوابات في الفترة الحالية؟ لم يخرج أحد من أعضاء الحكومة ليخبرنا عن أسبابها للمواجهة أو عدم المواجهة، كلها قرارات سرية لا يجب أن
نعلم عنها نحن العامة البسطاء شيئاً!
وأتى رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير وذهب، وضع تقريراً وتسلم، فهل يعلم أي منكم ماذا حدث لتقريره وتوصياته وملاحظاته؟ هل خرج أي من الوزراء ليصرح في هذا الأمر؟ أي تصريح سيرضينا، حتى ولو كان إبرة بنج موضعية من النوع الذي يحقن في الظهر ليشل القدمين عن الحركة موقتاً. المهم أن نشعر بأننا نتواصل مع حكومتنا لا أننا ننتظرها مثلما ينتظر المسلمون المهدي المنتظر! باسم كل مادة من مواد الدستور، وباسم كل بند من بنود اللائحة الداخلية، وباسم كل دينار من دنانير الميزانية العامة، وباسم علي الراشد وحسين القلاف، خلونا معاكم في الصورة يا
حكومة!


سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
salasfoor@yahoo.com