أعلن باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أنهم قد نجحوا أخيراً في ابتكار تركيبة صمغ بيولوجي لزج يتوافق حيوياً مع الأنسجة البشرية ويمكنه وقف النزيف بشكل كامل في غضون ثوانٍ قليلة.

وأوضح الباحثون أنهم استلهموا تركيبة الصمغ البيولوجي من مادة لزجة لاصقة يستخدمها نوع من أنواع المحار البحري ليتمكن من التشبث بالصخور.

ووفقا لورقة بحثية أولية، تتميز تركيبة الصمغ الحيوي المبتكر بكونها تلتصق بالجلد حتى عندما يكون مبللاً بالدم، وتستطيع أن تخلق إغلاقاً محكماً للجروح في غضون خمس عشرة ثانية من وضعها على شقوق الجروح النازفة.

ويأمل الباحثون أن يوفر هذا الصمغ طريقة أكثر فاعلية لعلاج الإصابات النزيفية الطارئة وللمساعدة في السيطرة على حالات النزيف في أثناء الجراحة، إذ إنه يتيح حلاً لمشاكل الالتصاق في البيئات المليئة بالتحديات؛ كبيئة الجلد الرطبة؛ كما أنه يصلح للتفاعل بديناميكية ومرونة مع الأنسجة البشرية.

فإلى مزيد من التفاصيل عن هذا الابتكار...

منذ عقود طويلة، يسعى باحثون إلى إيجاد طرق سريعة وفعالة لوقف مشكلة النزيف، لكن تلك المشكلة لم تجد حلاً ناجعاً وحاسماً حتى الآن.

وعادة، تستخدم الغرز الجراحية لرتق الجروح، لكن وضع الغرز في مكانها عملية تستغرق وقتاً طويلاً، وعادة لا يكون من الممكن أن يقوم بها المستجيبون الأوائل في أثناء حالة الطوارئ.

وفقدان الدم بسبب النزيف هو السبب الرئيسي للوفاة بعد الحوادث، وهو ثاني سبب رئيسي للوفاة بعد الحوادث بين عامة الناس على مستوى العالم.

وخلال السنوات الأخيرة الماضية، أصبحت بعض المواد التي يمكن أن توقف النزيف متاحة تجاريا.

وتحتوي تلك المواد على عوامل محفزة للتخثر، وهي مواد تساعد الدم على التجلط من تلقاء نفسه.

لكن المشكلة تكمن في أن تلك المواد تتطلب وقتاً طويلا نسبياً لإغلاق الجرح فضلاً عن أنها لا تنجح مع الجروح الكبيرة والغائرة التي تنزف بغزارة.

ومنذ سنوات، يواصل باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا جهودهم الرامية إلى إيجاد حل لهذه المشكلة.

وفي عام 2019، طور فريق علمي تابع للمعهد شريطاً نسيجياً بيولوجياً وأظهر أنه يمكن استخدامه لإغلاق الشقوق الجراحية وإيقاف النزيف.

وهذا الشريط - المستوحى من المادة اللاصقة التي تستخدمها العناكب لالتقاط فرائسها في الظروف الرطبة - يحوي بوليمرات تتكون من النشا والجليكوجين والسيليوز، والتي يمكن أن تمتص الماء من أي سطح على الفور تقريبا، ثم تلتصق بالجروح فتوقف تدفق الدم إلى الخارج.

واستكمالاً للجهود ذاتها، نجح باحثون تابعون للمعهد ذاته في ابتكار تركيبة صمغ بيولوجي جديد متوافق مع الأنسجة البشرية، واستلهموا تركيبته أيضا من العالم الطبيعي.

ففي هذه المرة، ركزوا انتباههم على نوع من أنواع المحار البحري يسمى «البرنقيل» ويلتصق بأسطح الصخور وأجسام السفن وحتى بأجسام الحيوانات البحرية الأخرى كالحيتان.

ولأن تلك الأسطح تتسم بكونها رطبة ورخوة، فإن هذا يعني أن هناك خصوصية تتميز بها المادة التي يستخدمها ذلك النوع من المحار كي يلتصق عليها.

وأوضح الباحثون أنه لإغلاق الجروح النازفة وجعل أنسجتها تلتحم، فإنه عليك أن تقاوم ليس فقط الرطوبة ولكن أيضا التلوث الناجم عن هذا الدم المتدفق خارجاً.

ومن خلال ملاحظة محار «البرنقيل»، اكتشف الباحثون أن ذلك المخلوق الذي يعيش في بيئة بحرية يفعل الشيء ذاته بالضبط الذي يتعين علينا فعله للتعامل مع مشكلات النزيف المعقدة.

وكشفت تحاليل أجراها الباحثون عن أن صمغ محار البرنقيل له تركيبة فريدة، حيث يتم تعليق جزيئات البروتين اللزجة التي تساعد البرنقيل على الالتصاق بالأسطح في زيت يطرد الماء وأي ملوثات موجودة على السطح، وهو الأمر الذي يسمح للبروتينات اللاصقة بأن تتشبث بقوة بالسطح.

وفي ضوء ذلك، قرر فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا محاولة محاكاة تركيبة صمغ محار البرنقيل من خلال تكييف مادة لاصقة طوروها مختبرياً.

وتتألف تركيبة المادة اللاصقة التي ابتكروها من بوليمر يسمى (حمض الأكريليك) مدمج مع مركب عضوي يسمى NHS ester ويوفر خاصية الالتصاق، بالإضافة إلى الشيتوزان وهو نوع من السكريات.

وبعد أن قام الباحثون بتجميد صفائح من هذه المادة، فإنهم طحنوها حتى أصبحت جسيمات دقيقة، ثم خلطوا تلك الجسيمات في زيت السيليكون الطبي لتشكيل معجون صمغي ذي خصائص بيولوجية.

وعندما يتم وضع ذلك المعجون الصمغي البيولوجي على الأنسجة النازفة المبللة بالدم، فإن الزيت يقوم بإيقاف الدم والمواد الأخرى التي قد تكون موجودة، مما يسمح للجسيمات الدقيقة اللاصقة بالتشابك مع بعضها البعض سريعاً وتشكيل شبكة للإغلاق المحكم على فتحة الجرح، وتكون نتيجة ذلك هي إيقاف النزيف.

ومن خلال سلسلة اختبارات أجريت على فئران تجارب، اتضح للباحثين أن النزيف يتوقف تماماً في غضون 15 ثانية إلى 30 ثانية من دهن الجرح النازف بذلك المعجون الصمغي مع الضغط البسيط.

وفي سياق تقريرهم العلمي، أشار الباحثون إلى أن إحدى المزايا التي تتفوق بها هذه المادة الصمغية البيولوجية الجديدة على الشريط ذي الوجهين الذي صمموه في العام 2019 هي أنه يمكن تشكيلها لتلائم الجروح غير المنتظمة، في حين أن الشريط يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لإغلاق الشقوق الجراحية الغائرة أو ربط الأجهزة الطبية بالأنسجة.