لستُ ممن يدعو للتعصب نحو فكرة بعينها أو قناعة بذاتها، ولكني أدعو لحياةٍ عصرية وحالة من المدنيَّة تُضفي على الجميع الوعي واحترام فكر الآخر، مسألة الاختلاط بين الرجل والمرأة وبين الشاب والفتاة أصبحت هواية المتحدثين وأداة موسيقية يعزفُ عليها الجميعُ، واليوم أحببتُ أن أعزف كغيري ما دام الأمر مُتاحاً! لقد كثر الكلام في هذه المسألة في مجتمعاتنا العربية، وكلُّ أدلى بدلْوه بين معترض على أي قيود يمكن فرضها على اللقاءات العامة بين الرجال والنساء، وبين معارض لأي فعاليَّة تجمع بين الرجل والمرأة وهو ما يسميه أصحابُه (الاختلاط)، ومن هنا كان مهماً جداً أن نفرِّق بين نوعين من الاختلاط؛ نوع عام وهو اختلاط الناس رجالاً ونساء في المرافق العامة كما هو في الشوارع والمنتزهات والحدائق والأسواق، ومن هذه الأماكن العامة أيضاً اختلاط الناس في السفر والحج وغير ذلك، أما الاختلاط الخاص فهو مثل العمل في الدوائر والشركات والمؤسسات والمدارس، وليس في النوعيْن أي مشكلة طالما كان الاحترام مكفولاً والحشمة موجودة. فلماذا يعترض البعض على عمل الرجال وسط النساء وعلى عمل النساء وسط الرجال مادام الوعي هو الضابط والاحترام متبادل والقانون مطبَّق على الجميع؟!
ولو افترضنا جدلاً، وليس هذا صحيحاً، أنَّ دعوى الفصل التام بين الجنسين صحيحة دينياً وعقلياً فلماذا لم تكن موجودةً في صدر الإسلام بالصورة التي يريد البعض إلزام الناس بها، ألم تحج النساء مع الرجال ويطوف الجميع حول الكعبة المشرفة معاً، ألم تشارك المرأةُ الرجلَ في طلب العلم وفي العمل وفي ساحات القتال، ألم تقف امرأة في المسجد وعمرُ بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر يخطب وتصحح له فقال: «أخطأ عمر وأصابت امرأة»، يا تُرى لوكانت المرأة في مصلّى معزول وخاص بالنساء كما نفعل اليوم، هل استطاعت يومها أن تعبِّر عن رأيها وتصحح خطأ أمير المؤمنين، لنَنْظر كيف كان العرب يومها وإلى أين وصلنا اليوم؟!
كثير من الدراسات السلوكية والاجتماعية تؤكد أن الإنسان السوي لابد أن يتربى على يد امرأة ورجل في آنٍ واحد، والدليل هو أنَّ الأسرة مكوَّنة بالفطرة من امرأة ورجل وهما الأم والأب، فليس أمراً مطابقاً للفطرة أن يتعلَّم ويتربّى أبناؤنا على يد نساء فقط أو رجالٍ فقط! بل لابد أن يحصل كلٌّ من الفتيات والفتيان على التواصل الطبيعي في التربية من جهة المعلم والمعلمة في آن واحد بحضور الوعي دون تسيُّبٍ أو تشدد.
لقد راهن كثيرون على عدم دخول المرأة الكويتية مجلسَ الأمة، حتى قال البعض (هذا وطن الرجال ولا عزاء للنساء)، ولكن نتائج الانتخابات يومها حسمت الأمر، والعمل السياسي للمرأة اليوم مؤشرٌ واضحٌ على وعي الكويتيين رجالاً ونساءً واتجاههم نحو حياة عصرية وأكثرَ مشاركة بين الرجل والمرأة.


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com