| بيروت - من وسام أبوحرفوش |
/>الاسم: سعد الدين رفيق الحريري.
/>العمر: 39 عاماً كأنها اكثر.
/>العلامات الفارقة: هو نفسه.
/>إنه «محسوبكم سعد»، الاسم الجماهيري لرئيس الحكومة التي طال انتظارها 135 يوماً من «الفراغ» الذي سكن بيت الحكم عن سابق تصور وتصميم.
/>شاب وسيم، ابن الشهيد، زعيم الغالبية، طباخ ماهر، سياسي حديث، غطاس بارع، محاور يجيد الاستماع، ديبلوماسي عنيد، مرح الطباع، يهوى الدراجات النارية، هادئ المزاج، صلب و... صلب.
/>كل هذه الصفات تجتمع في «الشيخ سعد» الذي دخل الحياة السياسية «على حين غرة» وفي ظروف مأسوية كانت تحتاج لـ«وقفة الرجال»، فأطل بعينيه الغاضبتين من خلف الزلزال يوم تحول عيد الحب في 14 فبراير العام 2005 الى شلال دم ودموع مع اغتيال والده رفيق الحريري.
/>وبعد أربعة اعوام على اغتيال الحريري - الأب الذي أُرغم قبل «تفجيره» على الاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة، انضمّ الحريري - الابن الى نادي رؤساء الحكومة، وهو ربما «تعمد» عشية تأليفه الحكومة احياء عيد ميلاد والده في حفل غنائي وسط بيروت وكأنه أراد القول ان الحريري السياسي لم يمت ولو بأكثر من طن من «المتفجرات الغبية».
/>شكل الحريري الحكومة بالنيابة عن الحريري بعد «الثورة الناقصة» ورغم «الثورة المضادة»، وكعادته أهدى الابن انجازه الصعب الى «الضريح» المحروس بالورد ليبدأ مشواره الأصعب على رأس «حكومة مصاعب» لن يتاح لها ولا للحريري الحكم. فلبنان المحاط بغليان اقليمي مرشح للاستمرار فوق فوهة من الانقسامات التي ستكون أشبه بـ «قنابل موقوتة» تحت طاولة مجلس الوزراء وفوقها على حد سواء.
/>لم يكن سعد الحريري يتوقّع، لا في الحلم ولا في الكوابيس، ان تحمله لعبة الاقدار الى رئاسة الحكومة خلفاً لـ «مسيرة» والده الذي أُريد شطبه من المعادلة السياسية. فهذا الشاب، الذي اختير في المرتبة الـ 22 ضمن قائمة «اجمل زعماء العالم» كان برع في ميدان الاعمال مما جعله احد اغنى اغنياء العالم يوم تجاوزت ثروته في العام 2008 الـ 3.3 مليار دولار.
/>في بطاقة الهوية، لا يخلو تاريخ ميلاد الحريري من مفارقة سياسية، فهو ولد في 18 ابريل من العام 1970، اي في السنة التي شهدت تفكيك الجهاز الامني اللبناني الشهير، المعروف بـ «المكتب الثاني» اثر انتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية وتشكيل صائب سلام الحكومة، وهو ما اعتبر في حينه بداية لعهد جديد، تماماً كما حصل مع «الميلاد السياسي» للحريري الابن عندما اطيح في ابريل من العام 2005 بالجهاز الامني المُمسك بالبلاد ايذاناً بمرحلة جديدة.
/>فالحريري البالغ من العمر 39 عاماً هو ابن رفيق الحريري من زوجته الاولى نضال بستاني، العراقية الجنسية، ومتزوج من لارا بشير العظم، السورية الجنسية، ولهما ثلاثة ابناء: حسام الدين، لولوه، وعبدالعزيز، واشقاؤه هم: بهاء الدين، حسام الدين (توفي عام 1991 بحادث سير) وأمهم كما أسلفنا هي السيدة بستاني، اما اخوته من ابيه فهم: ايمن، فهد، هند، وأمهم السيدة نازك، من اصل فلسطيني.
/>عاش سعد الحريري «طفولة طبيعية» بين صيدا (مسقط العائلة في لبنان) والمملكة العربية السعودية وفرنسا. وأمضى ايام الطفولة في كنف الجد بهاء الدين والجدة هند في صيدا بينما كان والده يتابع أعماله في السعودية. وفي تلك المدينة المسترخية على حافة البحر، درس الأحرف الاولى قبل ان ينتقل الى باريس مع شقيقه الاكبر بهاء والأصغر حسام لمتابعة الدراسة بناء على رغبة الوالد الذي أصرّ على تلقيهم العلم في افضل المدارس الباريسية.
/>ومن المفارقات «النادرة» ان نائب رئيس البرلمان الحالي النائب فريد مكاري، العضو في الكتلة البرلمانية التي يترأسها سعد الحريري (تكتل «لبنان اولاً» ويضم 41 نائباً)، عرف سعد يوم كان في الرابعة من عمره وكان يناديه «عمو فريد»، فهو كان على علاقة عمل وصداقة لم تنقطع مع الرئيس الراحل رفيق الحريري منذ مطلع السبعينات، تحوّلت مع الوقت علاقة عائلية - سياسية.
/>في بيته في الرابية، شرق بيروت، يجلس «دولة الرئيس» مكاري مع شريط من ذكريات جميلة أعادته عقوداً الى الوراء. ويروي انه «في العام 1978 (كان سعد في الثامنة)، كنت أتردد الى صيدا اثناء تشييد مجمع كفرفالوس وأمضي ثلاثة او اربعة ايام في شقة رفيق الحريري في الطبقة عينها التي تضم بيت العائلة (الحاج بهاء وزوجته) ... وفي الليل كان يأتي بهاء وحسام وسعد ليناموا بجانبي على السرير وكنا نمارس لعبتهم المفضلة وخصوصاً سعد، أي التراشق بالوسادات».
/>ويذكر مكاري، الارثوذكسي ابن الشمال الذي تسلم وزارة الاعلام في احدى حكومات الرئيس رفيق الحريري، ان «سعد تحلى منذ طفولته بديبلوماسية لافتة كانت تتيح له ان يحصل على ما يريده من دون ان يطلبه، وكان محبباً وقريباً الى القلب لما يتمتع به من وسامة في الصغر ومن اكتناز في اطلالته. أما في المدرسة فكان من الشطار».
/>كبر سعد الطفل بـ «سلام» وعاش سن المراهقة بـ «اعتدال ومن دون تهور»، ولم تأخذه الرفاهية عن اهتمامه بمستقبله. وسرعان ما كسب سعد الشاب ود مَن هم حوله واحترامهم، وكان يحرص على تمتين علاقته بأصدقاء والده في الداخل والخارج، في اللحظة التي لم يكن وارداً، لا منه ولا من والده، ان ينخرط في الشأن السياسي رغم نجاحه في نسج علاقات مع رؤساء وزعماء في العالم وميله اللافت لمتابعة القضايا السياسية وكواليسها.
/>بعض الذين واكبوا عن قرب مجريات مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991 والتحضيرات له، أخذتهم حيوية الشاب الذي كان يتابع كل شاردة وواردة في مفاوضات «الكر والفر» التي شارك فيها لبنان، وعندما كانوا يسألون عنه كان الجواب انه الشيخ سعد، نجل رجل المهمات الصعبة رفيق الحريري الذي لم يكن تسلّم رئاسة الحكومة في لبنان بعد.
/>قبل مدة ذُكر في بيروت ان سعد الحريري تبرع بمبلغ 20 مليون دولار لجامعة جورج تاون الاميركية العريقة التي كان تخرّج فيها («كلية دراسة الاعمال») قبل 17 عاماً والتي اعلنت اخيراً عزمها على تسمية المبنى الجديد لمدرسة «ماكدونو للأعمال» باسم رفيق الحريري.
/>هذه السيرة الناجحة للشاب الطموح قادته سريعاً الى ميدان العمل. فبعد تخرجه، عمل في «سعودي أوجيه»، ولم يمض اربع سنوات الا وأصبح المدير العام لتلك الشركة التي تضم 35 ألف موظف وهي مخصصة لمشاريع البناء في المملكة العربية السعودية وبعض بلدان الشرق الاوسط، كما لها فروع في اوروبا والولايات المتحدة، ومن هذه الفروع «سعودي أوجيه»، «أوجيه فرانس»، «أوجيه ماروك» (المغرب)، وأوجيه «يو اس اي»، الى جانب ادارة اسطول الطائرات العائد لعائلة الحريري ومتابعة اعمال جميع استثماراتها.
/>لم يتوقف رجل الاعمال سعد الحريري عند الشركات التي تسلمها من والده بعدما دخل الاخير معترك الحياة السياسية، بل عمد الى تكبير حجمها قبل ان يدخل حقل الاتصالات عبر شركة «أوجيه تلكوم» التي باتت من اكبر شركات الاتصال في جنوب افريقيا. كما شغل سعد الحريري منصب عضو في مجلس ادارة شركات أوجيه الدولية ومؤسسة الاعمال الدولية وبنك الاستثمار السعودي، ومجموعة الايمان والتسويق السعودية.
/>مكاري، الذي كان يحلو له مناداة الرئيس سعد الحريري بـ «سعود» يوم كان طفلاً او بـ «ابو السعود»، يفاخر بهذا الشاب الذي صار وبجدارة رجل دولة، من دون ان ينسى «مواهب» الشيخ سعد التي تعكس حيويته وحداثته. ويقول: «قليلون هم الذين يعرفون ان دولة الرئيس طباخ ماهر يجيد إعداد أطباق ايطالية وسعودية وهندية، وهو غالباً ما كان يمضي يوم الجمعة ايام عمله في السعودية في تحضير سفرة كاملة من صنع يديه، وهو ما يفعله الآن يوم الأحد بعدما استقر في بيروت».
/>لا تقتصر «هوايات» الشيخ سعد على «فن الطبخ» فهو غطاس بارع تستهويه الأعماق، ومولع في ركوب الدراجات النارية، اضافة الى انه مرح رغم صلابته، وديبلوماسي رغم حزمه، ومستمع جيد لمستشاريه وفريق عمله رغم انه صاحب القرار.
/>وما لم يقله مكاري قالته صحيفة «كوريري ديلا سيرا» الايطالية التي تُوّج سعد الحريري عبر صفحاتها في اكتوبر الماضي في المرتبة الـ 22 ضمن قائمة «أجمل زعماء العالم» بحسب استطلاع أجرته مؤسسة «هوتيست هيد اوف ستيت» وشمل 172 ملكاً ورئيس دولة ورئيس وزراء.
/>ثمة اشياء كثيرة اخذها الحريري الابن عن والده الشهيد، كالحب المفرط لوسط بيروت رمز هزيمة الحرب وانتصار ارادة السلام، و«قلة النوم» اذ يكتفي الشيخ سعد بالنوم اربع ساعات في اليوم عملاً بقول عمر الخيام «ما اطال النوم عمراً ولا قصّر في الاعمار طول السهر»، اضافة الى الشخصية «العطوفة» التي لا تردّ محتاجاً والمهجوسة بالعمل الخيري.
/>وعلاقة سعد بوالده الراحل كانت مميزة، فهو كان الاكثر التصاقاً بالرئيس رفيق الحريري، وكان يتحين كل فرصة بين أسفاره الكثيرة ليحط في «قريطم» ولو لساعات قليلة. وغالباً ما كان الأب يخصه بـ «اسراره السياسية» من دون ان يبوح له بما يقلقه، غير ان سعد، «المتابع» عن كثب، كان يدرك ما يجري من حول والده، ولم يتأخر في الانخراط الى جانبه يوم قاد له حملته الانتخابية الاخيرة.
/>بعدما اغتيل الحريري - الأب وكان على العائلة المفجوعة اختيار «خلَف له»، استقر الرأي على ان يكمل سعد «المهمة الصعبة»، وهو قرار حصل على مباركة سعودية وفرنسية. فالنجل الاكبر للحريري بهاء رغب في التفرغ لادارة اعمال العائلة، في الوقت الذي جاء اختيار سعد استناداً الى أدوار لعبها بتكليف من والده الراحل وقادتْه الى عواصم عدة في مهمات سياسية.
/>لا يختلف اثنان ان واحداً من اهداف طن المتفجرات الذي استهدف موكب الرئيس رفيق الحريري كان قفْل «قريطم» الدار السياسية لشطب الدور الذي كان يضطلع به اكثر الزعماء اللبنانيين حضوراً على المستويين العربي والدولي. الا ان الشاب الذي جاء من «الخطوط الخلفية» تصدّر المواجهة والى جانبه زعيم «الحزب التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط الذي شكل «رأس حربة» في تحالف ضم قادة مسيحيين وعُرف بـ «ثورة الارز» التي «انفجرت» في 14 مارس 2005 في تظاهرة مليونية هي الاكبر في تاريخ لبنان، حمّلت «النظام الامني اللبناني -السوري» مسؤولية جريمة اغتيال الحريري وطالبت بانسحاب الجيش السوري الذي خرج في 26 ابريل 2005.
/>جاء سعد الحريري الى الحياة السياسية في جو «زلزالي» ووجد نفسه في خضم صراع هائل محلي واقليمي، فأبدى الشاب رباطة جأش استثنائية في قيادة تلك المرحلة المأسوية واللاهبة مع استمرار مسلسل الاغتيالات الذي استهدف وجوهاً بارزة من «ثورة الارز».
/>بكى الحريري وما زال يدمع حتى الآن كلما تحدث عن والده، لكن هذه النفحة الانسانية لم تقلل من غضبه «الدائم» ولم تروّض صلابته وهو «الحديث العهد» في المعترك السياسي الصاخب و«المفخخ» بصراعات لا هوادة فيها.
/>رفاق سعد الحريري في «14 مارس» فوجئوا بالشجاعة اللافتة التي أظهرها في ادارة المعركة، وكثيرون قالوا انه يتمتع بـ «ركب قوية»، فالرجل اثبت قدرة فائقة على استيعاب كل الصدمات والصمود في وجه الرياح التي عصفت بلبنان. وكان على الدوام «عصَب» الحركة الاستقلالية التي واجهت «ثورة مضادة» بلغت حد رفع السلاح في وجهها في 7 مايو 2008 ومحاصرة «حزب الله» لمقرات قادتِها كـ «قريطم» حيث دارة الحريري و«كليمنصو» حيث دارة جنبلاط، اضافة الى السرايا الحكومية التي حوصرت باعتصام الخيم على مدى نحو عام ونصف العام.
/>«... العلاقة معه مريحة والتواصل معه سهل». هذا ما يقوله عنه بعض رفاقه في «14 مارس» والذين لا يخفون اعجابهم بـ «عقله الحديث»، فهو نجح في قيادة معركة انتخابية صعبة في السابع من يونيو 2009 حقق فيها تحالف «14 مارس» انتصاراً اعتُبر بمثابة مفاجأة حتى لهذا التحالف عينه، وتمكّن الحريري من تشكيل تكتل «لبنان اولاً» الذي يضم 41 نائباً من اصل 128 يتألف منهم البرلمان اللبناني.
/>«محسوبكم» سعد أعاد الحريري الى رئاسة الحكومة، ولم تنجح عملية تفجير رفيق الحريري في اغتياله سياسياً، فها هو سعد يترأس الحكومة بعد اربعة اعوام على محاولة شطب والده من المعادلة اللبنانية وتغيير موقع لبنان في المعادلة الاقليمية.
/>