(ع)-عودي.لم تجب، كأن الهواء الذي بيننا لم يمرر كلمتي المغموسة بماء الرجاء، لن تعود فهي لا تملك تحديد مصيرها، كما لا أملك أنا القدرة على اللحاق بها في دربها الجديد وغير مسموح لكينا تجاوز حدود عالمينا المختلفين تماما.-عودي.كلمة بائسة تلتحف بضعفها الدامع وأنا أرددها بأحرفها الأربعة التي تخرج من فمي مبعثرة بلا أطار يقمع فوضاها ويشذب حدة الخوف فيها.-عودي.كي لا يبدو رحيلك كجرح غائر في جبهة طفل جميل.(ن)بيننا أبواب مغلقة وتراب ومصعد وبنايات كثيرة شاهقة وأسوار، بيننا قلبي المفجوع، والمنازل القديمة الباردة، وثرثرتنا اليومية، بيننا رائحة بخورك الثمين وأنت تمرين في ساحة المدرسة الثانوية أيام الشتاء تنشري عطرك الشرقي وتختبري ألقك المتنامي، بيننا قصة كحلك الأسود الذي سرقته من جدتك البدوية الجميلة، تجيدين رسم حدوده داخل عينيك الواسعتين ولا تخبري أحد أين يباع كأنه سرك الثمين، بيننا خفة ظلك وتعليقاتك الطائشة ونحن نلحق بمحاضراتنا الجامعية ونجلس بعيدتين عن بعضنا حتى لا تفضحنا ضحكاتنا المشتركة وخططنا السرية، بيننا الكثير من القصص وبكل درجات الألوان!كنت أنوي زيارتك في منزلك الجديد قبل أن يخبروني بما حدث، كنت –أقسم لك بذلك- على بالي، فكرت بك وقررت الاتصال. لتحديد موعد للقاء الذي تأخر كثيرا، هديتك في الخزانة مغلفة بورق الهدايا، هل أخبرك ماذا اشتريت لك؟ الآن هل يهم ذلك...!(و)عندما أنهينا دراستنا، تزوجنا، انخرطنا في العمل، أنجبنا، بالتدريج افترقنا أو شبه افترقنا، لم نعمد ذلك، دخلنا دوامات متتابعة،غمرت رؤوسنا أمواج الحياة، كنا نلهث محاولين اللحاق بقطار الطمأنينة، لكنه لا يصل للمحطة التي تتبدد سنواتنا على مقاعد انتظارها الخشبية!ما بيننا أكبر من العشرة وأعمق من الألفة، كنت أشعر أحيانا أنك أختي التي لم أرزق بها، أنا المولودة وسط قبيلة من الذكور.هل تذكرين قبل أعوام عندما طرقت بابي ذات ليلة صيفية من ليالي مدينة الغبار، وفي يدك قفص نحاسي كبير بداخله طير كناري وحيد يرتجف خوفا، شرحت لي أنه يفضل أن يكون وحيدا لأنه انعزالي وقفصه يجب أن يكون واسعا حتي يطير بالمساحة المتاحة بانتظام، ويجب علي أن أضعه في مكان مرتفع، لأنه يفضل أن يطل من علو على كل ما حوله. احترمت شروط طائرك السجين السهلة وتساءلت بداخلي عن سر هديتك المفاجئة!هل كان طائرك الضئيل يرمز لشيء ما وددت إيصاله لي في تلك المرحلة الفاصلة؟!، هل فهمت نصيحتك وتآلفت مع طائرك الأصفر، الغريب انك لم تسأليني أبدا عن ذلك!(د)هل يليق بكل ما بيننا أن ترحلي دون أن تمنحيني فرصة التقاط صورتنا الأخيرة معا للذكرى، أضعها في البوم الصور قرب صورة حفل زفافك الأسطوري؟!هل من المعقول أنك أغمضت عينيك الجميلتين بكحلهما الأسود الداكن، وشعرك العاشق للحناء على الوسادة البيضاء وأخذت إغفاءة طويلة لا موعد لنهايتها؟!هل أخبر أمي بما حدث لك، دائما تسألني عن أخبارك؟! هل أجيب طفلتي عن سر الدموع المترقرقة في عيني واكتئابي الطارئ؟! هل يمكنني المرور في الطريق الذي اغتيلت فيه حياتك القادمة، دون أن يصيبني الدوار وأسقط؟!على أي حجر من أحجار الرصيف سالت دماؤك؟ هل انتحبت عواميد الإنارة، وهي تشهد انطفاء شمسك الساطعة تلك الظهيرة العاقة؟!، هل آلمتك قسوة الحديد وخدشت أنياب الزجاج أطرافك، هل استباح النظر إليك العابرون والفضوليون؟!... يا لهذا الوجع المتصاعد...طائر الكناري بعد شهور من الشدو المتقطع والطيران في القفص الواسع، رحل تاركا سر عزلته، بقايا ألحانه العذبة وبعض الريش المتساقط قرب باب القفص المفتوح.أنت ما الذي تركتيه في عالم واسع لا يكترث كثيرا بمن رحلوا، غير جرح غائر على جبين طفل جميل لا تحتمل أمه شعوره الغامر بالألم!هل عليّ انتظار مرورك فجرا في أحلامي... أم عليك انتظاري يوما ما؟!
محليات - ثقافة
لغة الأشياء / جرح على جبين الطائر الأصفر!
01:12 م
| باسمة العنزي |