ثمة ما يخيف في السياسة الأميركية. يكفي النظر إلى ما تشهده باكستان من تطورات، في ضوء اغتيال بنازير بوتو، للتأكد من أن القضية ليست قضية عابرة. ستكون باكستان، على الأرجح، عنوانا أساسيا في احداث السنة 2008. تندرج باكستان في جوهر ما يمكن وصفه بالفشل الأميركي عندما يتعلق الأمر بالتعاطي مع الآخر ومع قضايا تهم الشعوب الأخرى وتعنيها.لعل أكثر ما يخيف في السياسة الأميركية، ما قد يكون في أساس هذه السياسة أي قدرتها على ألا تأخذ الآخر في الاعتبار هموم الآخر وهواجسه. ترى السياسة الأميركية أن في استطاعتها استخدام الآخر لا أكثر ولا أقل. تكتشف الإدارة الأميركية الآن أنه لا يتوجب عليها دفع ثمن سياسات معينة تتسم بقصر النظر. سياسات، تمثل تاريخاً في قصر النظر. ولكن أين المشكلة عند رجل مثل جورج بوش الإبن؟ سيرحل الرجل عن البيت الأبيض في غضون سنة. سيخلف تركة ثقيلة لخلفه. مشكلة باكستان، مثل مشكلة العراق، صارتا على عاتق خلفه. على العراقيين والباكستانيين وآخرين كثر تحمل أخطاء السياسة الأميركية وخطاياها.ليست الأوضاع التي آلت إليها باكستان سوى تعبير عن السياسة الأميركية الخاطئة تجاه البلد، خصوصاً في مرحلة الحرب الباردة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر العام 1991. استخدمت (بضم التاء) باكستان أميركياً في المواجهة مع الاتحاد السوفياتي وفي لعبة التوازنات الإقليمية والدولية من دون تفكير جدي في النتائج التي يمكن أن تترتب على مثل هذا الاستخدام. استخدمت في مرحلة ما، في اللعبة الأميركية القائمة على إيجاد تباعد بين الصين والاتحاد السوفياتي. عندما حصل تقارب سوفياتي - هندي، جاء التوازن عبر تقارب صيني - باكستاني. وكان هذا التقارب من العوامل الأساسية التي ساهمت في حصول باكستان على التكنولوجيا النووية. ومهّد لها ذلك في التسعينات من القرن الماضي لامتلاك السلاح النووي بغية إيجاد توازن مع الهند.الآن، وبعد اغتيال بنازير بوتو وتأجيل الانتخابات إلى الثامن عشر من فبراير ـ شباط المقبل، تكتشف الإدارة الأميركية نفسها أنه ليست لديها سياسة بعيدة المدى لا في أفغانستان ولا في باكستان ولا في المنطقة المحيطة بهما. كل ما تستطيع عمله في هذه المرحلة دعم الرئيس برويز مشرف الذي ورث بدوره تركة ثقيلة خلفها الأميركيون بسياستهم العرجاء إلى حد كبير.نشأت باكستان في العام 1947 بصفة كونها ملجأ لمسلمي الهند. كان الخوف من أن يكون المسلمون الهنود ضحايا استقلال الهند، فكان هناك كيان خاص، اسمه باكستان. كانت باكستان في البداية دولة ليبيرالية بزعامة محمد علي جناح، الإسماعيلي، الذي كان يتصرف كأي أرستقراطي بريطاني مثقف. مع الوقت، صار مطلوباً أن تكون باكستان التي اغتيل أول رئيس للوزراء فيها في العام 1951، أحد مخالب السياسة الأميركية في العالم، بل أحد الحصون المتقدمة للغرب في مواجهة كل ما له علاقة بالمنظومة السوفياتية. كانت باكستان جزءاً في «حلف بغداد» في منتصف الخمسينات، لكن ذلك لم يحل دون محافظتها على تراثها الديموقراطي الذي سمح بوصول ذو الفقار علي بوتو إلى رئاسة الحكومة في السبعينات رغم أفكاره التي لا تتطابق كليا مع الأفكار الأميركية، وهو الذي درس في الولايات المتحدة. وفي مرحلة وجوده في السجن بين العامين 1977 و1979، أي في مرحلة ما قبل إعدامه، وضع ذو الفقار علي بوتو كتاباً كان عنوانه: «في حال اغتيالي». ورد في الكتاب أن وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر هدده في العام 1976 بقوله: «سنجعل منك أمثولة». كان ذنب ذو الفقار علي بوتو أنه تمرد حينذاك على السياسة الأميركية وفكر باكراً في الحصول على السلاح النووي، كما أمم صناعات عدة في باكستان...وذلك في إطار سعيه إلى تطبيق ما أسماه «الاشتراكية الإسلامية». كان ذو الفقار ثائراً على طريقته. لم يدرك أهمية باكستان للولايات المتحدة. من أدرك ذلك كان الجنرال ضياء الحق، الرجل الذي انقلب عليه، وما لبث أن أعدمه بعدما ركّب له تهماً معيّنة، بما فيها تهمة القتل.كانت فترة حكم ضياء الحق نقطة التحول في باكستان. كان مطلوباً أن تكون باكستان وقتذاك القاعدة الخلفية للحرب الأميركية على السوفيات في أفغانستان. ولذلك، لم يأبه الأميركيون بالتحول الخطير الذي طرأ على المجتمع الباكستاني الذي صار عليه التكيف مع طريقة تسهل إنتاج مقاتلين على استعداد لـ «الجهاد» ضد الروس في أفغانستان. وفي هذا السياق، تساهلت السلطات في باكستان مع كل أنواع التطرف الديني من أجل مقاتلة الروس في باكستان. زادت «المدارس» الدينية التي تخرجت منها عناصر «طالبان» لاحقاً. والأهم من ذلك، أن باكستان اتجهت نحو أن تكون مصنعاً للإرهاب والإرهابيين ليس بفضل «المدارس» فحسب، بل بفضل النمو السكاني أيضاً. هناك نحو مئة وستين مليون نسمة في باكستان حالياً. في السبعينات، كان عدد سكان باكستان مساوياً تقريباً لعدد سكان إيران التي لا يزيد سكانها حالياً على سبعين مليون نسمة.يدفع الأميركيون حالياً ثمن تجاهلهم المطلق للأبعاد المرتبطة بالمجتمع الباكستاني. أرادوا، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 معالجة الوضع في أفغانستان، متجاهلين أن باكستان في أساس المشكلة، وأنه لولا «طالبان»، التي هي في الأساس بضاعة باكستانية، ما كان هناك ملجأ آمن لأسامة بن لادن في أفغانستان. يحصد الأميركيون حالياً ما زرعوه في باكستان. لم يستوعبوا منذ اللحظة الأولى ألا علاج لأفغانستان من دون الذهاب إلى الجذور، أي إلى باكستان بدلاً من العراق. ارتكب بوش الابن الخطأ. بعد سنة يغادر البيت الأبيض. سيترتب على الأفغان والباكستانيين والعراقيين والعرب عموماً دفع ثمن توجهه إلى العراق، مباشرة بعد أفغانستان لمعالجة مشكلة ناجمة عن الوضع في أفغانستان. مسموح لرئيس أميركا ارتكاب أخطاء قاتلة في حق الأميركيين، وحتى في حق الأميركيين أنفسهم، ليس مسموحاً لغيره ارتكابها. يحق لجورج بوش الإبن مثلاً ما لا يحق لغيره. هل من ظلم أكبر من هذا الظلم؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن