هذه ثلاثة أحرف: الحاء والباء والراء، تستطيع أن تشكل منها كلمات كثيرة «حرب، حبر، بحر، ربح، رحب»... وتختلف هذه الكلمات بمعانيها وآثارها ومدلولاتها. فهذه ثلاثة أحرف قد تكون حرباً وينتج عنها ماّس وقتل وهدم وجروح، وقد تكون حرباً كلامية ينتج عنها مشادات ومهاترات وأخذ وجذب وسباب وشتائم. وقد تكون هذه الثلاثة أحرف بحراً، ويعني العطاء والعمل وتغير الحال من مد وجزر وهكذا... وتكون حبراً وترمز للثقافة والإبداع، إذ أن الحبر مداد القلم وهو آلة الكتابة التي حفظت أدبنا وشعرنا وتراثنا وسطرت إبداعاتنا، وتكون ربحاً وهو رمز الاقدام والتفاؤل والمضي في أمور الحياة إلى الأمام وعدم الوقوف على أطلال الماضي، وتكون رحابة وهو الواسع من الأمور وترمز إلى النظرة التفاؤلية في الحياة، ومشاهدة هذا الكون رحبا واسعا يستوعبنا جميعاً ونستطيع أن نغرف من عطاياه. هناك أناس لا يستطيعون أن يشكلوا من هذه الأحرف إلا كلمة حرب، فهم في صراع دائم مع كل وأي شئ، وعندما تسمع نقاشاتهم، أو تصريحاتهم، أو انتقاداتهم كأنك تسمع بياناً حربياً لا تصريحاً صحافياً، ويعتقد هؤلاء أن تنميق الكلمات العنترية واستخدام مصطلحات الحروب تحقق انتصاراً، ولا يمكن لهؤلاء تشكيل أي كلمة أخرى من هذه الأحرف سوى كلمة حرب. وهناك آخرون يستمتعون بتشكيلات أخرى لهذه الأحرف فمرة تراهم يرونها بحراً، ومرة يرونها حبراً، أو رحابة، أو ربحاً. الأحرف ذاتها لكننا نختلف في تشكيل الكلمة منها، ونختلف بعدها في كيفية نظرتنا للأمور والتعامل معها... هناك واقعة أو موقف يستطيع أحدنا أن يجعل منه حرباً، لكن آخر من الممكن أن يجعل منه عطاء، أو أن يبدع فيه ثقافة، أو أن يراه من ناحية رحبة واسع يقبل فيه الخلاف. في حياتنا اليوم هناك فئة من البشر وللأسف أنهم أخذوا بزمام الأمور لا يرون من هذه الأحرف إلا كلمة حرب، ولأنهم أصحاب قرار يوجهون الرأي العام، فقد ادخلوا المجتمع بأسره معهم في هذ الحروب، ولأن الحرب قرار يتخذه الكبار ويدفع ثمنه الصغار فها نحن ندفع ثمن رؤيتهم هذه وثمن حروبهم التي يخوضونها كل يوم بسبب وبلا سبب تأخراً وصراعات ومشاكل لها أول ولكن ليس لها آخر... أفقدونا معنى البحر، والرحابة، والربح، لم نعد نحس بطعم هذه الكلمات لسوء سريرة هؤلاء الذين رزحوا على صدورنا، ونصيحتي لكل من تقع عيناه على هذا المقال لا تتبع أمثال هؤلاء بتشكيل هذه الأحرف. انظرها بحراً، أنظرها حبرا،ً أنظرها رحابة، وربحاً، انطلق في هذه الدنيا الرحيبة بكل معانيها الجميلة.


محمد صالح السبتي
كاتب كويتي
Yousef-8080@hotmail.com