ضمن الموسم الثقافي لدار الآثار الإسلامية، وبحضور غصت به القاعة ألقت البروفيسورة فالنتينا كولومبو محاضرة بالانكليزية تحت عنوان «كتاب الحيوان للجاحظ» مساء الإثنين** الماضي، بمركز الميدان الثقافي «مقر منطقة حولي التعليمية»، قدم المحاضرة وأدار حولها النقاش عضو اللجنة التأسيسية لأصدقاء «الدار» أحمد خاجه.
استهلت البروفيسورة كولومبو حديثها بتعريف عن المفكر التراثي العربي القدير الجاحظ، فهو أبو عثمان عمر بن بحر الكناني ولد بالبصرة 781 م. وتوفي فيها 868 أو 869م. من عائلة فقيرة. مات أبوه وهو صغير فاضطر الى احتراف بيع الخبز والسمك، الى جانب مواصلة تعليمه في الكتاب، والمسجد، والحلقات، والاطلاع على كل ماتقع عليه يداه.
وعن مسيرة الجاحظ وانجازاته أضافت المحاضرة انه قصد بغداد فاستقبلته قصور الخلفاء والوزراء والكبراء بحفاوة. ولاه المأمون ديوان الرسائل. زار دمشق وأنطاكية وربما مصر. وفي آخر حياته أصيب بفالج نصفي فعاد الى البصرة. اتصل بعلماء الكلام، وانضم الى المعتزلة، وأجاد مناهجهم، وأحاط بمعارف عصره من عربية: لغة وأدب وأخبار. وأجنبية : هندية، وفارسية، ويونانية.
أكدت المحاضرة أن الجاحظ يعد أحد أهم المفكرين في الأدب والثقافة العربية. كتب في مجالات عديدة كما يفهم من عناوين كتبه الكثيرة. مثل كتاب «الحيوان» و«البخلاء» و«البيان والتبيين» و«التربيع والتدوير» و«المحاسن والضداد») غير كتبه عن الجواري والقيان.
في كافة أعماله أظهر الجاحظ إلماما عظيما بالعقل البشري وبالأدب والتاريخ. ورائعة الجاحظ «كتاب الحيوان» الذي ترجم إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان «The book of animals» كان ينبغي أن يطلق عليه كتاب الإنسان. وحتى وإن كانت عناوين الكتب العربية بشكل عام عناوين عامة جدا ولا تمت لمضمون الكتاب بصلة فإن هذا الكتاب «الحيوان» ناطق بمضمونه وبحاجة إلى تحليل أعمق. فكلمة حيوان ترد في القرآن الكريم مرة واحدة فحسب في سورة العنكبوت الآية «64»، وفي معجم ادوارد ويليام لين تعرف كلمة الحيوان على أنها اسم مفرد تعني أي شيء أو أشياء تملك حياة الحيوان، سواء العاقل وغير العاقل. بل ويؤكد الجاحظ نفسه تفسيرنا نحن لكلمة الحيوان عندما يصنف الإنسان ضمن الحيوان والنبات ومن ثم يقسمها إلى ثلاث فصائل: الحيوانات الماشية «البشر»، وليست آكلة الحيوانات التي تمشي على أربع وهي البهائم، والحيوانات آكلة اللحوم التي تمشي على أربع، والطيور ومن بينها طيور آكلة اللحوم وطيور غير آكلة للحوم، ومجنحة وحشرات... هوام.
وواصلت البروفيسورة شرح تفرد الجاحظ في تعمقه أبعاد اللغة العربية موضحة أن من التقسيمات المهمة التي أوردها الجاحظ في كتاب الحيوان تقسيمات للبشر وهي مهمة جدا لمناقشتنا في هذا الحديث، ونعني التقسيم القائم في اللغة بين اللغة الفصحى واللهجة الدارجة. وقد سلط الضوء في هذا التقسيم على تفوق اللغة العربية وفصاحتها وقوة بيانها، ولهذا السبب أكد الجاحظ على عدم إمكانية ترجمة الشعر إلى لغة أخرى. كما أخضع نظرية الترجمة إلى التحليل بطريقة تنم عن الحداثة.
وحول القضية الحيوية التي عنيت البروفيسورة كولومبو بشرحها موضوع صلة إنتاج الجاحظ الفكري بمؤلفات أرسطو. في ذلك أبانت أنه في القرن 11، اتهم الكاتب البغدادي الجاحظ بأنه قام بسرقة أدبية لأجزاء من كتاب الحيوان لأرسطو، لكن المفكرين المحدثين أكدوا على أن تأثير أرسطو في كتاب الجاحظ كان محدودا للغاية، وربما كان البغدادي غير ملم بعمل أرسطو في هذا الموضوع، لا سيما أن هناك أفكارا للجاحظ حول بعض الموضوعات مثل الانتقاء الطبيعي، والبعد البيئي وسلسلة الغذاء لم ترد في أعمال أرسطو.
كما أوضحت في نهاية محاضرتها أن علينا ألا ننسى أبدا مقدمة كتاب الحيوان التي تنطوي على أهمية وتفرد مهم. وبالتالي قدمت تحليلا لأهم الأفكار والنظريات الواردة في الجزء الأول من كتاب الجاحظ، كنظرية الترجمة والأدب والتي تبين بأن الجاحظ كان رائدا في العديد من مجالات المعرفة ومنها نظرية النشوء والارتقاء.
بعد انتهاء محاضرة البروفيسورة فالنتينا كولومبو فتح باب التعليقات والتساؤلات لتثير الكثير من قضايا الفكر حضاريا وثقافيا خاصة بين الأصول العربية والأصول الغربية.
استهلت المشرف العام على دار الآثار الإسلامية الشيخة حصة صباح السالم الصباح التعليقات فشكرت المحاضرة لتناولها موضوع اللغة العربية وصلتها بالإسلام، وبالتالي أوضحت اتساع معنى كلمة الحيوان، وهو عنوان كتاب الجاحظ في أصلها اللغوي ومقصودها الإنساني العميق. كما حيت المحاضرة لجهودها في مجال الترجمة فقد أقامت جسرا مهماً بين الثقافة العربية والثقافة الإيطالية. توالت بعد ذلك التعقيبات فأضافت المحاضرة في سياق إجابتها أن الترجمة شديدة الحساسية وعن ذلك ذكرت بالمثل الإيطالي الذي يقول «أيها المترجم أيها الخائن». وقالت انه رغم معرفتها بست لغات، إلا أنها تقتصر في الترجمة على النقل من هذه اللغات الى الإيطالية لغتها الأم، وأن العكس هو الصعب