ليس من المعقول أن ننتظر معجزةً من السماء لتنهض الأمة من نومها! فعندما بدأ عصر النهضة في أوروبا لم تظهر لهم معجزة ليعرفوا الطريق إلى تلك النهضة. نعم فلم يعد غريباً سلوكنا السلبي تجاه قضايا كبرى للأمة، فليس سراً أن نقول اليوم انَّ همَّ المواطن العربي لم يعد للأسف هماً عربياً! لقد وصل ميولنا إلى أدناه، فما عاد لأبناء العرب همٌّ أو طموح للوصول إلى وحدة في ما بينهم، وما عاد في تفكيرنا أيّ تقدير لتلك المعاني الجميلة، وليس علينا عتب كبير لأننا شعوب ودول حصرنا اهتماماتنا في رغبات صغيرة بين كسلٍ يومي وجري وراء الراحة والتفكير في مستقبلنا المالي وما نحصل من مراكز وظيفية، فتفرَّقتْ همومُنا كأفراد بين إنسان يلهو ويضيِّعُ وقته ويتلف ماله وإنسان نسي مكانه بين أبنائه وأمضى أكثر وقته مع الأصدقاء! وتفرقت همومُنا الرسمية حتى مارسْنا القوةَ فقط ضد بعضنا! ولأن ذلك حاصل ويُكرر نفسه رأينا كيف لا تتجلى صور الشجاعة إلا حين نحمل السلاح على بني جلدتنا وأوجدنا ذرائع لتبرير ذلك، أما حين يكون العدو أجنبياً تظهر الوداعة في تصريحاتنا وتبرز الحكمة وضبط النفس في سلوكنا الأليف. لستُ أدري لماذا نحن العرب حين نصبح متديِّنين مثلاً نبدأُ بالتشدد ونسير عكس التيار! وعلى النقيض تماماً حين نهمل أو نُخطئُ ننحرفُ بعيداً جداً عن الطريق، وقليل منا من يعرف التوسُّط والتوازن، فنحن إمّا متشددون ومتزمتون أوْ لاهون ومنحرفون وضائعون!
الإنسان الذي يحكمه العقل هو الإنسان الذي يُصيبُ ويخطئُ ويعود ليصحِّح خطأه، أما الإنسان الذي تحكمه نزواته وعاطفته هو ضالٌ بمحضِ اختياره حتى ولو صار متديّناً، فلماذا لا نعيش حياة طبيعية، فما الذي يجعل من الشعوب والدول كياناتٍ متحضرة؟ لقد تاهتْ أفكارنا على عتبة القرن الحادي والعشرين الميلادي، وأقبلنا على قشور المدنيَّة وتركنا جوهرَ الحضارة خلف ظهورنا، وللأسف منا مَنْ يظن أنه بمجرد ظهوره بمظهر الصلاح دون جوهره فقد تملَّك النجاح! إن الإنسان المتمدن ليس هو الإنسان المتحضر، لأن الحضارة شيء والمدنيَّة شيء آخر؛ فالمدنيَّة هي تطور أساليب ممارسة الحياة في المدينة واستخدام التقنيات الحديثة في الأداء والسلوك اليومي. أما الحضارة فهي نمطُ تفكيرٍ سوي يصدر عنه سلوك وأدب ونتاج في شتى الميادين، فنحن العرب اليوم إنْ كان كثير منا متمدناً فإنَّ معظمنا غير حضاري، ولن يكتب التاريخ عن عمومنا سوى أننا مجتمعات مستهلِكة لا أثر لنا يُذكَرُ سوى ما يفعله الآخرون بنا!
لا أريد أن أستعرض تفاصيل الحال المزرية التي تعيشها أمتنا الخالدة، ولا أريد أن أُثير الحميَّة في نفوس البعض ضِدّي لِيُقْنِعَ نفسه بأنني أهاجم الأمة أو أستخفُّ بقدراتها، ولكني أريد أن نقف أمام المرآة ولو مرةً واحدة، وبعدها سنشكر هذه المرآة، نحن في أمسِّ الحاجة للهدوء والرويّة والتقدم نحو الأولويات من همومنا، وليس أمامنا أهم من أن يُجمع شتات الأمة بتطوير سُبل التواصل اليومي بين قادتها وبين شعوبها، فليس من المقبول أن نحمل هماً واحداً وما زالت القطيعة قائمةً أحيانا بين أبناء البلد الواحد، فمذابح يومية في العراق، وطاقة من الجدال لا تنضب في لبنان، وحرب في اليمن، وأراضٍ عربية موقوفةٌ على حساب إسرائيل، وأحلام متفرقة للعرب وكلٌّ يغني على ليلاه، وفي الوقت ذاته ترحيب بكل ما هو جديد من الغرب!
ماذا ننتظر مثلاً من جامعة الدول العربية؟ وهي أعلى سلطة عربية يمكن اللجوء إليها أو تعليق الآمال عليها، ومهما بذل أمينها العام عمرو موسى أو غيره فإن اليد الواحدة لن تصفق وحدها أبداً. حال من الهوس لا هدوء فيها يمارسها العرب في مواقفهم السياسية وسلوكهم الاجتماعي دون وعي لما ستؤول إليه الأمور وخلافاً لمصالحهم، تاركين خلف ظهورهم ثرواتٍ هائلة تضيع أو تذهب للآخرين، وأجيال تتربى دون رعاية، ولكن كم نتمنى أن نصحو من غفلتنا بدلاً من انتظار الحل بمعجزة تدلُّنا على الطريق!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com
الإنسان الذي يحكمه العقل هو الإنسان الذي يُصيبُ ويخطئُ ويعود ليصحِّح خطأه، أما الإنسان الذي تحكمه نزواته وعاطفته هو ضالٌ بمحضِ اختياره حتى ولو صار متديّناً، فلماذا لا نعيش حياة طبيعية، فما الذي يجعل من الشعوب والدول كياناتٍ متحضرة؟ لقد تاهتْ أفكارنا على عتبة القرن الحادي والعشرين الميلادي، وأقبلنا على قشور المدنيَّة وتركنا جوهرَ الحضارة خلف ظهورنا، وللأسف منا مَنْ يظن أنه بمجرد ظهوره بمظهر الصلاح دون جوهره فقد تملَّك النجاح! إن الإنسان المتمدن ليس هو الإنسان المتحضر، لأن الحضارة شيء والمدنيَّة شيء آخر؛ فالمدنيَّة هي تطور أساليب ممارسة الحياة في المدينة واستخدام التقنيات الحديثة في الأداء والسلوك اليومي. أما الحضارة فهي نمطُ تفكيرٍ سوي يصدر عنه سلوك وأدب ونتاج في شتى الميادين، فنحن العرب اليوم إنْ كان كثير منا متمدناً فإنَّ معظمنا غير حضاري، ولن يكتب التاريخ عن عمومنا سوى أننا مجتمعات مستهلِكة لا أثر لنا يُذكَرُ سوى ما يفعله الآخرون بنا!
لا أريد أن أستعرض تفاصيل الحال المزرية التي تعيشها أمتنا الخالدة، ولا أريد أن أُثير الحميَّة في نفوس البعض ضِدّي لِيُقْنِعَ نفسه بأنني أهاجم الأمة أو أستخفُّ بقدراتها، ولكني أريد أن نقف أمام المرآة ولو مرةً واحدة، وبعدها سنشكر هذه المرآة، نحن في أمسِّ الحاجة للهدوء والرويّة والتقدم نحو الأولويات من همومنا، وليس أمامنا أهم من أن يُجمع شتات الأمة بتطوير سُبل التواصل اليومي بين قادتها وبين شعوبها، فليس من المقبول أن نحمل هماً واحداً وما زالت القطيعة قائمةً أحيانا بين أبناء البلد الواحد، فمذابح يومية في العراق، وطاقة من الجدال لا تنضب في لبنان، وحرب في اليمن، وأراضٍ عربية موقوفةٌ على حساب إسرائيل، وأحلام متفرقة للعرب وكلٌّ يغني على ليلاه، وفي الوقت ذاته ترحيب بكل ما هو جديد من الغرب!
ماذا ننتظر مثلاً من جامعة الدول العربية؟ وهي أعلى سلطة عربية يمكن اللجوء إليها أو تعليق الآمال عليها، ومهما بذل أمينها العام عمرو موسى أو غيره فإن اليد الواحدة لن تصفق وحدها أبداً. حال من الهوس لا هدوء فيها يمارسها العرب في مواقفهم السياسية وسلوكهم الاجتماعي دون وعي لما ستؤول إليه الأمور وخلافاً لمصالحهم، تاركين خلف ظهورهم ثرواتٍ هائلة تضيع أو تذهب للآخرين، وأجيال تتربى دون رعاية، ولكن كم نتمنى أن نصحو من غفلتنا بدلاً من انتظار الحل بمعجزة تدلُّنا على الطريق!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com