لا أريد أن أُدخِلَ عنصر المبالغة في كلامي، فربما يبقى كلامي مجرَّد كلام! ولا أريد أن أسبق الوقت إلى حدث لم تظهر بوادره حتى اللحظة، لكني أتلمَّسُ اليوم، للأسف، نهاية حقيقيةً لمحاولات التقدم في كثير من بلاد الشرق، كما انتهى تماماً دورنا الرسمي في تربيةِ وتعليمِ أبنائنا إلى تخبُّط واضح! عالم في الغرب يتقدم كل ثانية نحو الأمام، وعالم آخر مشغول بقصص الحب والغرام.
إن أهم ما يلزم العرب اليوم هو جُرأةٌ للانطلاق نحو الإبداع بمساحة حقيقية، بلاد كثيرة في الغرب وفي أقصى الشرق نهضت نحو التقدم بخطوات صادقة، وليس ببعض الكلمات في نشرة الأخبار. بلد مثل كندا أو مثل اليابان على سبيل المثال لا الحصر، مع الفارق الواضح في التركيبة السكانية للبلدين، نجد أن كُلا من البلدين تجاوز مرحلة البناء إلى مرحلة الانطلاق تجاه الإبداع في الاختراع والصناعة واحترام الإنسان وحاجاته، ثم يعود بعضنا نحن العرب لننتقد أداءَ اليابانيين بالكلام عن حرية المرأة عندهم، ونسينا أننا لم نُخرجْ رأسَنا من البيضة إلاّ قبل يومين، حقاً أمر يدعو للعجب! فما أسرعنا حين نرمي الآخرين بالحجارة وننسى أنَّ بيوتَنا من زجاج. مسألة المعايير التي نتجاهلها لأنها تكشف حقيقة غرقنا في مستنقع المحسوبيات والهروب من أوقات العمل! دوامة كبيرة تتحكم في عقولِ الشرقيين والعرب خاصة تدفع بهم نحو فساد إداري وأخلاقي أخطر من أيّ وباء نستنفر لمواجهته، تلك الدول التي تقدمت ليس أهلها قوماً مسلمين أو مؤمنين بالحساب والآخرة كما يؤمن كثير من العرب، تلك الشعوب صنعت المجد الحقيقي بسواعد أبنائها واحترمت المهاجرين إليها واحتضنتهم واستفادت من عقولهم، أما نحن فلا نجيد سوى استحداث مزيد من الأوراق والنماذج والوثائق لإنجاز المعملات الرسمية، لماذا لا يلتزم العرب بقوانينهم وبمعايير الجودة في العمل، لماذا نهرب أو نتجاهل مسألة المعايير في الصناعة والاستيراد والتراخيص والبناء، أليس أمراً مزعجاً حين يزورنا أحد من أصدقائنا الأجانب في بلادنا العربية ويرى كيف نسمح بنزول كثير من الأغذية والأدوية إلى السوق مع أنه لم يبق على نهاية صلاحيتها سوى شهرين وربما أيام؟! لعلنا صرنا نستورد بقايا البضائع من الأسواق العالمية كيف لا يحدث ذلك وقد تآمرنا على (معايير الجودة) ورميناها في البحر، وليس لدينا من يراقب أو ينفذ تطبيق تلك المعايير!
إذاً من المعيب أن نُهاجم اليابانيين ونتهمهم ونقول ان لدينا عقدة من تفوقهم ونبحث عن عيوبهم لنُقنع أنفسَنا أننا مثلهم أو ربما أفضل منهم، ليتنا صنعنا جهازاً الكترونياً أو اخترعنا ساعة يدوية! نحن لا نجيد إلاّ صناعة الاستهزاء بقدرات الآخرين، فبدلاً من بذل الجهد والاستنفارِ في شتى الميادين لنتعلَّم من اليابانيين أو غيرهم نمطاً من أنماط التفكير السليم أخَذَنا الكِبْرُ إلى طريقٍ أبعد ما يكون عن المجد والتاريخ، لذلك نجد كُلَّ مبدع يظهر عندنا لا يكتمل ظُهوره إلاّ في بلاد المهجر! وأستذكر الآن المخرج السوري مصطفى العقاد الذي أخرج فيلم «الرسالة» وفيلم «عمر المختار» ويُعدُّ هذان الفيلمان العالميان بمثابة وفاء للأمة العربية وتاريخها ليعود ويكتب له القدرُ أن يرحل في تفجيرات عماّن عام 2005م لنقابل وفاءَه بمحضِ النكران وعبث الاعتداء وهمجية الإرهاب، فلم يكن العقاد ليخرج مشهداً واحداً من أعماله لو بقي عند العرب ينفخ الشيشة ويشربُ القهوة، ولكن ذهب العقاد... وبقي المعقدون!


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com