دافعت المخرجة المصرية إيناس الدغيدي في برنامج «لماذا؟» على قناة «القاهرة والناس» عن تضمين افلامها بمشاهد العري والشذوذ، زاعمة أنها تنقل الواقع إلى السينما، ولا تصطنع أموراً لا وجود لها في المجتمع. انظر جريدة «الراي» 20 سبتمبر 2009.
أصعب ما في مناقشة أي إنسان حول أي فكرة، إذا كان الطرف المحاور يتبنى فكرة عميقة أو معقدة أو كثيرة التفريع بشكل ساذج، ولعل ما قالته إيناس الدغيدي صورة واقعية لهذه السذاجة في حديثها عن الواقع!!! كيف يتصور جمهور الناس قضايا الواقع لاسيما الاجتماعي المتغير، يمكن ذكر ثلاثة مصادر أساسية في تشكل رأي العامة، الأول: الانطباعات الشخصية من خلال المعايشة والسماع والتقدير الذاتي، الثاني: وسائل الإعلام وفي مقدمتها الشاشة الصغيرة، الثالث: الدراسات بأنواعها الجادة المحكمة أو الجادة ذات المنهج العلمي. أو القريب من الموضوعية. فمشاكل الطلاق، انتشار المخدرات، كثرة الرشاوى في مؤسسات الدولة، انتشار ثقافة استهلاك الكماليات بالديون، ظاهرة الشواذ بأنواعها، كل ذلك وغيره اما ان تكون الصورة الذهنية لديك انطباعاً عاماً شخصياً، أو قناعة جراء مشاهد متكررة للشاشة الصغيرة، أو دراسات وبحوث من مختصين أو مؤسسات معتبرة اعتمدت عليها في أحكامك وآرائك.
مثال: جريدتان كويتيتان نشرتا استطلاعاً عن سبب كثرة المسافرين في اجازة العيد، احداهما خرجت بنتيجة ان اجواء البؤس وفقدان السعادة في البلد بسبب تحريم المتعة والتسلية والضغط من قبل التيارات المحافظة والخطاب الديني المتشدد، أما الجريدة الأخرى فقد كانت النتيجة للاستطلاع ان انفلونزا الخنازير هي السبب في هذا الهروب الكبير!! والسؤال أيهما الواقع الحقيقي؟ أكيد ان كليهما لا يمثل الا رأياً عابراً سريعاً، ولو عملت جميع الجرائد استطلاعات حول كثرة المسافرين في أي اجازة ربما خرجت بعدد الجرائد من آراء... فهذه الآراء السريعة الخاطفة التي لا تخضع لمنهجية الاستفتاء بأدواتها المعروفة عند أهل هذا الاجراء فإن الصواب قد يكون نقيضها، وكثير من الناس عنده استعداد نفسي، أو كسل عقلي، وغفلة تجعله يمتص بثقة واقع الصحافة لا واقع الحياة وواقع الصفحة التي صممها صاحب اتجاه لا واقع المشكلة على الأرض... ولا ننسى أن التحيز يدخل حتى في تصميم الاستبيانات الاقتصادية والاجتماعية والطبية أحياناً لغرض أصحاب الدراسة!!
بقي ان نوسع دائرة السذاجة ليس لايناس الدغيدي وانما لمدرسة الواقعية الليبرالية، التي ترى ان ننقل الواقع في الإعلام والفن كما هو وبتفاصيله، وهي قضية قديمة جديدة في الأدب والفن، ومحورها السؤال التالي: أليست لحظة الضعف البشري والشذوذ والاجرام والجانب المظلم هو الوجه الآخر للإنسان، هل يقتصر الفن على جوانب الخير والصفاء، وانتصار الحق، ولحظات الاشراق، أليس السكوت عن البعد الشرير مثالية وطمسا للحقيقة الكاملة للإنسان؟ يجيب محمد قطب في كتابه معركة التقاليد عن مثل هذا السؤال فيقول: «أولاً ان الفن ليس آلة تسجيل لاقطة تسجل كل شيء على ما هو عليه، وإنما هي تختار وتنتقي «اللقطة» التي تسجلها. والجواب ثانياً ان لحظة الهبوط ليست أجمل ما في الإنسان ولا أجدر شيء بالتسجيل. انما الجدير بالتسجيل هو اللحظة التي يحقق فيها الإنسان ذاته. لحظة امتزاج الطين بنفخة الروح، لا لحظة انفصال الطين ولصوقه بالأرض.
والجواب ثالثاً: ان لحظة الهبوط يمكن ان تسجل تسجيلاً فنياً كاملاً، على الا تكون هي محور التلذذ واثارة الاعجاب. أي ألا يكون الهبوط هو البطولة التي يسلط عليها الضوء! وإنما يسلط الضوء على لحظة الافاقة. اللحظة التي يعود فيها الكائن البشري إلى أصالة الفطرة، اللحظة التي تعود فيها قبضة الطين فتمتزج بنفخة الروح. ومثال ذلك قصة يوسف عليه السلام في القرآن. قصة دقيقة الوصف بديعة التصوير لاينقصها شيء من جمال الفن. وهي تعرض لحظة من اللحظات الغليظة في حياة النفس البشرية «الواقعية»! لحظة هياج الشهوة وتغلبها على كل صوت وكل نداء. ومع ذلك فهو وصف لا يثير ولا يبعث التلذذ من منظر الجنس، وان لم نقل إنه على العكس يثير الترفع عن اللحظة الهابطة ويدعو للاحتراس. وانظر بتوسع اكثر وأعذب قصة سمو الحب للرافعي في «وحي القلم» عن هذا المعنى مع سورة يوسف. هل فعلاً ما تصنعه ايناس الدغيدي وعموم المخرجين ممن تناول قضايا الشذوذ والانحراف السلوكي والاسراف الجنسي هو تجسيد للواقع؟! ان كل فيلم يحمل بصمات وانطباعات بل والاتجاهات الفكرية لدى كاتب الرواية ومزاج المخرج. فمنهم من يعرض جانباً من الواقع فيجعل من الحبة قبة ويقع في الاغاليط العلمية فيشوه الواقع وأحياناً يبرره ويدعونا للتكيف معه وأحياناً يسلط الضوء على الأسباب الهامشية للمشكلة لا الجوهرية، ويلقي باللوم على غير الملام في الانحرافات التي يسوقها... ثم ما هو المعيار والمرجع الذي يقاس به الخطأ من الصواب في ما هو شاذ أم ان الليبرالية تسير بنا نحو نسبية الاخلاق وتكريس التقدمية. كنت في الجزائر لمدة اسبوع في نشاطات ثقافية متنوعة، فإذا بي أصدم، السمعة السيئة والصورة الشائهة التي رسمتها التمثيليات الكويتية الرمضانية وغير الرمضانية للأسرة الكويتية وصدرت واقعاً مريضاً عاماً موجوداً في مخيلة القائمين والكاتبين لهذه المهازل... ثم لماذا لا نستفيد من تجارب المدارس الواقعية الغربية وتحولهم لمدرسة المسؤولية الاجتماعية كما الاطروحات الأوروبية بدلاً من النموذج الأميركي الذي يراجع هو ذاته خطورة عرض الواقع التفصيلي للجرائم لأنها صارت دعوة للترويج للجريمة والشذوذ.
هل لقطة ساخنة شاذة في غرفة حمراء في سرداب أو اغتصاب على السطوح أو ممارسة الجنس في سيارة يا إيناس هو الواقع الذي تفهمينه، انها واقعية قتل الواقع المتكامل وتشويهه واختزاله لو كانوا يعقلون!!


محمد العوضي