| بيروت من إسماعيل فقيه |
/>تكتب عواطف الزين احاسيسها الكثيرة، تحاول ان تجمعها في اطار واحد، علّها تستطيع، ساعة تشاء العودة الى هذا الاطار لتلمّس تلك الاحاسيس. ولم يكن افضل من الكتاب ليكون الاطار الاكبر والجامع لكل هذه الاحاسيس الفوارة، ولم يكن افضل الا السرد والتعبير بالكلام المكتوب وتحديداً كتابة القصة القصيرة لتحقيق هذا الجامع. اصدرت الزين مجموعة قصصية بعنوان «لو ينطق البحر» استحضرت عبرها ذاكرة المكان والانسان، وتحدثت عن هذا «البحر» الى «الراي»:
/>• لماذا تكتبين ؟ ماذا تعني لك الكتابة؟
/>- قد يكون هذا السؤال بالنسبة الي هو الاصعب، لماذا اكتب؟ ربما لأتنفس او لأشعر بوجودي، فالكتابة هي تلك الحال الرائعة من البوح التي نحلق عبرها في فضاء الحرية والجمال، او ربما هي تلك الممارسة الاكثر عمقا والاكثر جدلا في علاقتنا مع الاشياء والناس والحياة عموما. وقد تكون الكتابة هي ذلك الوعد الجميل الذي اعد به نفسي للوصول الى قمة الاحساس بالحياة وفهمها وكشف اسرارها وغموضها عبر الكلمة المكتوبة والتي اتوق عبرها الى التغيير، تغيير المفاهيم الخاطئة او الملتبسة والتطلع الى الآتي الافضل على كل صعيد. وما تعنيه الكتابة الآن هي تلك الضرورة للاستمرار في محاولة لتجميل الحياة وتخفيف وطأتها والصاق «تهمة الشفافية» بها في هذا الزمن الغريب. الكتابة بالنسبة الي هي تلك المتعة التي لا تضاهيها متعة اخرى، وهي تلك المغامرة الصعبة والشيقة في آن واحد وسط عوالم الدهشة والسمو، هي تلك الحال الخاصة واللحظة الحميمية الاصدق في عالم يشوبه الكثير من الرياء والتزييف والتشويه للوصول الى الحقيقة وسبر اغوارها وتعريتها.
/>• تعملين في الصحافة المكتوبة منذ اعوام كثيرة، هل هذه المهنة تأخذك من الكتابة ام انها تقودك اليها؟
/>- حتى لو كانت الصحافة مهنتي الاساسية فأنا اعتبر الكتابة مهمة ابداعية ولا اعتبرها وظيفة مثل غيرها من الوظائف، فالعمل الصحافي هو الوظيفة الوحيدة ربما التي لا تشبه غيرها اذ ليس بالضرورة ان تكون موظفا لتكتب لان الكتابة تختار وظيفتها وليس العكس. قد يكون العمل الصحافي اليومي المرهق والممتع اخذني من كتابة القصة الى حد ما لأنني افترض ان يكون لدي اكثر من مجموعتين قصصيتين وكذلك بالنسبة الى الرواية التي اعد نفسي بكتابتها خصوصا ان عملي في الصحافة الثقافية على مدى اكثر من ربع قرن كان يقربني دائما من كل ابداع قصصي او روائي او مسرحي او تشكيلي او سينمائي او موسيقي، ويجعل بيني وبين تلك الكتابات المعلقة او المتابعة او الناقدة علاقة ودية تبعدني قليلا من الكتابة الابداعية الخاصة وتقربني كثيرا من ابداعات الآخرين علما أن كتابة الدراسات النقدية او المقالة الثقافية اليومية او الاسبوعية هي في ذاتها كتابة ابداعية.
/>• ماذا تكتبين؟ ما الافكار التي تحرضك على اجتراح القصة القصيرة؟
/>- اعشق كتابة القصة القصيرة واجد نفسي فيها. اعتقد ان هذا العشق نما معي منذ الطفولة. قد تكون لحكايا والدي الجميلة والمؤثرة علاقة بهذا العشق الذي يسكنني قبل الشروع في كتابة القصة واثناء الكتابة وحين افرغ من كتابتها. اما الافكار «المحرضة» فأعتقد انها تملأ حياتنا. هناك تحريض داخلي يخص الكاتب نفسه مرتبط بما تعنيه الكتابة بالنسبة اليه، وهناك تحريض خارجي معني بمدى تأثير لغة الكتابة القصصية على الواقع وتفاعلها معه او انشغالها به. لكنني اكتب ايضا النثر او ربما الشعر الذي يمكن غناؤه واجيد نظم الشعر العمودي لكنني لا انظمه. يبدو انني تركت هذه المهمة لشقيقي الشاعر ابراهيم الزين.
/>• كيف تصنفين مفهوم القصة القصيرة؟ ثمة من يعتبرها رواية صغيرة وثمة من لا يعترف بشرعيتها ويعتبرها ضائعة بين الرواية والاقصوصة؟
/>- القصة القصيرة عمل ابداعي بكل ما في الكلمة من معنى وعمل يستمد شرعيته من المقومات الاساسية للفعل الابداعي الخلاق الذي يعتمد مجموعة من المفاهيم والاسس المتعارف عليها والتي اصبحت تشكل مع الايام والسنين عالما خاصا بالقصة له رواده في كل مكان من العالم. واذا اردنا ان نستعرض الاسماء التي كتبت القصة القصيرة والتي شكلت القصة علامات نبوغها وتميزها فلن تتسع الصفحات لتلك الاسماء، فالقصة لا علاقة لها بالرواية ولا تستند اليها وهي بالتالي ليست بداية لها كما انها ليست رواية صغيرة لان لغة القصة ومضمونها وفكرتها واسلوب صوغها اللحظوي والمعتمد على التكثيف يختلف تماما عن لغة الرواية الطويلة التي تعتمد السرد المباشر او غير المباشر. كما انها تبنى على اسس مختلفة من حيث الافكار والشخصيات والاحداث والامكنة والزمن. ولا اعتقد مطلقا أن القصة القصيرة فعل ابداعي ضائع بين الاقصوصة والرواية فلكل فعل ابداعي مسماه وخصوصيته واسلوبه وعالمه وادواته ومقوماته المختلفة.
/>• هل ينتمي عملك الابداعي الى رحلة معينة او الى جيل معين؟
/>- اكتب القصة القصيرة منذ بدأت الكتابة ولكن اول مجموعة قصصية صدرت لي العام 1999 والثانية صدرت في فبراير 2007. اما اذا كان المقصود من السؤال العمل الصحافي فأنا انتمي الى جيل الثمانينات او قبله بقليل فقد بدأت العمل الصحافي العام 1978 في جريدة «القبس» الكويتية ومن ثم «الوطن» وعدد اخر من الصحف والمجلات الكويتية والعربية وحالياً اعمل في مجلة الكويت الثقافية التابعة لوزارة الاعلام الكويتية واكتب ايضاً في صفحات الثقافة والفن في جريدة «القبس».
/>• ماذا تخبرينا عن كتاباتك وموضوعاتها، وماذا عن اصداراتك من الكتب؟
/>- قد يكون الوطن هو الذي يستحوذ على اهتمامي الاكبر بالنسبة الى الموضوعات التي اكتبها سواء في القصص القصيرة او المقالة او اي فعل ابداعي آخر خصوصاً انني ابنة جيل عايش الحروب وعاناها كما عاش في الغربة وعاناها ايضا. قد يكون هناك تشابه بين الغربة والحرب في بعض صورهما، فالاولى تبتعد بك من الوطن والاهل والاصدقاء ومن المكان الذي الفته واحببته وتتمنى العيش فيه، والثانية تحرمك بقسوة حميمية كل تلك الاشياء مجتمعة وانت تعيش فيه (اي الوطن ). ومع ذلك يظل الوطن هو الهاجس الذي يسكنني وينعكس في كتاباتي وربما في انفاسي ايضا. العام 1994 صدر كتابي الاول تحت عنوان «كل الجهات الجنوب «وهو زيارة ميدانية لمنطقة جنوب لبنان اثناء الاجتياح الاسرائيلي عبر مهمة خاصة مرتبطة بوفاة والدتي رحمها الله، ويصنف ضمن ادب الاحتلال. وهناك كتاب «اوراق ملونة» الذي صدر العام 1995 وهو مجموعة مختارة من المقالات الثقافية ذات الطابع النقدي ويحمل عنوان الزاوية الاسبوعية التي كنت اكتبها في جريدة «الوطن» الكويتية. وهناك كتاب «وجوه للابداع» ويتضمن مادة ثقافية لمجموعة من المثقفين الكويتيين والعرب، وكتاب «الثقافة وطن» ويتضمن مقالات ثقافية وسياسية واجتماعية نقدية مختارة وقد صدر العام 2003 بالاضافة الى مجموعتين قصصيتين هما «زمن الصداقة الآتي» و«لو ينطق البحر».
/>• كيف يحضر الرجل في ابداعك وحياتك؟
/>- بما انني استمد قصصي من الواقع فأن وجود الرجل فيها وجود طبيعي له دوره الاساسي ووظيفته الانسانية المرتبطة بالمرأة وبالمجتمع او الاسرة، وليس لدي اي موقف منحاز الى المرأة ضد الرجل الا ما ارتبط بقضية انسانية كالاحساس بالظلم الواقع عليها في بعض المجتمعات ان لم نقل اكثرها، او عبر معايشتي لاوضاع مأسوية كثيرة تمر بها المرأة على اكثر من صعيد مجتمعي وقانوني وانساني وغيره، فأنا اتعامل مع قضايا الانسان ككل سواء كان طفلا او رجلا او امرأة من دون اي تمييز.
/>• هل يمكن الكتابة ان تحقق صرخة في الواقع وتؤثر فيه؟
/>- بالطبع، فمن خلال الكتابة يحدث التغيير واي فعل ابداعي في استطاعته اذا كان صادقاً ان يصل الى الناس وعقولهم وادراكهم ويؤثر في الواقع ويعمل على تنقيته من «شوائب» التخلف والتعصب والجهل. وثمة وسائل اخرى اصبحت في ايامنا هذه جزءا من تفاصيل حياتنا اليومية وتستطيع ان تؤثر بصورة ايجابية اذا اريد لها وبصورة سلبية ايضا، واقصد وسائل الاعلام. الكتابة سواء جاءت من قصة او رواية او قصيدة او رسالة اوحتى بيان او توضيح، لا بد من ان تترك اثرها المباشر في الواقع وفي الناس، من هنا لا بد للكلمة الصادقة من ان تقال في وقتها كما قال اوسكار وايلد ذات يوم «الكلمات في وقتها عبارة عن سلاسل من فضة في سلال من ذهب».
/>• ماذا عن وطنك في كتاباتك القصصية وكيف ترسمين معالمه واحواله في ظل اوضاعه الصعبة؟
/>- انا مسكونة بأوجاع الوطن وهمومه وهو موجود في معظم كتاباتي ان لم اقل كلها، وانا كصحافية وكاتبة من لبنان ومن جنوبه تحديدا اعيش صعابه ربما اكثر من غيري وعلى امتداد سنوات عمري كان الوطن هو الحلم المخبأ في اهداب العيون، ومثلما يسكنني بهمومه فهو يرسم معالم قصصي وملامحها كما يرسم احلامي وتطلعاتي الى الغد الذي لا بد من ان ينصفه وينصفنا لنسترد غربته الحالية وغربتنا وليعود كما نريده دائما وطن السلام والمحبة والفرح ووطن العزة والكرامة والشموخ.
/>• ماذا يعني لك الادب النسائي اليوم، ثمة من لا يعترف بوجود ادب نسائي؟
/>- لا اعترف بهذا التصنيف ادب نسائي وادب رجالي، هناك ادب يكتبه الرجال والنساء على السواء ولكل ادب خصوصية ابداعية لا جنسية (ذكر او انثى ). اذا كان هناك من لا يعترف بوجود ادب نسائي من هذا المنطلق الذي ذكرته فهو يماثلني في الرأي، اما اذا كان المقصود هو عدم الاعتراف بالفعل الابداعي للنساء فهذا منتهى التجني على الواقع وعلى النساء المبدعات في كل ميدان خصوصاً ان هناك مزيداً من الاسماء الرائدة في مجالات الشعر والقصة والرواية والنقد وبعضها يتفوق على الرجل ويتجاوز ابداعه بمراحل.
/>• بمن تأثرت حين تحولت الى الكتابة القصصية ؟
/>- ليس هناك اسم معين تأثرت به في الكتابة القصصية لكنني احببت الكثير من الاسماء التي قرأت لها في بداياتي، اذكر مثلا جبران خليل جبران وفؤاد سليمان واملي نصر الله وميخائيل نعيمة وتوفيق يوسف عواد وارنست همنغواي وفيكتور هيغو وتولستوي ومكسيم غوركي وتشيخوف وآخرين.
/>