ورد في القرآن الكريم ما يحث الناس على استنبات الارض وزراعتها من ذلك قوله سبحانه: (وآية لهم الارض الميتة احييناها واخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته ايديهم أفلا يشكرون)، ولذلك جد الصحابة الكرام واجتهدوا واخلصوا في عملهم وقوله سبحانه: (الذي جعل لكم الارض مهداً وسلك لكم فيها سبلا وانزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى، كلوا وارعو أنعامكم ان في ذلك لآيات لأولي النهى) وقوله: (أو لم يروا انا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم وانفسهم أفلا يبصرون)، كما ورد فيها ايضا ما يدعو إلى عمارة الارض والانتشار في بقاعها المختلفة سعياً وراء الرزق وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: (هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور).
/>ففي هذه الآية الكريمة التي معنا يذكر الحق سبحانه وتعالى نعمته على خلقه في تسخيره الارض وتذليله اياها لهم وجعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال وفجر فيها من العيون وسلك فيها من السبل وهيأ فيها من المنافع ووضع الزروع والثمار ثم امرهم بالسفر حيث شاءوا من اقطارها وبان يترددوا في اقاليمها واجارئها في انواع المكاسب والتجارات وليعلموا ان سعيهم لا يجدي عليهم شيئا الا ان ييسره الله لهم ولهذا قال «وكلوا من رزقه».
/> العوامل المؤثرة في الزراعة
/>من الأمور التي ذكرها القرآن الكريم عند حديثه عن الزراعة إشارته إلى العوامل المؤثرة فيها والتي منها:
/>1 - الماء:
/>وفي ذلك يقول سبحانه: (وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين)، ويقول: (فلينظر الانسان إلى طعامه. انا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الارض شقا، فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وابا. متاعا لكم ولأنعامكم).
/>ويقول سبحانه: (ألم تر أن الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ان في ذلك لذكرى لأولى الألباب)، ويقول عز وجل: (الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وانزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون)، ويقول عز من قائل: (الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وانزل من السماء ماء فأخرجنا به ازواجا من نبات شتى)، ويقول تبارك اسمه (ومن آياته انك ترى الارض خاشعة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت ان الذي احياها لمحي الموتى انه على كل شيء قدير)، (أو لم يروا انا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم وانفسهم أفلا يبصرون)، (وهو الذي انزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من اعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمرة إذا اثمر وينعه ان في ذلك لآيات لقوم يؤمنون)، ففي هذه الآيات الكريمة وغيرها يذكر الله سبحانه وتعالى انه انزل الماء من السماء إلى الارض لاخراج الزروع والثمرات المختلفة الالوان والاشكال والطعم والرائحة ليأكل الناس والانعام منها. والماء النازل من السماء وهو مادة الحياة الرئيسية للاحياء في الارض جميعا، فمنه تنشأ الحياة بكل اشكالها ودرجاتها (وجعلنا من الماء كل شيء حي) سواء انبت الزرع مباشرة حين يختلط بالارض، او كون الانهار والبحيرات العذبة او انساح في طبقات الارض فتألفت منه المياه الجوفية، التي تنفجر عيونا او تحفر آبارا، او تجذب بالآلات إلى السطح مرة اخرى.
/>2 - الهواء:
/>لان الهواء من العوامل المهمة والمتصلة اتصالا مباشرا بالزراعة فمن فوائده انه يقوم بتلقيح النباتات، ويرفع بخار الماء إلى السماء حيث تتكون السحب التي يحملها الهواء وينقلها إلى المكان المعد لنزول الامطار بارادة الله وقدرته ورحمته فينبت الزرع قال تعالى: (والله الذي ارسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور).
/>اي: ان الارض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها فاذا ارسل اليها السحب التي تحمل الماء وانزله عليها. (اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج)، ويقول سبحانه: (وهو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون). (وهو الذي ارسل الرياح بشرى بين يدي رحمته وانزلنا من السماء ماء طهورا. لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا انعاما واناسي كثيرا)، (وارسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فاسقينا كموه وما انتم له بخازنين).
/>فهذه الآيات الكريمة يبين الله عز وجل فيها دور الهواء او (الرياح) في عملية الزراعة، ففي الآية الاولى يبين جلت قدرته انه سبحانه وتعالى يرسل الرياح مبشرات برحمته ثم تقوم هذه الرياح بحمل السحاب فيسوقه بأمر الله وقدره - بقدر خاص به - إلى بلد ميت صحراء او جدباء... فينزل به الماء - بقدر كذلك خاص - فيخرج من كل الثمرات - بقدر منه خاص - يجري كل اولئك وفق النواميس التي اودعها في طبيعة الكون وطبيعة الحياة.
/>وفي الآية الثانية: يبين سبحانه وتعالى ان من آثار قدرته التامة وسلطانه العظيم ارساله الرياح مبشرات بمجيء السحاب بعدها، والرياح انواع في صفات كثيرة من التسخير فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما يحمله ومنها يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب بشرى، ومنها ما يكون قبل ذلك نقم الارض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر.
/>وفي الآية الثالثة: يبين الحق جلت قدرته انه ارسل الرياح لواقح بالماء كما تلقح الناقة بالنتاج، فأنزل من السماء ماء مما حملت الرياح، فأسقى به الناس فعاشوا به، ثم يقول سبحانه: (وما انتم له بخازنين) اي: فما من خزائنكم جاء، انما جاء من خزائن الله ونزل منها قدر معلوم.
/>والرياح تنطلق وفق نواميس كونية، وتحمل الماء وفقا لهذه النوامس، وتسقط الماء كذلك بحسبها، ولكن من الذي قدر هذا كله من الاساس، لقد قدره الخالق، ووضع الناموس الكلي الذي تنشأ عنه كل الظواهر (وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم).
/>-3 الارض:
/>الارض هي المقر الثابت للحياة خلقها الله بأمره وسخرها بكل ما فيها وما عليها وما حولها استمرارية لحياة الانسان، فالارض مهدت وبسطت لتكون صالحة لسكن الانسان واستقراره ولسعيه في دروبها وراء رزقه الذي قدره الله (الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وانزل من السماء ماء فأخرجنا به ازواجا من نبات شتى)، (والله جعل لكم الارض بساطا. لتسلكوا منها سبلا فجاجا).
/>وقد ثبت الله الجبال على الارض ليحفظها من الاضطراب (وجعلنا في الارض رواسي ان تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون).
/>وقد هيأ الله للانسان تربتها لتكون صالحة للزراعة وعن ذلك يقول سبحانه (فلينظر الإنسان إلى طعامه، انا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الارض شقا، فأنبتنا فيها حبا، وعنبا وقضبا، وزيتونا ونخلا، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا).
/>ويقول تعالى (وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ويقول (والارض مددناها والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شيء موزون) ويقول (والارض بعد ذلك دحاها، اخرج منها ماءها ومرعاها) ويقول (وآية لهم الارض الميتة احييناها واخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته ايديهم افلا يشكرون).
/>ففي الايات الكريمة السابقة يبين الحق تبارك وتعالى انه مهد الارض وهيأها للعيش عليها كما جهزها بكنوز عظيمة لا تعد ولا تحصى ولا يصل احد إلى مداها مهما تقدم العلم ومهما بلغت البشرية من رقي ومن هذه الكنوز استعدادها للانتاج الزراعي فبمجرد انصباب الماء عليها وبذر الحبوب او غرسها فيها تنشق الارض ويتخلل البذر تربتها بقدرة الخالق ثم ينمو على وجهها، ويمتد في الهواء فوقها رغم نحالة البذور والزرع وثقل الارض الا ان اليد المدبرة تشق له الارض شقا، وتعينه على النفاذ فيها وهو ناحل لين لطيف وهي معجزة يراها كل من يتأمل انبثاق النبتة من التربة، ويحس من ورائه انطلاق القوة الخفية الكامنة في النبتة الرخية.
/>وهكذا فقد لفت القرآن الكريم انظار المسلمين إلى الزراعة كمورد من موارد الانتاج وحدثهم عن اهميتها والقوى والعوامل المؤثرة في نمائها من ماء وهواء وتربة، ولذلك فقد ادرك المسلمون ما عناه القرآن الكريم في اشاراته للارض وفلاحتها فشمروا سواعدهم واستغلوا الارض فيما حثهم الله عز وجل عليه فاستخرجوا منها الخيرات التي عادت عليهم في الازمان المتعاقبة بالرزق والخير الوفير مهتدين في ذلك بالقرآن الكريم مستغلين عقولهم التي وهبها الله عز وجل لهم افضل استغلال مكتشفين ما يعينهم على ذلك من افضل السبل والوسائل.
/>