| خالد سالم محمد |
تعد جزيرة «فيلكا» من الآثار التاريخية المهمة في الكويت القديمة، وان عصورا عديدة مرت عليها تشير إلى حضارتها، وما تميزت به قديما من ثقل حضاري وتجاري في الخليج العربي.
وسنبحر مع الباحث خالد سالم محمد عبر بعض فصول كتابه المهم «صور من الحياة القديمة في جزيرة فيلكا»، والذي تحدث فيه عن هذه الجزيرة التي هي من اهم جزر الكويت وتقع عند مدخل «الجون» في مواجهة العاصمة من جهة الشرق على بعد عشرين كيلو مترا، تحدها من الجهة الشمالية الغربية جزيرة «مسكان» ومن الجهة الجنوبية الشرقية جزيرة «عوهة»، طولها اثنا عشر كيلو مترا وعرضها في بعض الجهات ستة كيلومترات. على شكل مثلث مستطيل الاضلاع.
وعدد سكانها حسب احصائية عام 1980 «4844» نسمة منهم «2552» غير كويتي، وهي الجزيرة الكويتية الوحيدة الآهلة بالسكان وتعتبر ثاني جزر الكويت مساحة بعد جزيرة بوبيان.
وتقوم جزيرة فيلكا على سهل طيني ضحل المياه شكلته رواسب شط العرب، سطحها منبسط فيما عدا بعض التلال المتناثرة، اعلاها «تل شبيجة» في الجهة الجنوبية من الجزيرة، شواطئها رملية ناعمة، مناخها قاري بارد شتاء وحار صيفا، اما فصلا الربيع والخريف فالجو معتدل، هذا وتقل نسبة الغبار في هواء الجزيرة معظم السنة (1).
جزيرة فيلكا عريقة في القدم، وقد اكتشفت فيها آثار تعود إلى عصور ما قبل الميلاد خصوصا العصر الهلينستي «القرن الثالث ق. م.» والذي بلغت فيه فيلكا اوج ازدهارها.
وتنقسم فيلكا الآن من الناحية العمرانية إلى:
-1 فيلكا القديمة:
وتمثلها قرية «الزور» على الساحل الغربي وتمتد من منطقة «البلط» في شمالي الجزيرة وحتى آبار «الممزر» في جنوبها. وقد سكنها الأهالي حوالي عام 1773 بعد ان هجروا قراهم القديمة بسبب الاوبئة. ويمتاز ساحل الزور بطابعه القديم حيث المباني التي يعود تاريخ بناء بعضها إلى بداية هذا القرن.
-2 فيلكا الحديثة:
ويفصلها عن فيلكا القديمة في الوقت الحاضر شارع الميناء الذي يحاذي منطقة «الممزر» التي اشتهرت بآبار المياه العذبة والتي كانت السفن التجارية الكبيرة وسفن الغوص على اللؤلؤ تتزود منها بالمياه قبل سفرها.
وتمتاز فيلكا الحديثة بمبانيها العصرية، وفللها الجميلة وقد انتقلت اليها معظم مرافق الدولة.
وسكان جزيرة فيلكا هم شريحة من شرائح المجتمع الكويتي بعاداته وتقاليده واصالته، ولموقع الجزيرة وعزلتها في الماضي بعض الاثر في حياتهم الاجتماعية والمعيشية خصوصا مجتمع ما قبل النفط.
امتازت جزيرة فيلكا منذ القدم بصلاحية شواطئها ووفرة آبار مياهها العذبة، لذا كانت السفن التجارية التي تعبر الممر المائي التجاري تعرج عليها للتزود بالمياه وللاحتماء بشواطئها عند هبوب العواصف، وايضا للاستعانة ببعض رجالها ذوي الخبرة في الشؤون البحرية، اذ ان اهالي الجزيرة ملاحون مهرة وبحكم مهنتهم كانوا يمتلكون اعدادا من السفن التجارية الكبيرة يسافرون بها إلى الهند وسواحل افريقيا، وسفنا اخرى للغوص على اللؤلؤ، بالاضافة إلى اعداد اخرى من قوارب صيد السمك المختلفة الاشكال والاحجام كـ«الشواعي» و«المواشي» وهما نوعان من السفن التي كانت تستعمل لصيد سمك «الزبيدي» المتواجد بكثرة في منطقة «الوكرة» المواجهة لساحل الجزيرة الآهل بالسكان، وكذلك في المنطقة البحرية القريبة من رأس «الكيد» عند جزيرة «بوبيان»، كما كان بعض اصحاب سفن الغوص على اللؤلؤ من اهالي الكويت يأتون بسفنهم بعد انتهاء موسم الغوص إلى شواطئ الجزيرة لسحبها إلى اليابسة وتغطيتها حتى حلول الموسم المقبل، وعندما تهب رياح «الكوس» وتستمر لعدة ايام، نجد اعدادا كبيرة من السفن الشراعية تقف قبالة ساحل الجزيرة محتمية من العواصف والامواج العاتية، كما كانت «ابوام الماي» وهي السفن الشراعية التي كانت تنقل مياه شط العرب إلى الكويت تمر باستمرار قبال الجزيرة، وكانت هناك عادة قديمة عند الاهالي وهي عندما يأتي الخبر بقرب وصول احدى السفن من السفر البعيد، يصعد النسوة والاولاد إلى اسطح المنازل لرؤيتها.
أنواع السفن
البوم: سفينة السفر التي كان الكويتيون يستعملونها في اسفارهم الى الهند وسواحل افريقيا الشرقية، والبوم سفينة كبيرة، تحتاج في رسوها الى مياه عميقة، لذا كانت ترسو في منطقة «اليفرة» وهي منطقة عميقة المياه مقابلة لساحل الجزيرة الآهل بالسكان، اما في نهاية الموسم فترسو في ميناء قرية «سعيدة» القديم قرب مقام الخضر سابقا.
الجالبوت: هذا النوع من السفن كان شائعا في الجزيرة، ويستعمل للغوص على اللؤلؤ، وللتنقل بين الجزيرة ومدينة البصرة.
الشُوعي: سفينة متوسطة الحجم، تستعمل للصيد وللغوص على اللؤلؤ احيانا وكان اهالي الجزيرة يمتلكون اعدادا كبيرة منها يستعملونها لصيد السمك «الزبيدي» في موسم «الكيد» و«الخباط» وهما من مواسم الصيد المعروفة في الجزيرة، وكذلك للتنقل بين الجزيرة والكويت.
البَلم: سفينة متوسطة الحجم يكثر استعمالها في مدينة البصرة، وكان الاهالي يمتلكون اعدادا منها، يستعملونها للتنقل بين الجزيرة والكويت وبعض الموانئ المجاورة.
البغْلة... والكُوتيْة: نوعان من السفن الخليجية القديمة، قل استعمالهما مع الايام، وقديما كان يمتلك بعض تجار الجزيرة اعدادا منها يستعملونها في التجارة بين سواحل الخليج الغربي والهند والباكستان.
الماشُوة: قارب صغير، كان شائع الاستعمال لدى سكان الجزيرة إلى عهد قريب، يستعملونه في ايام الصيف لصيد سمك «الزبيدي» وهناك نوع من هذه القوارب يطلق عليه اسم «كتر» يختلف قليلا في شكله عن «الماشوه» ويستعمل لصيد السمك ايضا، ويستعمل الماشوة كقارب ملحق بالسفن الكبيرة كالبوم والجالبوت والبغلة.
الهُوري: قارب صغير مستطيل، عبارة عن قطعة خشب مجوفة، يتسع لثلاثة اشخاص، يستعمل للتنقلات البحرية بين السفن الكبيرة الراسية في عرض البحر.
وكان اهالي الجزيرة يستعملونه في التنقل بين الصيادين الذين ينتشرون في منطقة «الوكر» التي يكثر فيها سمك الزبيدي، لشراء السمك منهم، كما كانوا يستعملونه للتسلية وقضاء وقت الفراغ اثناء السباحة في البحر، وقد جازف بعض الاهالي قديما اثناء سكون البحر فوصلوا به الى ميناء الكويت.
«والهواري» منها الخفيفة السريعة، ومنها الثقيلة، وتستعمل في تسييرها «الغرافة» وهي تشبه المجداف لكنها قصيرة.
الويرجية: قارب صغير كان يصنع من «الكرب» و«الجريد» ويشد بواسطة الحبال، وكان سكان الجزيرة يستعملون هذا النوع من القوارب لصيد السمك في المياه القريبة من سواحل الجزيرة.
أبلام البُصارة
الاتصال بجزيرة فيلكا بحكم موقعها كان ولايزال يتم عبر السفن التجارية المختلفة الاحجام، إلا ان هناك انواعا من السفن كانت تقصد الجزيرة باستمرار خلال فصلي الشتاء والصيف ويطلق عليها اسم «ابلام البصارة» ومفردها «بلم» وهي سفينة معروفة في البصرة، وقديما كانت هذه السفن تقصد الجزيرة للاستعانة بربابنتها في ارشادها إلى سواحل الجزيرة العربية والخليج العربي، والغالبية تأتي إلى الجزيرة محملة بالخضار والفواكه والحطب والاغراض المنزلية المختلفة، ففي فصل الصيف تأتي محملة «بالخلال» البلح والعنب والبطيخ والتفاح الاخضر والخيار والبامية وانواع عديدة اخرى من فاكهة الصيف، بالاضافة إلى «الحصران» و«المهاف».
اما في فصل الشتاء فتأتي محملة بالسعف والكرب والملح والتمر والقرع والعساوة «عسيب النخل» وكان السعف يباع بالحزمة اما الكرب فيباع بالعدد.
وتقف هذه السفن بالقرب من الشاطئ، وتنزل بضاعتها عند الاكشاك الموجودة مقابل «مسجد شعيب» واحيانا بالقرب من «كشكي» الشيخ سعود وآل طاهر في جنوب وشمال الجزيرة، وكان الاهالي يجتمعون عند وصول هذه «الابلام» لشراء ما يحتاجونه من خضار وفواكه واغراض منزلية اخرى، اما الاسعار فكانت عند وصول «البلم» غالية بعض الشيء، ولكن اذا مر يوم او يومان على وصول «البلم» ينخفض السعر، الى النصف احيانا، وكانت الفواكه توضع في «ركوك» وهي عبارة عن سلال من الجريد، اما البلح «الخلال» فيوضع داخل «البلم» ويصف بطريقة خاصة، واحيانا يصل إلى الجزيرة في وقت واحد عدد من الابلام مما يجعل اسعار الفواكه والخضار تنخفض.
وكانت الخضار الطازجة عند وصولها تباع بسعر اغلى اما ما يتبقى فيسمونه «خاكة» وخاصة العنب فيباع بسعر اقل، اما حمولتهم من «السعف» و«الكرب» و«الملح والعساوة» فكانوا ينزلونها بالقرب من الساحل ويضعونها على شكل اكوام، واذا قرب فصل الشتاء فإن الابلام يقل عددها والبضائع التي لا تباع كانت تغطى وتترك قرب الشاطئ وخاصة اكوام الملح حيث يغطونها بالطين من الخارج بعد ان يبطنونها بالخيش والحصران منعا من وصول مياه الامطار اليها فكانت تبدو كالتلال.
بالاضافة إلى ابلام البصارة فقد كانت تؤم الجزيرة بعض السفن القادمة من ايران خصوصا «جزيرة خرج» وغالبا ما تكون هذه السفن محملة بالبصل والاواني الفخارية، كما كان هناك بعض التبادل التجاري بين اهالي الجزيرة ومدينة البصرة، وتقوم سفن الجزيرة بنقل السمك المجفف لبيعه في اسواقها، بالاضافة إلى امتلاك البعض منهم اراض ونخيل، حيث ان ترددهم على مدينة البصرة كان يتم على مدار السنة، كما ان بعض الاهالي يرسلون ابناءهم لتلقي العلم لدى علمائها.
المواصلات بين الجزيرة والكويت قديما
قديما وقبل ان تجلب اللنشات البخارية الحديثة الى الجزيرة، كانت المواصلات بين الكويت وفيلكا تتم بواسطة المراكب الشراعية وعلى فترات متباعدة، وهذه المراكب من نوع «الشوعي» و«البلم» و«الجالبوت» وغيرها من السفن الشراعية التي كانت تستخدم قديما، وكانت هذه المراكب تتحكم في سيرها قوة الرياح وتقلبات المد والجزر فعندما تكون الرياح ملائمة فإن المركب الشراعي السريع يستغرق ما بين 8 إلى 10 ساعات للوصول إلى الكويت وكذلك للعودة منها، اما اذا كان الهواء ساكنا والمد والجزر بعكس سير السفينة فإنها تمكث في عرض البحر اكثر من يومين حتى تصل إلى ميناء الكويت في رحلة الذهاب او العودة إلى فيلكا في رحلة الاياب.
وفي منتصف الاربعينات بدأ بعض الاهالي من سكان الجزيرة باستخدام «اللنشات» البخارية وتحسنت بعض الشيء طرق المواصلات بين الكويت وفيلكا وتقلصت المسافة الى اكثر من النصف تقريبا، وكانت قوة «مكائن» هذه اللنشات في بداية امرها ما بين 7 إلى 15 حصانا فكانت تقطع المسافة في حوالي ثلاث ساعات ونصف الساعة، وبعد فترة جلبت مراكب بخارية قوة «مكائنها» ما بين 30 إلى 44 حصانا ومراكب اخرى قوة «مكائنها ما بين 88 إلى 144 حصانا ومع تطور المكائن البخارية لهذه المراكب، اصبحت المسافة تقطع في حدود الساعتين والساعتين والنصف، ورغم تطور «اللنشات» وازدياد قوة «مكائنها» الا ان المسافة بين ميناءي الكويت وفيلكا ظلت تقطع في حدود هذا الزمن وهو ساعتان واقصر مدة كان يقطعها احد اللنشات البخارية الكبيرة هي ساعتان الا ربعا. وهذا المركب كان «لنش النادي» وقد خصص في بادئ الامر لنقل اداريي ولاعبي نادي اليرموك الرياضي الذي كان مقره في جزيرة فيلكا الا انه ساهم في نقل الركاب من وإلى الجزيرة.
والسبب في ان هذه المسافة بين ميناءي الكويت وفيلكا تقطع في هذه المدة على الرغم من ازدياد قوى مكائن اللنشات البخارية يعود إلى ان الممر المائي بين الكويت وجزيرة فيلكا ينقسم إلى قسمين:
اولا، الغزر، اي الجزء المائي العميق والقريب من سواحل الكويت ويطلق عليه اسم «خور ابو الوشيش» وعمق المياه فيه في حالة المد حوالي 11 باعا، ويعلو فيه الموج عند هبوب الرياح وعندما يكون اللنش او المركب البخاري مارا في المنطقة فان سرعة دفعه تكون قوية.
ثانيا «الرق»، وهو الجزء الضحل نسبيا ويقع على مسافة غير بعيدة من جزيرة فيلكا، ويصل عمق المياه فيه في حالة الجزر إلى باع ونصف فقط خاصة عند منطقة «الضاروب» وهو حد رملي وموحل. وعندما يصل المركب إلى هذا الجزء تقل سرعته بسبب ضحالة البحر، ولهذا السبب فان المسافة بين الكويت و جزيرة فيلكا كانت تقطع في فترة محددة متقاربة بالنسبة لمعظم المراكب البخارية العادية في ذلك الوقت.
الاعلان عن الذهاب إلى الكويت
كان موعد الذهاب إلى الكويت قديما يتم غالبا يوم الجمعة بعد اداء الصلاة، اما طريقة اعلان «اللنش» عن عزمه نقل الركاب، فانه يرفع علما عبارة عن قطعة قماش سوداء اللون تربط في نهاية ساريه صغيرة، ويطلق عليها اسم «نوف». ومن يرد الذهاب إلى الكويت يأت إلى ساحل البحر ليرى أيا من هذه اللنشات يرفع هذا العلم. وبعد ان يتجمع الناس، يتحرك اللنش حتى يصل قرب الشاطئ، عندها يبدأ الركاب بالصعود اليه دون ترتيب وكل واحد يحاول ان يمسك بأي طرف منه لكي يصعد، وعند وجود نساء أو شيوخ يضعون سلما، وغالبا ما تكون عملية الصعود هذه شاقة، خصوصا عندما يكون البحر هائجا، حيث تتكسر الامواج القوية عند مقدمته فيعلو ويهبط بقوة. اما في حالة الجزر فان الركاب يضطرون للخوض في مياه البحر الضحلة حتى يصلوا إلى مكان وقوف اللنش وهذه الطريقة محفوفة بالمخاطر خصوصا وانهم يطؤون بأقدامهم الطمي والوحل الذي توجد فيه الاسماك السامة مثل «الطبيجي» و«الفريالة» و«اللخمة» وغيرها بالاضافة إلى تعرضهم إلى رذاذ الموج في فصل الشتاء.
وكان الطريق القديم الذي تسلكه المراكب الشراعية إلى ميناء الكويت يختلف بعض الشيء عن الطريق الحالي الذي تسلكه اللنشات البخارية حيث كان المركب الشراعي يتجه في بداية سيره إلى الجهة الشمالية المقابلة لمنطقة الصبية ويستمر في سيره حتى محاذاة بر غضي ومن ثم يتجه رأسا إلى ميناء الكويت والسبب في هذا يعود إلى ان المراكب الشراعية تتحكم في سيرها قوة الرياح واختلاف مياه المد والجزر. لذا فهم في مسلكهم هذا يحاولون ان يجعلوا خط سيرهم مستقيما حتى لا تجرفهم التيارات المائية القوية بعيدا عن سواحل مدينة الكويت.
تعد جزيرة «فيلكا» من الآثار التاريخية المهمة في الكويت القديمة، وان عصورا عديدة مرت عليها تشير إلى حضارتها، وما تميزت به قديما من ثقل حضاري وتجاري في الخليج العربي.
وسنبحر مع الباحث خالد سالم محمد عبر بعض فصول كتابه المهم «صور من الحياة القديمة في جزيرة فيلكا»، والذي تحدث فيه عن هذه الجزيرة التي هي من اهم جزر الكويت وتقع عند مدخل «الجون» في مواجهة العاصمة من جهة الشرق على بعد عشرين كيلو مترا، تحدها من الجهة الشمالية الغربية جزيرة «مسكان» ومن الجهة الجنوبية الشرقية جزيرة «عوهة»، طولها اثنا عشر كيلو مترا وعرضها في بعض الجهات ستة كيلومترات. على شكل مثلث مستطيل الاضلاع.
وعدد سكانها حسب احصائية عام 1980 «4844» نسمة منهم «2552» غير كويتي، وهي الجزيرة الكويتية الوحيدة الآهلة بالسكان وتعتبر ثاني جزر الكويت مساحة بعد جزيرة بوبيان.
وتقوم جزيرة فيلكا على سهل طيني ضحل المياه شكلته رواسب شط العرب، سطحها منبسط فيما عدا بعض التلال المتناثرة، اعلاها «تل شبيجة» في الجهة الجنوبية من الجزيرة، شواطئها رملية ناعمة، مناخها قاري بارد شتاء وحار صيفا، اما فصلا الربيع والخريف فالجو معتدل، هذا وتقل نسبة الغبار في هواء الجزيرة معظم السنة (1).
جزيرة فيلكا عريقة في القدم، وقد اكتشفت فيها آثار تعود إلى عصور ما قبل الميلاد خصوصا العصر الهلينستي «القرن الثالث ق. م.» والذي بلغت فيه فيلكا اوج ازدهارها.
وتنقسم فيلكا الآن من الناحية العمرانية إلى:
-1 فيلكا القديمة:
وتمثلها قرية «الزور» على الساحل الغربي وتمتد من منطقة «البلط» في شمالي الجزيرة وحتى آبار «الممزر» في جنوبها. وقد سكنها الأهالي حوالي عام 1773 بعد ان هجروا قراهم القديمة بسبب الاوبئة. ويمتاز ساحل الزور بطابعه القديم حيث المباني التي يعود تاريخ بناء بعضها إلى بداية هذا القرن.
-2 فيلكا الحديثة:
ويفصلها عن فيلكا القديمة في الوقت الحاضر شارع الميناء الذي يحاذي منطقة «الممزر» التي اشتهرت بآبار المياه العذبة والتي كانت السفن التجارية الكبيرة وسفن الغوص على اللؤلؤ تتزود منها بالمياه قبل سفرها.
وتمتاز فيلكا الحديثة بمبانيها العصرية، وفللها الجميلة وقد انتقلت اليها معظم مرافق الدولة.
وسكان جزيرة فيلكا هم شريحة من شرائح المجتمع الكويتي بعاداته وتقاليده واصالته، ولموقع الجزيرة وعزلتها في الماضي بعض الاثر في حياتهم الاجتماعية والمعيشية خصوصا مجتمع ما قبل النفط.
امتازت جزيرة فيلكا منذ القدم بصلاحية شواطئها ووفرة آبار مياهها العذبة، لذا كانت السفن التجارية التي تعبر الممر المائي التجاري تعرج عليها للتزود بالمياه وللاحتماء بشواطئها عند هبوب العواصف، وايضا للاستعانة ببعض رجالها ذوي الخبرة في الشؤون البحرية، اذ ان اهالي الجزيرة ملاحون مهرة وبحكم مهنتهم كانوا يمتلكون اعدادا من السفن التجارية الكبيرة يسافرون بها إلى الهند وسواحل افريقيا، وسفنا اخرى للغوص على اللؤلؤ، بالاضافة إلى اعداد اخرى من قوارب صيد السمك المختلفة الاشكال والاحجام كـ«الشواعي» و«المواشي» وهما نوعان من السفن التي كانت تستعمل لصيد سمك «الزبيدي» المتواجد بكثرة في منطقة «الوكرة» المواجهة لساحل الجزيرة الآهل بالسكان، وكذلك في المنطقة البحرية القريبة من رأس «الكيد» عند جزيرة «بوبيان»، كما كان بعض اصحاب سفن الغوص على اللؤلؤ من اهالي الكويت يأتون بسفنهم بعد انتهاء موسم الغوص إلى شواطئ الجزيرة لسحبها إلى اليابسة وتغطيتها حتى حلول الموسم المقبل، وعندما تهب رياح «الكوس» وتستمر لعدة ايام، نجد اعدادا كبيرة من السفن الشراعية تقف قبالة ساحل الجزيرة محتمية من العواصف والامواج العاتية، كما كانت «ابوام الماي» وهي السفن الشراعية التي كانت تنقل مياه شط العرب إلى الكويت تمر باستمرار قبال الجزيرة، وكانت هناك عادة قديمة عند الاهالي وهي عندما يأتي الخبر بقرب وصول احدى السفن من السفر البعيد، يصعد النسوة والاولاد إلى اسطح المنازل لرؤيتها.
أنواع السفن
البوم: سفينة السفر التي كان الكويتيون يستعملونها في اسفارهم الى الهند وسواحل افريقيا الشرقية، والبوم سفينة كبيرة، تحتاج في رسوها الى مياه عميقة، لذا كانت ترسو في منطقة «اليفرة» وهي منطقة عميقة المياه مقابلة لساحل الجزيرة الآهل بالسكان، اما في نهاية الموسم فترسو في ميناء قرية «سعيدة» القديم قرب مقام الخضر سابقا.
الجالبوت: هذا النوع من السفن كان شائعا في الجزيرة، ويستعمل للغوص على اللؤلؤ، وللتنقل بين الجزيرة ومدينة البصرة.
الشُوعي: سفينة متوسطة الحجم، تستعمل للصيد وللغوص على اللؤلؤ احيانا وكان اهالي الجزيرة يمتلكون اعدادا كبيرة منها يستعملونها لصيد السمك «الزبيدي» في موسم «الكيد» و«الخباط» وهما من مواسم الصيد المعروفة في الجزيرة، وكذلك للتنقل بين الجزيرة والكويت.
البَلم: سفينة متوسطة الحجم يكثر استعمالها في مدينة البصرة، وكان الاهالي يمتلكون اعدادا منها، يستعملونها للتنقل بين الجزيرة والكويت وبعض الموانئ المجاورة.
البغْلة... والكُوتيْة: نوعان من السفن الخليجية القديمة، قل استعمالهما مع الايام، وقديما كان يمتلك بعض تجار الجزيرة اعدادا منها يستعملونها في التجارة بين سواحل الخليج الغربي والهند والباكستان.
الماشُوة: قارب صغير، كان شائع الاستعمال لدى سكان الجزيرة إلى عهد قريب، يستعملونه في ايام الصيف لصيد سمك «الزبيدي» وهناك نوع من هذه القوارب يطلق عليه اسم «كتر» يختلف قليلا في شكله عن «الماشوه» ويستعمل لصيد السمك ايضا، ويستعمل الماشوة كقارب ملحق بالسفن الكبيرة كالبوم والجالبوت والبغلة.
الهُوري: قارب صغير مستطيل، عبارة عن قطعة خشب مجوفة، يتسع لثلاثة اشخاص، يستعمل للتنقلات البحرية بين السفن الكبيرة الراسية في عرض البحر.
وكان اهالي الجزيرة يستعملونه في التنقل بين الصيادين الذين ينتشرون في منطقة «الوكر» التي يكثر فيها سمك الزبيدي، لشراء السمك منهم، كما كانوا يستعملونه للتسلية وقضاء وقت الفراغ اثناء السباحة في البحر، وقد جازف بعض الاهالي قديما اثناء سكون البحر فوصلوا به الى ميناء الكويت.
«والهواري» منها الخفيفة السريعة، ومنها الثقيلة، وتستعمل في تسييرها «الغرافة» وهي تشبه المجداف لكنها قصيرة.
الويرجية: قارب صغير كان يصنع من «الكرب» و«الجريد» ويشد بواسطة الحبال، وكان سكان الجزيرة يستعملون هذا النوع من القوارب لصيد السمك في المياه القريبة من سواحل الجزيرة.
أبلام البُصارة
الاتصال بجزيرة فيلكا بحكم موقعها كان ولايزال يتم عبر السفن التجارية المختلفة الاحجام، إلا ان هناك انواعا من السفن كانت تقصد الجزيرة باستمرار خلال فصلي الشتاء والصيف ويطلق عليها اسم «ابلام البصارة» ومفردها «بلم» وهي سفينة معروفة في البصرة، وقديما كانت هذه السفن تقصد الجزيرة للاستعانة بربابنتها في ارشادها إلى سواحل الجزيرة العربية والخليج العربي، والغالبية تأتي إلى الجزيرة محملة بالخضار والفواكه والحطب والاغراض المنزلية المختلفة، ففي فصل الصيف تأتي محملة «بالخلال» البلح والعنب والبطيخ والتفاح الاخضر والخيار والبامية وانواع عديدة اخرى من فاكهة الصيف، بالاضافة إلى «الحصران» و«المهاف».
اما في فصل الشتاء فتأتي محملة بالسعف والكرب والملح والتمر والقرع والعساوة «عسيب النخل» وكان السعف يباع بالحزمة اما الكرب فيباع بالعدد.
وتقف هذه السفن بالقرب من الشاطئ، وتنزل بضاعتها عند الاكشاك الموجودة مقابل «مسجد شعيب» واحيانا بالقرب من «كشكي» الشيخ سعود وآل طاهر في جنوب وشمال الجزيرة، وكان الاهالي يجتمعون عند وصول هذه «الابلام» لشراء ما يحتاجونه من خضار وفواكه واغراض منزلية اخرى، اما الاسعار فكانت عند وصول «البلم» غالية بعض الشيء، ولكن اذا مر يوم او يومان على وصول «البلم» ينخفض السعر، الى النصف احيانا، وكانت الفواكه توضع في «ركوك» وهي عبارة عن سلال من الجريد، اما البلح «الخلال» فيوضع داخل «البلم» ويصف بطريقة خاصة، واحيانا يصل إلى الجزيرة في وقت واحد عدد من الابلام مما يجعل اسعار الفواكه والخضار تنخفض.
وكانت الخضار الطازجة عند وصولها تباع بسعر اغلى اما ما يتبقى فيسمونه «خاكة» وخاصة العنب فيباع بسعر اقل، اما حمولتهم من «السعف» و«الكرب» و«الملح والعساوة» فكانوا ينزلونها بالقرب من الساحل ويضعونها على شكل اكوام، واذا قرب فصل الشتاء فإن الابلام يقل عددها والبضائع التي لا تباع كانت تغطى وتترك قرب الشاطئ وخاصة اكوام الملح حيث يغطونها بالطين من الخارج بعد ان يبطنونها بالخيش والحصران منعا من وصول مياه الامطار اليها فكانت تبدو كالتلال.
بالاضافة إلى ابلام البصارة فقد كانت تؤم الجزيرة بعض السفن القادمة من ايران خصوصا «جزيرة خرج» وغالبا ما تكون هذه السفن محملة بالبصل والاواني الفخارية، كما كان هناك بعض التبادل التجاري بين اهالي الجزيرة ومدينة البصرة، وتقوم سفن الجزيرة بنقل السمك المجفف لبيعه في اسواقها، بالاضافة إلى امتلاك البعض منهم اراض ونخيل، حيث ان ترددهم على مدينة البصرة كان يتم على مدار السنة، كما ان بعض الاهالي يرسلون ابناءهم لتلقي العلم لدى علمائها.
المواصلات بين الجزيرة والكويت قديما
قديما وقبل ان تجلب اللنشات البخارية الحديثة الى الجزيرة، كانت المواصلات بين الكويت وفيلكا تتم بواسطة المراكب الشراعية وعلى فترات متباعدة، وهذه المراكب من نوع «الشوعي» و«البلم» و«الجالبوت» وغيرها من السفن الشراعية التي كانت تستخدم قديما، وكانت هذه المراكب تتحكم في سيرها قوة الرياح وتقلبات المد والجزر فعندما تكون الرياح ملائمة فإن المركب الشراعي السريع يستغرق ما بين 8 إلى 10 ساعات للوصول إلى الكويت وكذلك للعودة منها، اما اذا كان الهواء ساكنا والمد والجزر بعكس سير السفينة فإنها تمكث في عرض البحر اكثر من يومين حتى تصل إلى ميناء الكويت في رحلة الذهاب او العودة إلى فيلكا في رحلة الاياب.
وفي منتصف الاربعينات بدأ بعض الاهالي من سكان الجزيرة باستخدام «اللنشات» البخارية وتحسنت بعض الشيء طرق المواصلات بين الكويت وفيلكا وتقلصت المسافة الى اكثر من النصف تقريبا، وكانت قوة «مكائن» هذه اللنشات في بداية امرها ما بين 7 إلى 15 حصانا فكانت تقطع المسافة في حوالي ثلاث ساعات ونصف الساعة، وبعد فترة جلبت مراكب بخارية قوة «مكائنها» ما بين 30 إلى 44 حصانا ومراكب اخرى قوة «مكائنها ما بين 88 إلى 144 حصانا ومع تطور المكائن البخارية لهذه المراكب، اصبحت المسافة تقطع في حدود الساعتين والساعتين والنصف، ورغم تطور «اللنشات» وازدياد قوة «مكائنها» الا ان المسافة بين ميناءي الكويت وفيلكا ظلت تقطع في حدود هذا الزمن وهو ساعتان واقصر مدة كان يقطعها احد اللنشات البخارية الكبيرة هي ساعتان الا ربعا. وهذا المركب كان «لنش النادي» وقد خصص في بادئ الامر لنقل اداريي ولاعبي نادي اليرموك الرياضي الذي كان مقره في جزيرة فيلكا الا انه ساهم في نقل الركاب من وإلى الجزيرة.
والسبب في ان هذه المسافة بين ميناءي الكويت وفيلكا تقطع في هذه المدة على الرغم من ازدياد قوى مكائن اللنشات البخارية يعود إلى ان الممر المائي بين الكويت وجزيرة فيلكا ينقسم إلى قسمين:
اولا، الغزر، اي الجزء المائي العميق والقريب من سواحل الكويت ويطلق عليه اسم «خور ابو الوشيش» وعمق المياه فيه في حالة المد حوالي 11 باعا، ويعلو فيه الموج عند هبوب الرياح وعندما يكون اللنش او المركب البخاري مارا في المنطقة فان سرعة دفعه تكون قوية.
ثانيا «الرق»، وهو الجزء الضحل نسبيا ويقع على مسافة غير بعيدة من جزيرة فيلكا، ويصل عمق المياه فيه في حالة الجزر إلى باع ونصف فقط خاصة عند منطقة «الضاروب» وهو حد رملي وموحل. وعندما يصل المركب إلى هذا الجزء تقل سرعته بسبب ضحالة البحر، ولهذا السبب فان المسافة بين الكويت و جزيرة فيلكا كانت تقطع في فترة محددة متقاربة بالنسبة لمعظم المراكب البخارية العادية في ذلك الوقت.
الاعلان عن الذهاب إلى الكويت
كان موعد الذهاب إلى الكويت قديما يتم غالبا يوم الجمعة بعد اداء الصلاة، اما طريقة اعلان «اللنش» عن عزمه نقل الركاب، فانه يرفع علما عبارة عن قطعة قماش سوداء اللون تربط في نهاية ساريه صغيرة، ويطلق عليها اسم «نوف». ومن يرد الذهاب إلى الكويت يأت إلى ساحل البحر ليرى أيا من هذه اللنشات يرفع هذا العلم. وبعد ان يتجمع الناس، يتحرك اللنش حتى يصل قرب الشاطئ، عندها يبدأ الركاب بالصعود اليه دون ترتيب وكل واحد يحاول ان يمسك بأي طرف منه لكي يصعد، وعند وجود نساء أو شيوخ يضعون سلما، وغالبا ما تكون عملية الصعود هذه شاقة، خصوصا عندما يكون البحر هائجا، حيث تتكسر الامواج القوية عند مقدمته فيعلو ويهبط بقوة. اما في حالة الجزر فان الركاب يضطرون للخوض في مياه البحر الضحلة حتى يصلوا إلى مكان وقوف اللنش وهذه الطريقة محفوفة بالمخاطر خصوصا وانهم يطؤون بأقدامهم الطمي والوحل الذي توجد فيه الاسماك السامة مثل «الطبيجي» و«الفريالة» و«اللخمة» وغيرها بالاضافة إلى تعرضهم إلى رذاذ الموج في فصل الشتاء.
وكان الطريق القديم الذي تسلكه المراكب الشراعية إلى ميناء الكويت يختلف بعض الشيء عن الطريق الحالي الذي تسلكه اللنشات البخارية حيث كان المركب الشراعي يتجه في بداية سيره إلى الجهة الشمالية المقابلة لمنطقة الصبية ويستمر في سيره حتى محاذاة بر غضي ومن ثم يتجه رأسا إلى ميناء الكويت والسبب في هذا يعود إلى ان المراكب الشراعية تتحكم في سيرها قوة الرياح واختلاف مياه المد والجزر. لذا فهم في مسلكهم هذا يحاولون ان يجعلوا خط سيرهم مستقيما حتى لا تجرفهم التيارات المائية القوية بعيدا عن سواحل مدينة الكويت.