مرّت ثمانية أعوام على العمل الإرهابي الذي ارتكبته «القاعدة» في الحادي عشر من سبتمبر 2001. لا يزال السؤال المطروح هل تعلّم العرب شيئاً من تلك التجربة، أم أنهم يكتفون بوضع اللوم على الآخر، ممارسين عملية هروب مستمرة إلى أمام، متجاهلين أن جميع الإرهابيين كانوا من العرب، وأن أربعة عشر من أصل تسعة عشر إرهابياً، ينتمون إلى جنسية عربية معينة.
ليس أسهل من القول ان الحق على الآخر، أي على الأميركي تحديداً والعالم الغربي عموماً. هناك، للأسف الشديد، بين العرب من برر ويبرر جريمة احتلال الكويت في العام 1990 ويضع اللوم على الأميركيين وليس على نظام حسين، نظام «المقابر الجماعية» الذي لم يجلب على العراقيين والعرب سوى الويلات بكل أنواعها وأشكالها.
لكنّ الطريقة التي ردّت بها الولايات المتحدة على «غزوة» واشنطن ونيويورك لم تكن تبشر بالخير، وتعطي الحق للذين يقولون ان الحرب على الإرهاب التي شنتها الإدارة الأميركية السابقة كانت في الحقيقة حرباً عشوائية لم تؤد سوى إلى توفير مزيد من الذرائع للمنادين بالإرهاب والمشجعين له. الأميركيون أنفسهم أدركوا ذلك في العمق، وكان أفضل تعبير عن مدى إدراكهم لحجم الأخطاء التي ارتكبتها إدارة جورج بوش الابن ذلك الانتصار الساحق الذي حققه قبل أحد عشر شهراً المرشح الديموقراطي باراك أوباما الذي بنى حملته الانتخابية على كلمة «التغيير». كل ما كان يصبو إليه الأميركيون هو التغيير بعدما غرقت القوة العظمى الوحيدة في العالم في الوحول العراقية، وبعدما اكتشفت متأخرة أن لا مجال لمعالجة الوضع في أفغانستان من دون التصدي لجذور المشكلة المسماة الإرهاب في باكستان. أكثر من ذلك، تبين أن كل الكلام عن نشر الديموقراطية في «الشرق الأوسط الجديد» انطلاقاً من العراق، كان مجرد كلام في غير محله، وأن الحقيقة مختلفة كلياً، بل في مكان آخر.
في حال كان مطلوباً تلخيص نتائج ثمانية أعوام من الحرب الأميركية على الإرهاب، يمكن القول ان ما نشهده حالياً هو سلسلة من الحروب غير المنتهية في بلدان باتت مرشحة لأن تتحول إلى قواعد لـ «القاعدة» أو للتفكك... كما حال العراق على سبيل المثال. ما قد يكون أسوأ من ذلك بكثير أن الطريقة التي تصرفت بها الإدارة الأميركية في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 خلقت حالاً من عدم الاستقرار في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط ومحيطه. ربما كان الصومال أفضل مثل على عجز المجتمع الدولي عن معالجة المشكلة الناجمة عن استحالة قيام حكومة مركزية في هذا البلد المهم بسبب موقعه الاستراتيجي، هذا البلد الذي اخترقته «القاعدة» من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه وصولاً إلى الشواطئ والمناطق الداخلية...
تغيّرت الخريطة السياسية للشرق الأوسط، بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 انتقل الثقل إلى خارج العالم العربي. صارت إيران أكثر أهمية مما كانت عليه في الماضي بعدما استطاعت ملء الفراغ الناجم عن سقوط النظام العائلي- البعثي في بغداد، وكان نظاماً شديد المركزية، وبعدما سمحت لنفسها بأن تكون لاعباً أساسياً في لبنان وفلسطين بتأييد ضمني من إسرائيل مادام دورها في هذين المكانين يضرب عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية من جهة، ويضعف السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.
لم تكن إيران وحدها المستفيدة من الحرب الأميركية على الإرهاب. هناك صعود مفاجئ للدور التركي. صارت أنقرة، بين ليلة وضحاها، حاضرة في كل الملفات العربية والوسيط المفضل بين سورية والعراق، وبين سورية وإسرائيل، وحتى بين «حماس» والمجتمع الدولي.
إسرائيل نفسها باتت تشعر بأنها لاعب أساسي في المنطقة وأن عليها التصرف من هذا المنطلق، صارت تهتم بأمور تتجاوز التسوية مع العرب أو مع الفلسطينيين، إذ باتت تعتقد أن في إمكانها التذرع بالملف النووي الإيراني إلى ما لا نهاية بغية خلق واقع جديد على الأرض يكرس احتلالها لجزء من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية.
أظهرت الشهور التسعة المنصرمة أن إدارة أوباما تفتقد إلى حد كبير القدرة على استعادة المبادرة، خصوصاً في الشرق الأوسط. لم تحقق شيئاً بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين لا يكفون عن تحديها بكل وقاحة، ليست لديها سياسة عراقية واضحة. ليست في وضع من يستطيع البناء على ما تحقق في أفغانستان أو باكستان. والأهم من ذلك كله أنها غير قادرة على شرح ما الذي تريده من إيران وأن ترسم لها خطوطاً حمرا واضحة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببرنامجها النووي.
بين حال الضياع الأميركية والصعود القوي لكل القوى غير العربية في المنطقة، على رأسها إيران وتركيا وإسرائيل، يكاد العرب بالكاد يتذكرون الأسئلة التي طرحتها كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001. بعد ثمانية أعوام على الكارثة، هل تحسن الخطاب الرسمي العربي الذي لا يزال عليه الإجابة عن سلسلة من الأسئلة في مقدمها ما هي مواد البرامج التربوية في معظم المدارس، ماذا تعلّم هذه المدارس، هل تدعو إلى ثقافة التسامح، هل تلبي حاجات سوق العمل... أم أن نسبة البطالة والتطرف ستستمر في الازدياد ومعها مشكلة النمو السكاني؟ يمكن بالطبع إثارة موضوع المرأة وحقوقها وما إذا كان حصل تقدم في هذا المجال الذي يشكل نصف المجتمع. المؤسف أن عدد البلدان التي تحقق فيها بعض التقدم قليل. كل ما يمكن قوله ان من حسن حظ عدد لا بأس به من الحكام العرب أن في إمكانهم دائماً تعليق مشاكل بلدانهم على الشماعة الإسرائيلية أو الأميركية.
ثمانية أعوام مرت على الحادي عشر من سبتمبر. لم يتغيّر شيء عربياً، كأن الإرهابيين الذين نفذوا الجريمة التي غيرت أموراً كثيرة في هذا العالم، جاؤوا من كوكب آخر!


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن