|كتب حسين إبراهيم|
/>عام كامل تقريبا مر على انهيار بنك «ليمان براذرز» الذي حول ازمة الرهون العقارية الاميركية الى ازمة مالية عالمية لم تستثن بلدا. وفي كل العالم يُطرح سؤالان رئيسيان: الاول هو اين نحن الان من الازمة؟ والثاني هو ما الدروس المستفادة لعدم تكرار الازمة؟ وفي الكويت يمكن اضافة سؤال ثالث هو: كيف لبلد تأثر بازمة جاءت من الخارج ويمتلك ما يمتلك من الامكانات ان يبقى غارقا فيها، في حين ان البلدان التي انتجت الازمة وصدرتها خرجت او تكاد تخرج منها.
/>الكويت عاشت الازمة منذ بدايتها، اذ بدأ انهيار اسعار الاسهم مع بداية الازمة العالمية حيث تراجع المؤشر السعري لسوق الكويت للاوراق المالية من ذروته التي بلغها في 24 يونيو 2008 عند 15654 نقطة الى 6391 في الاول من مارس 2009، مع ما يعني ذلك من خسارة كثيرين اجزاء كبيرة من مدخراتهم او حتى كل هذه المدخرات وفوقها اذا اخذنا في الاعتبار الذين استدانوا لشراء اسهم.
/>ويعتبر مستوى مؤشر السوق السعري الحالي (7680 نقطة عند اغلاق امس) من الدلائل على ان الكويت لا تزال تعاني الازمة. وما زالت القيمة الرأسمالية للشركات المدرجة في سوق الاوراق المالية عند نحو 34 مليار دينار اي اقل بمعدل النصف تقريبا من ذروتها عند 63 مليار دينار في اواخر يونيو 2008.
/>منذ بداية الازمة اطلقت حكومات العالم، خصوصا التي تتمتع بانظمة ديموقراطية وقدر من الشفافية، جهودا منسقة وفعالة لمواجهة اثار الازمة بكل جوانبها، سواء على النظام المالي، او على الصناعة والعقار وغيرهما من القطاعات التي تأثرت. او في الجانب الاجتماعي المتعلق بالبطالة، على سبيل المثال.
/>ويمكن تحديد الفارق بين ما قامت به دول العالم الاخرى (الطابع الغالب) وما قامت به الكويت وفق الاتي:
/>1 - دول العالم قامت بضخ مئات مليارات الدولارات في البنوك وقطاعات الاقتصاد وهي عملية بدأت تؤتي ثمارها حيث بدأ العديد من البنوك التي احتاجت لأموال انقاذ يعيد هذه الاموال مع ارباح لدافعي الضرائب. وفي المقابل فان قانون الاستقرار المالي في الكويت الذي استهلك اشهرا ولجانا متعددة لانجازه، ولم يقر الا بمرسوم ضرورة وبعد حل مجلس الامة في مارس الماضي، ما زال حتى الان حبرا على ورق ولم ينجح حتى في توفير عوامل دعم نفسي لسوق الاوراق المالية.
/>2 - لم تضرب الكويت ازميلا واحدا في ملف مثل ملف شركات الاستثمار المتعثرة والذي لا يوجد مثيل له في اي مكان في العالم. وبخلاف الخطوة التي اتخذها بنك الكويت المركزي اخيرا بتعيين مراقب موقت على شركة دار الاستثمار والتي لم تعرف بعد طبيعتها بشكل كامل وما الهدف منها، بقي هذا الملف عالقا تماما بكل تشعباته واثاره التي اثقلت ميزانيات البنوك المحلية وكلفتها تخفيضا في التصنيفات الائتمانية وتكاد تكلف الكويت كلها تخفيضا في التصنيف السيادي. فلا الشركات وافقت على الدخول في مظلة القانون، ولا يعرف اصلا ان كانت مؤهلة للدخول وفق ما تطلبه شروط القانون، ولا السلطات الكويتية المعنية، وفي هذه الحالة «المركزي»، تدخلت بشكل قوي لتفكيك هذا الملف بشكل او باخر.
/>3 - في المقابل تدخل «المركزي» بشكل قوي جدا لحماية البنوك من اثار الازمة، واوضح تماما انه من غير المسموح بتاتا السماح بتدهور هذا القطاع الذي يعتبر بمثابة القلب من الاقتصاد حتى ان كلف ذلك التدخل بالمال العام مباشرة ومن دون الالتفات الى سجال سياسي او انتظار اذن من احد، بخلاف ما ينص عليه القانون طبعا. ولكن هذه الاجراءات المتشددة كانت لها اثار سلبية، وادت الى نوع من التضييق على البنوك، خصوصا شروط الاقراض الذي يعتبر المتنفس الوحيد للبنوك لتحقيق الربحية. كان المفترض مثلا ان يتمتع «المركزي» بمرونة لمراجعة الشروط المتشددة على القروض الاستهلاكية (خفض نسبة قسط الدين من 50 الى 40 في المئة من الدخل الشهري) التي فرضها البنك المركزي في ذروة الطفرة الاقتصادية في 2008 خوفا من التضخم، حيث لم يعد التضخم حاليا يمثل هاجسا اساسيا.
/>وحتى حركة الفائدة التي استخدمت في العالم كعنصر اساسي لتشجيع الاقراض والخروج من الازمة جاءت في الكويت جزئية ولم يكن لها التأثير الكبير في دفع عجلة الاقراض.
/>4- برغم ان تأثر سوق الكويت للاوراق المالية بالازمة هو تأثر حقيقي في جانب منه، ونفسي في جانب اخر، الا ان مشكلة السوق في جانب ثالث هي مشكلة فنية، اي مشكلة نظام تداول وقواعد افصاح. وهنا يبدو واضحا القصور في معالجة اوجه الخلل. حيث لم يتم فعل شيء منذ بداية الازمة، فلم يتم مثلا انشاء هيئة سوق المال رغم اكتمال العدة اللازمة لذلك، مع المجلس والحكومة الجديدين اللذين يبدو الانسجام بينهما افضل من سابقيهما، برغم كل ما حدث في العالم والذي عزي في جانب منه الى عمليات النصب التي يقوم بها محترفون سواء بشكل شرعي كما فعل مديرو البنوك والصناديق والمحافظ الذي كان همهم تحقيق المنفعة الشخصية من دون الالتفات الى المخاطر، او بشكل غير شرعي عن طريق الاحتيال مثلما حصل مع مادوف وبعض من تلامذته في امكنة مختلفة، وصولا الى الكويت حيث شهدت البورصة عمليات مثيرة للشبهة ومن ضمنها قضية التسوياتن وقضية الافصاحات التي كان يتم التلاعب بها للتأثير على سهم هنا او هناك وتحقيق ارباح
/>5 - التأثر الاكبر بالازمة كان من نصيب قطاع العقار، الذي يجسد باوضح صورة انهيار اسعار الاصول. وفي حالة الكويت كان القطاع العقاري مأزوما ومكبلا قبل الازمة، وجاءت الازمة لتقضي على اي امل بالاصلاح، بدل ان تكون محفزا لتسريع عمليات الاصلاح. التأثير الاكبر كان على المشاريع الضخمة التي تمكنت من الافلات من القوانين الصارمة وبدأت ترتفع على شكل ابراج في اماكن مختلفة من المدينة، قبل ان تفقد رونقها، ان لم نقل جدواها، حيث لم يعد احد يهتم بامور مثل الى اي ارتفاع سيصل هذا البرج، بعد ان كانت الشركات التي تقوم بمثل هذه المشاريع تفرك يديها بانتظار ما كانت ستجنيه من مال من مبيعاتها. وباستناء الانجاز الذي حققه بيت التمويل الكويتي (بيتك) بنيل استثناء للبنوك الاسلامية من حظر الرهن على السكن الخاص، وهو انجاز جاء عن طريق القضاء وليس السلطات السياسية، لم تتحرك الامور قيد انملة في هذا المجال ايضا. كان يمكن لمثل هذا الاجراء ان يخفف عبء الازمة عن البنوك التقليدية لو امتد اليها ويمثل نافذة لها لتحقيق ارباح.
/>بعد سنة من الازمة لا يبدو ان الكويت استفادت من دروسها شيئا، بل ان الامور تتجه الى مزيد من السوء وفق ما تشير التقارير التي ترصد البيئة الاقتصادية. ففضلا عن سيل من التقارير التي تحدثت عن انكماش او شملت خفضا لتصنيفات البنوك او تحذيرا من احتمال خفض التصنيف السيادي، صدر تقريران عن البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي يعتبران مؤشرين مهمين على تدهور البيئة الاقتصادية في البلاد، حيث اشار تقرير البنك الدولي الى ان الكويت تراجعت تسعة مراكز الى المرتبة 60 عالميا على سلم مؤشر «ممارسة اللاعمال»، في حين اشار تقرير المنتدى الاقتصادي الى انها تراجعت اربعة مراكز الى المرتبة 39 عالميا على سلم مؤشر «التنافسية».
/>
/>عام كامل تقريبا مر على انهيار بنك «ليمان براذرز» الذي حول ازمة الرهون العقارية الاميركية الى ازمة مالية عالمية لم تستثن بلدا. وفي كل العالم يُطرح سؤالان رئيسيان: الاول هو اين نحن الان من الازمة؟ والثاني هو ما الدروس المستفادة لعدم تكرار الازمة؟ وفي الكويت يمكن اضافة سؤال ثالث هو: كيف لبلد تأثر بازمة جاءت من الخارج ويمتلك ما يمتلك من الامكانات ان يبقى غارقا فيها، في حين ان البلدان التي انتجت الازمة وصدرتها خرجت او تكاد تخرج منها.
/>الكويت عاشت الازمة منذ بدايتها، اذ بدأ انهيار اسعار الاسهم مع بداية الازمة العالمية حيث تراجع المؤشر السعري لسوق الكويت للاوراق المالية من ذروته التي بلغها في 24 يونيو 2008 عند 15654 نقطة الى 6391 في الاول من مارس 2009، مع ما يعني ذلك من خسارة كثيرين اجزاء كبيرة من مدخراتهم او حتى كل هذه المدخرات وفوقها اذا اخذنا في الاعتبار الذين استدانوا لشراء اسهم.
/>ويعتبر مستوى مؤشر السوق السعري الحالي (7680 نقطة عند اغلاق امس) من الدلائل على ان الكويت لا تزال تعاني الازمة. وما زالت القيمة الرأسمالية للشركات المدرجة في سوق الاوراق المالية عند نحو 34 مليار دينار اي اقل بمعدل النصف تقريبا من ذروتها عند 63 مليار دينار في اواخر يونيو 2008.
/>منذ بداية الازمة اطلقت حكومات العالم، خصوصا التي تتمتع بانظمة ديموقراطية وقدر من الشفافية، جهودا منسقة وفعالة لمواجهة اثار الازمة بكل جوانبها، سواء على النظام المالي، او على الصناعة والعقار وغيرهما من القطاعات التي تأثرت. او في الجانب الاجتماعي المتعلق بالبطالة، على سبيل المثال.
/>ويمكن تحديد الفارق بين ما قامت به دول العالم الاخرى (الطابع الغالب) وما قامت به الكويت وفق الاتي:
/>1 - دول العالم قامت بضخ مئات مليارات الدولارات في البنوك وقطاعات الاقتصاد وهي عملية بدأت تؤتي ثمارها حيث بدأ العديد من البنوك التي احتاجت لأموال انقاذ يعيد هذه الاموال مع ارباح لدافعي الضرائب. وفي المقابل فان قانون الاستقرار المالي في الكويت الذي استهلك اشهرا ولجانا متعددة لانجازه، ولم يقر الا بمرسوم ضرورة وبعد حل مجلس الامة في مارس الماضي، ما زال حتى الان حبرا على ورق ولم ينجح حتى في توفير عوامل دعم نفسي لسوق الاوراق المالية.
/>2 - لم تضرب الكويت ازميلا واحدا في ملف مثل ملف شركات الاستثمار المتعثرة والذي لا يوجد مثيل له في اي مكان في العالم. وبخلاف الخطوة التي اتخذها بنك الكويت المركزي اخيرا بتعيين مراقب موقت على شركة دار الاستثمار والتي لم تعرف بعد طبيعتها بشكل كامل وما الهدف منها، بقي هذا الملف عالقا تماما بكل تشعباته واثاره التي اثقلت ميزانيات البنوك المحلية وكلفتها تخفيضا في التصنيفات الائتمانية وتكاد تكلف الكويت كلها تخفيضا في التصنيف السيادي. فلا الشركات وافقت على الدخول في مظلة القانون، ولا يعرف اصلا ان كانت مؤهلة للدخول وفق ما تطلبه شروط القانون، ولا السلطات الكويتية المعنية، وفي هذه الحالة «المركزي»، تدخلت بشكل قوي لتفكيك هذا الملف بشكل او باخر.
/>3 - في المقابل تدخل «المركزي» بشكل قوي جدا لحماية البنوك من اثار الازمة، واوضح تماما انه من غير المسموح بتاتا السماح بتدهور هذا القطاع الذي يعتبر بمثابة القلب من الاقتصاد حتى ان كلف ذلك التدخل بالمال العام مباشرة ومن دون الالتفات الى سجال سياسي او انتظار اذن من احد، بخلاف ما ينص عليه القانون طبعا. ولكن هذه الاجراءات المتشددة كانت لها اثار سلبية، وادت الى نوع من التضييق على البنوك، خصوصا شروط الاقراض الذي يعتبر المتنفس الوحيد للبنوك لتحقيق الربحية. كان المفترض مثلا ان يتمتع «المركزي» بمرونة لمراجعة الشروط المتشددة على القروض الاستهلاكية (خفض نسبة قسط الدين من 50 الى 40 في المئة من الدخل الشهري) التي فرضها البنك المركزي في ذروة الطفرة الاقتصادية في 2008 خوفا من التضخم، حيث لم يعد التضخم حاليا يمثل هاجسا اساسيا.
/>وحتى حركة الفائدة التي استخدمت في العالم كعنصر اساسي لتشجيع الاقراض والخروج من الازمة جاءت في الكويت جزئية ولم يكن لها التأثير الكبير في دفع عجلة الاقراض.
/>4- برغم ان تأثر سوق الكويت للاوراق المالية بالازمة هو تأثر حقيقي في جانب منه، ونفسي في جانب اخر، الا ان مشكلة السوق في جانب ثالث هي مشكلة فنية، اي مشكلة نظام تداول وقواعد افصاح. وهنا يبدو واضحا القصور في معالجة اوجه الخلل. حيث لم يتم فعل شيء منذ بداية الازمة، فلم يتم مثلا انشاء هيئة سوق المال رغم اكتمال العدة اللازمة لذلك، مع المجلس والحكومة الجديدين اللذين يبدو الانسجام بينهما افضل من سابقيهما، برغم كل ما حدث في العالم والذي عزي في جانب منه الى عمليات النصب التي يقوم بها محترفون سواء بشكل شرعي كما فعل مديرو البنوك والصناديق والمحافظ الذي كان همهم تحقيق المنفعة الشخصية من دون الالتفات الى المخاطر، او بشكل غير شرعي عن طريق الاحتيال مثلما حصل مع مادوف وبعض من تلامذته في امكنة مختلفة، وصولا الى الكويت حيث شهدت البورصة عمليات مثيرة للشبهة ومن ضمنها قضية التسوياتن وقضية الافصاحات التي كان يتم التلاعب بها للتأثير على سهم هنا او هناك وتحقيق ارباح
/>5 - التأثر الاكبر بالازمة كان من نصيب قطاع العقار، الذي يجسد باوضح صورة انهيار اسعار الاصول. وفي حالة الكويت كان القطاع العقاري مأزوما ومكبلا قبل الازمة، وجاءت الازمة لتقضي على اي امل بالاصلاح، بدل ان تكون محفزا لتسريع عمليات الاصلاح. التأثير الاكبر كان على المشاريع الضخمة التي تمكنت من الافلات من القوانين الصارمة وبدأت ترتفع على شكل ابراج في اماكن مختلفة من المدينة، قبل ان تفقد رونقها، ان لم نقل جدواها، حيث لم يعد احد يهتم بامور مثل الى اي ارتفاع سيصل هذا البرج، بعد ان كانت الشركات التي تقوم بمثل هذه المشاريع تفرك يديها بانتظار ما كانت ستجنيه من مال من مبيعاتها. وباستناء الانجاز الذي حققه بيت التمويل الكويتي (بيتك) بنيل استثناء للبنوك الاسلامية من حظر الرهن على السكن الخاص، وهو انجاز جاء عن طريق القضاء وليس السلطات السياسية، لم تتحرك الامور قيد انملة في هذا المجال ايضا. كان يمكن لمثل هذا الاجراء ان يخفف عبء الازمة عن البنوك التقليدية لو امتد اليها ويمثل نافذة لها لتحقيق ارباح.
/>بعد سنة من الازمة لا يبدو ان الكويت استفادت من دروسها شيئا، بل ان الامور تتجه الى مزيد من السوء وفق ما تشير التقارير التي ترصد البيئة الاقتصادية. ففضلا عن سيل من التقارير التي تحدثت عن انكماش او شملت خفضا لتصنيفات البنوك او تحذيرا من احتمال خفض التصنيف السيادي، صدر تقريران عن البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي يعتبران مؤشرين مهمين على تدهور البيئة الاقتصادية في البلاد، حيث اشار تقرير البنك الدولي الى ان الكويت تراجعت تسعة مراكز الى المرتبة 60 عالميا على سلم مؤشر «ممارسة اللاعمال»، في حين اشار تقرير المنتدى الاقتصادي الى انها تراجعت اربعة مراكز الى المرتبة 39 عالميا على سلم مؤشر «التنافسية».
/>