العمل هو كل جهد مشروع يبذله الانسان ويعود عليه او على غيره بالخير والفائدة والمنفعة سواء اكان هذا الجهد جسميا كالحرف اليدوية او فكريا كالتعلم والقضاء، وعليه فالعمل في الاسلام شامل لكل فعالية مشروعة سواء اكانت اقتصادية او سياسية. قال تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
/>ومن الجدير بالبيان ان كلمة (العاملة) تشمل الذي يعمل لنفسه او لغيره، اما الذي يعمل لغيره فقط بقصد الحصول على اجر مقابل جهده فيسمى في نظر الشريعة الاسلامية (أجيرا) وقد وصفته النصوص الشرعية بهذه الصفة. فقد قال عليه الصلاة والسلام: (اعطوا الاجير اجره قبل ان يجف عرقه)، وعلى ذلك فكل اجير عامل وليس كل عامل اجيرا.
/> المفهوم الإسلامي للعمل
/>كمل عمل مادي او معنوي، أو مؤلف منهما معا، ينفع الناس في الدنيا أو الاخرة، يعتبر عملا اسلاميا.
/>غير ان هذه الاعمال منها ما هو عبادة محضة كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ومنها ما هو من اعمال الدنيا كعمارة الكون وسد حاجات الانسان، ويثاب المؤمن على هذا العمل متى اداه كما اراد الله عز وجل. ولهذا اذا نظرنا في كتب الفقه الاسلامي نجد العبادات، ونجد كذلك المعاملات: فنرى الحديث عن التجارة والاجارة والمزارعة وغيرها من الوان المعاملات.
/>ولسنا هناك في مجال الحديث عن العبادات، وانما نتحدث عن النوع الآخر من العمل، وهو الجهد البشري المبذول بهدف الانتاج.
/>واذا بحثنا عن مفهوم العمل في الاسلام وجدناه يشمل العمل اليدوي والفني والعقلي، ما صغر في نظر الناس وما عظم.
/>انظر إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما اكل احد طعاما قط خيرا من ان يأكل من عمل يده، وان نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»، ثم اقرأ مثلا في سنن ابي داود «باب في كسب الاطباء»، و«باب في كسب الحجام»، و«باب في ارزاق العمال» اي اجور الموظفين، وهو ما نسميه الرواتب او المعاشات.
/>اذا نظرنا فيما سبق، وعرفنا كذلك ان كلمة عامل تطلق على الوالي والامير، استطعنا ان ندرك ان العامل في نظر الاسلام هو كل من يقوم بعمل نافع، يستوي في هذا الكناس والنجار والحداد، والطبيب والمهندس، والقاضي والوالي.
/>«وعلى هذا يكون المجتمع في نظر الاسلام مؤلفا من مجموع العاملين، وكلهم يسمون عمالا، وهذا المفهوم يؤدي إلى نتائج اجتماعية خطيرة منها:
/>-1 ان الاصل تساوي البشر من حيث كونهم عمالا وبشرا لهم كرامتهم وان تفاوتت قدراتهم ومزاياهم ودائرة عملهم سعة وضيقا واجورهم او رواتبهم، فلا امتياز لفئة على أخرى.
/>-2 وان العمال ليسوا فريقا من المجتمع، بل هم جميع العاملين في المجتمع، فالتصور الاسلامي للمجتمع انه يتألف من تعاون العاملين فيه، ليس كما يتصوره اصحاب الانظمة الاخرى من شيوعيين ورأسماليين من انه ينقسم إلى عمال وارباب عمل، وان بين الفريقين صراعا طبقيا، اما العاجزون عن العمل فعلى العاملين الكاسبين ان يتحملوهم ويتكلفوا بأمرهم».
/> الحث على العمل
/>منذ ان هبط آدم عليه والسلام وبنوه إلى الارض وهم مكلفون بالكدح في ثراها، حتى يستطيعوا العيش، فان ابدانهم لا تتماسك بها حرارة الحياة، ولا تواتيها قدرة الحركة الا بوقود متجدد من الغذاء كلما نفد منه مقدار تبعه مقدار آخر، وهكذا دواليك دون انقطاع إلى ان ينتهي الاجل المكتوب.
/>(وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين)، وكل امرئ مطالب بتحصيل هذا الطعام عن طريق اي عمل يوافق مواهبه وملكاته، ان ينابيع الرزق كثرية بيد ان تفجيرها يحتاج إلى مشقة بدنية وعقلية لابد ان يتحملها الانسان وهو جلد.
/>وعندما ذرا الله الحياة الانسانية على ظهر هذه الارض هيأ شتى العناصر لخدمة الانسان، ثم أمر هذا الانسان ان يتزود بالخير الذي ينفعه من هذه المصادر المتاحة وفي ذلك يقول عز وجل:
/>(هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور)، (الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء)، (الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وانزل من السماء ماء فاخرجنا به ازواجا من نبات شتى. كلوا وارعوا انعامكم ان في ذلك لآيات لاولي النهى)، (ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش).
/>ومن جمال توزيع الجهد في تنظيم العمل في الاسلام ان الله تبارك وتعالى جعل للعبادة اوقاتا، اوجب السعي فيها لاداء العبادة الواجبة، فاذا اتم المسلم عبادته فان الله يناديه، ويأمره بان يمشي في جوانب الارض ويبتغي من فضل الله مطالب حياته فقال تعالى في سورة الجمعة: (يأيها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلك خير لكم ان كنتم تعلمون، فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)، ففي هذا النص الكريم يأمرنا الحق جلت قدرته بالسعي إلى اقامة الصلاة من يوم الجمعة وذكر الله فيها، وترك كل الاعمال الدنيوية في هذه الساعة، فاذا قضيت الصلاة فانه يأمرنا عز وجل بالانتشار في الارض لنبتغي من فضل الله مطالب حياتنا.
/>ومن الملاحظ ان الله تعالى امرنا بالمشي في مناكب الارض لاكتساب الرزق وبالسعي للصلاة من يوم الجمعة، وبدهي ان السرعة في العمل هي في السعي اكثر منها في المشي، ولعل الغرض من هذا انه ينبغي ان تكون العبادة بهمة نفسية ونشاط في العمل نظرا إلى انها محددة الوقت معلومة المقدار، مضمونة النتيجة عند الله، وينبغي ان يكون العمل لاكتساب الرزق مصحوبا باناة ورفق مع صبر وكدح وان السرعة لا تنفع فيه ولذلك جاء التعبير في جانبه بالمشي.
/>ووصف الارض بانها مهد اللانسان تارة، وبانه مستعمر فيها، اي من حكمة وجوده تعميرها، كل ذلك يشرح الصلة الوثقى بين الانسان وبين العمل في هذه الحياة.
/>(هو الذي جعل لكم الارض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور)، وقال سبحانه: (الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وانزل من السماء ماء فأخرجنا به ازواجا من نبات شتى، كلوا وارعوا انعامكم ان في ذلك لآيات لاولي النهى).
/>ففي هاتين الآيتين الكريمتين بين الله عز وجل امتنانه على عباده، بان جعل لهم الارض مذللة طائعة لهم، يحرثونها ويزرعونها ويستخرجون كنوزها، وينتفعون من طاقاتها وخصائص عناصرها ويستعمرونها كما يشاؤون، وبعد هذا الامتنان يأمرهم الله سبحانه وتعالى الناس بالمشي والسعي في مناكب الارض اي جوانبها ومرتفعاتها وطرقها وجوانبها باذلين كل جهدهم كادحين كادين حتى يستطيعوا الانتفاع من خيرات الارض وفي هذا الامر من الله عز وجل حث وحض للإنسان على العمل الشريف للكسب وللأكل من رزق الله سبحانه وتعالى، ولما كان لكسب الرزق بالعمل وجهان: وجه حلال ووجه حرام، اشارت الآية الكريمة إلى وجوب التقيد في كسب الرزق بما احل الله، وذلك عن طريق التذكير بيوم الحساب، اذ ختم الله الاية بقوله: (واليه النشور).
/>