لا أحب البعد عن القلم، لأن القلم في كثير من الأوقات أنيس صاحبه وصديق حميم في عالم قلَّ فيه الأصدقاء وضاعت فيه الجهود! ما يدور قريباً منا من أحداث إقليمية تدفعنا للحديث عنها، وفي الوقت ذاته كل ما يجري معنا من أمور يومية شخصية أو اجتماعية ما هي إلا صورة مصغرة للفوضى التي يعيشها عرب اليوم! إن المقصِّر تجاه نفسه البعيد عن معرفة مصلحته الشخصية لا يمكن عقلاً أن يكون قادراً على مدِّ يد العون للآخرين، لكن لو ظنَّ الإنسان أنه على صواب وكان في الحقيقة مخطئاً لقُلنا انه يحتاج إلى نصح وتوجيه، ولكن سيكون الأمر معقداً إن كان الإنسان مخطئاً وفي الوقت نفسه متعنتاً لا يقبل النصح! بل يظن أن ما تعيشه الدراما العربية اليوم أشبه بصورة طبق الأصل لما نمارسه نحن في ساعات اليوم والليلة؛ فكتّاب الدراما سواءً الخليجية أو العربية عامة إنما يصورون ما في المجتمع من همٍّ يومي في الأسرة والعمل والسياسة والشارع ومع الأصحاب، ويرسمون هذا التصور في لغة حوارية تكشف بصدق عن حال مجتمعاتنا، وأظن أن الصدق في التعبير عن حقيقة الصورة القائمة في المجتمع إنما هي خطوة ناجحة نحو نقد الذات، ويظهر ذلك في عموم نتاج الدراما الخليجية والسورية.
لا أريد أن أتحدث عن فترة الخمسينات أو الستينات بل أريد بوضوح أن ننظر إلى نتاجنا الثقافي والفني والتربوي اليوم، ونقارن بينه وبين نتاجنا في فترة ماضية عاصرها أكثرنا وربما كان لكثير منا أثر في تشكيل تلك الصورة؛ فلو نظرنا إلى أهم ما يمسنا وهو المنهج الدراسي لأبنائنا ومنه الكتاب المدرسي الذي كان يُعمل به في السبعينات والثمانينات، وأظن أن تلك الفترة فترة نهوض ووعي قومي عند عموم العرب، سنجد على سبيل المثال لا الحصر بعض الدروس والمحفوظات في مادة اللغة العربية التي كانت تُدرس في الصفوف الابتدائية لو أنها اقتُرحت لتكون اليوم في الكتاب المدرسي لاعترض مَنْ يعترض على وجودها بحجة أنها (حرام)! وكأنَّ الذين وضعوها في الكتاب المدرسي في تلك الفترة كانوا أقل وعياً منا! وليس هذا صحيحاً، ربما حُذفت تلك المواد اليوم لأنها تزرع الحمية وتحرك النخوة للدفاع عن الأوطان؛ مثل: نشيد (جنديٌّ على خط النار) والذي يقول في مطلعه:
يا موطن الأحرار
يا كعبة الثوّار
إني بخط النار
أحميك يا وطني
نعم الأمثلة كثيرة؛ تركنا هذه الكلمات ورُحنا نعلم أبناءنا بحجة تطوير المناهج درساً مثل (أنا آكل وأنا أشرب)! ودرساً عنوانه (الجمعية التعاونية)! ودرساً آخر عنوانه (جواز السفر)! وذهبنا في سفر بعيد عن الوطن، وبعيداً عن همّ الإنسان العربي في انتمائه لوطنه الكبير، أما إن عدنا إلى الدراما فحدث ولا حرج فإما أن تكون قصة العمل التلفزيوني قصة مميزة لكن العمل لا يرقي للإخراج الذي يُقبِلُ عليه العقل والقلب معاً! أو أحيانا يكون الإخراج متقدماً وربما يواكب الإخراج التلفزيوني العالمي لكن القصة أقرب إلى الضعف واستهلاك الوقت دون هدف!
أما عن الثقافة فقد صارت أقرب إلى الوظيفة الحكومية اليومية التي تموت مع نهاية الدوام ظهراً، والمبدعون أصحاب الأقلام والكتّاب المتميزون لا يجدون مكانا لهم إلا في بعض الدواوين أو في غرف خاص لهم في بيوتهم، وربما لا يجدون زاوية في الصحافة ليكتبوا من خلالها إلاّ (بطلوع الروح) وربما يكتبون (مجاناً)! فقط لتستمر حياتهم ويستنشقوا أُكسجين البقاء! رمضان كريم.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com
لا أريد أن أتحدث عن فترة الخمسينات أو الستينات بل أريد بوضوح أن ننظر إلى نتاجنا الثقافي والفني والتربوي اليوم، ونقارن بينه وبين نتاجنا في فترة ماضية عاصرها أكثرنا وربما كان لكثير منا أثر في تشكيل تلك الصورة؛ فلو نظرنا إلى أهم ما يمسنا وهو المنهج الدراسي لأبنائنا ومنه الكتاب المدرسي الذي كان يُعمل به في السبعينات والثمانينات، وأظن أن تلك الفترة فترة نهوض ووعي قومي عند عموم العرب، سنجد على سبيل المثال لا الحصر بعض الدروس والمحفوظات في مادة اللغة العربية التي كانت تُدرس في الصفوف الابتدائية لو أنها اقتُرحت لتكون اليوم في الكتاب المدرسي لاعترض مَنْ يعترض على وجودها بحجة أنها (حرام)! وكأنَّ الذين وضعوها في الكتاب المدرسي في تلك الفترة كانوا أقل وعياً منا! وليس هذا صحيحاً، ربما حُذفت تلك المواد اليوم لأنها تزرع الحمية وتحرك النخوة للدفاع عن الأوطان؛ مثل: نشيد (جنديٌّ على خط النار) والذي يقول في مطلعه:
يا موطن الأحرار
يا كعبة الثوّار
إني بخط النار
أحميك يا وطني
نعم الأمثلة كثيرة؛ تركنا هذه الكلمات ورُحنا نعلم أبناءنا بحجة تطوير المناهج درساً مثل (أنا آكل وأنا أشرب)! ودرساً عنوانه (الجمعية التعاونية)! ودرساً آخر عنوانه (جواز السفر)! وذهبنا في سفر بعيد عن الوطن، وبعيداً عن همّ الإنسان العربي في انتمائه لوطنه الكبير، أما إن عدنا إلى الدراما فحدث ولا حرج فإما أن تكون قصة العمل التلفزيوني قصة مميزة لكن العمل لا يرقي للإخراج الذي يُقبِلُ عليه العقل والقلب معاً! أو أحيانا يكون الإخراج متقدماً وربما يواكب الإخراج التلفزيوني العالمي لكن القصة أقرب إلى الضعف واستهلاك الوقت دون هدف!
أما عن الثقافة فقد صارت أقرب إلى الوظيفة الحكومية اليومية التي تموت مع نهاية الدوام ظهراً، والمبدعون أصحاب الأقلام والكتّاب المتميزون لا يجدون مكانا لهم إلا في بعض الدواوين أو في غرف خاص لهم في بيوتهم، وربما لا يجدون زاوية في الصحافة ليكتبوا من خلالها إلاّ (بطلوع الروح) وربما يكتبون (مجاناً)! فقط لتستمر حياتهم ويستنشقوا أُكسجين البقاء! رمضان كريم.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com