|بيروت - من ريتا فرج|
/>
/>منذ 1920 عرف تاريخ لبنان الحديث موجة من الاغتيالات السياسية لبعض ساسته وزعمائه، والعام المشار إليه شهد صراعاً على الزعامة الإقطاعية المارونية الشمالية، حين مثلّها واحد من آل جعجع إبان الانتداب الفرنسي، وجرى قتله لاحقاً بيد واحدٍ من آل فرنجية. انها أحداث أدمت لبنان وقاطنيه بدءاً من عشية إعلان دولة لبنان الكبير، مروراً بفاجعة مقتل رياض الصلح أول رئيس للوزراء، وصولاً إلى الحرب الأهلية العام 1975 وما تلاها. ولعل تجربة كمال جنبلاط والإمام موسى الصدر ورفيق الحريري تبرهن حقيقة مفادها «ممنوع عليكم أن تتجاوزوا المرمى المحدد لكم، وإلاَّ ستدفعون الثمن». وانطلاقاً من العروبة والعيش المشترك والوسطية التي جمعت بين هؤلاء، يمكن فهم أسباب اغتيالهم أو تغييبهم فيما يتعدى بعض التحفظات عن أفكارهم وهواجسهم. فكمال جنبلاط داعية الاشتراكية واليسار وحامل شعار «هؤلاء الذين ليس على أجسادهم قميص سيحررون العالم»، لا يختلف عن صديقه الإمام الصدر المؤسس لحركة المحرومين بنكهة حسينية، ولا عن رفيق الحريري صديقهما البعيد الذي عمل بما أمره الإسلام {وأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدِّث}. ورغم الاختلافات النسبية بين الثلاثة، يبقى الثابت بينهم أقوى من التناقض، فالمنهج الوسطي والحوار المأمول بين المسيحيين والمسلمين والدعوة إلى تطوير الدولة شكلت أهدافاً لهم. حين شعر جنبلاط بأن رحيله عن الحياة سيكون في 16 مارس 1977 لم يدرك أن الإمام الصدر سيرافقه بعد حين في رحلته الأخيرة العام 1978 وكذلك فعل الحريري بعد أقل من ثلاثين عام، حين خاطب اللبنانيين بعبارته الشهيرة «أستودعكم هذا الوطن الحبيب وشعبه الطيب». الظروف الإقليمية التي أحاطت بكل منهم عجلّت في الانكسار الذي أصاب أجندتهم السياسية والاقتصادية، والتقاطع التاريخي بينهم يشي بأن اغتيالهم أو تغييبهم هدف في الدرجة الأولى إلى قتل الأهداف التي طمحوا اليها، كونها تعدت الخطوط الحمراء المحددة مسبقاً. فما الرمزية السياسية لاغتيال جنبلاط والحريري، وما معنى تغييب الإمام الصدر في تلك المرحلة؟ هذه الأسئلة طرحتها «الراي» على بعض من عايشوا جنبلاط، الصدر، الحريري، وهم الدكتور خليل أحمد خليل مؤلف كتاب «كمال جنبلاط ثورة الأمير الحديث»، السيد هاني فحص، الدكتور فواز طرابلسي والدكتور ملحم شاوول.
/>المغامر العقلاني
/>في قراءته لرمزية اغتيال كمال جنبلاط ومدلولها السياسي يرى خليل أحمد خليل أن: «اغتياله شكل ترميزاً لاغتيال العقل العربي المعاصر وتحديداً عقل رجل الدولة، إذ أن كمال جنبلاط ينتمي الى حداثة أوروبا ونهضة الشرق ما بين الحربين الأولى والثانية. وتذهب ليلى بركات في كتابها «الوزير والوزارة» إلى تصنيف جنبلاط واحداً من ثلاثة رجال دولة عرفهم لبنان من بينهم ريمون إده ورينه معوض. والمقصود برجل الدولة هو السياسي الذي يُعمل عقله في الإدارة، ويطبق القوانين على الجميع من دون استثناء، ويعامل الناس كمواطنين وليس كجماعات فئوية. الى ذلك، يُعد كمال جنبلاط من أبرز المحاولين العرب لإدخال العقل إلى السياسة، لا سيما فلسفة هيغل الجدلية، لكن ما حدث معه شبيه بمن يُدخل فيلاً (أي العقل) في غرفة زجاجية، فيرى الفيل الأشياء كما هي، ويكتشف أنه سجين في عالمه فينتفض ويكسر الغرفة الزجاجية. من هنا، جاء الخوف من كمال جنبلاط وجاء القلق على جنبلاط، الذاهب بمغامرته العقلانية إلى النهاية، وظن أنه سينجح في تحويل لبنان يونان آسيوية، بمعنى أن السياسة تحتكم إلى الفلسفة وعقل الفلسفة وعقل المعرفة، خصوصاً أنه شدد على ترابط الحكمة القديمة والعلم الحديث، واكتشف مع آخرين أن الفكر الديني والفكر العلمي يتقاطعان في نقاط كثيرة منها الأخلاق والوضوح واليقين وتهذيب الإنسان، أو بالأحرى الدفاع عن الإنسان بإنسانية. أما التزامه العقل فمعناه التزامه الإنسان أينما كان، وكيفما كان، فهو ملتزم الإنسان اللبناني بقدر التزامه الإنسان الفلسطيني. ولا ننسى أن كمال جنبلاط أسس حزبه العام 1949 أي بعد عام واحد من نكبة 1948 وقال إن الردّ على الحدث الاسرائيلي لا يكون إلاّ بأحزاب شعبية ومقاومة، وطبعاً من يلتزم الإنسان اللبناني والفلسطيني يلتزم العروبة والعقلانية والإنسانية بكل أشكالها. إن كمال جنبلاط شهيد العروبة الحاصلة أو الناقصة. وكتاباه «ثورة في
/>عالم الإنسان» و«أدب الحياة» سيكونان من المراجع المؤسسة
/>لعقلانية عربية جديدة على الصعيد السياسي. وأزمة لبنان الراهنة تجري في غياب هذا النمط من الزعماء الاجتماعيين، الذين يضعون الدولة في خدمة المجتمع لا العكس، والحزب في خدمة المجتمع لا العكس، ويضحون بأنفسهم في سبيل الجماعة ولا يضحون بالجماعة».
/>فلسفي أكثر من الديني
/>وإذا كان كمال جنبلاط شهيد العروبة فالإمام موسى الصدر شهيد ما يسميه خليل الثورة الشيعية المقاومة: «فقبل أن يغدو إماماً أي قائداً للجماعة شكل موسى الصدر فاصلة سياسية في حياة لبنان، وفي ظله تحول الشيعة بين العامين 1959 و1975 طائفة سياسية. ونشير هنا الى أهمية السيد موسى الصدر الذي درس في النجف دراسة حوزوية، ودرس الفلسفة الحديثة في جامعة طهران، وكان معجباً جداً بفلسفة هنري كوربان، لاسيما كتابه «تاريخ الفلسفة الإسلامية» الذي أشرف الصدر على ترجمته والتقديم له. وعندما جاء إلى لبنان في محاولة لخلافة السيد عبد الحسين شرف الدين الشيعي الاصلاحي الكبير، فَهِم طبيعة التركيبة اللبنانية، وارتأى أنها تحتاج إلى معاينة مختلفة عمّا جربه في العراق، يوم كان طالباً في النجف أيام محمد باقر الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسين فضل الله أي حزب الدعوة، ثم في طهران أيام الشاه وقبل 20 عاماً من قيام الثورة الخمينية. أما سر نجاحه فهو فلسفي أكثر مما هو ديني، لأنه اكتشف بذكائه الفذّ ما كان كمال جنبلاط قد سبقه إليه، وهو افتقار الشيعة إلى زعامة اجتماعية. والملاحظ أن كمال جنبلاط سعى إلى ملء الفراغات السياسية في المناطق الشيعية، حتى كان ثلث المنتسبين إلى حزبه التقدمي من الشيعة. وجنبلاط لم يصطدم إلاّ نادراً بالسيد موسى الصدر، ولكنه اصطدم بمشروعه الرامي إلى إخراج الطائفة الشيعية من الإسلام اللبناني. الحاصل أن السيد موسى الصدر حين استوى إماماً، بالمعنى الاجتماعي، أي قائداً للجماعة، سعى إلى سدّ الفراغ السياسي في المدن، لاسيما صور والضاحية الجنوبية وبعلبك، ثم انتقل إلى الأرياف الشيعية حيث بدأ صدامه مع زعامات المناطق لا سيما كامل الأسعد. المفيد أنه أسس حركة اجتماعية شبيهة بالحركة الاجتماعية للمطران غريغوار حداد الذي صادفه وصادقه كما صادق حداد جنبلاط وسواه. والحق أن مشروع الصدر
/>يقوم على ركيزتين: الإصلاحية الشيعية من السيد محسن الأمين حتى السيد عبد الحسين شرف الدين، والعقلية الثورية الشيعية، أي عقلية الممانعة والمقاومة، ما يجعلنا نصفه إصلاحياً ثورياً أو ثوروياً. وقد تحالف لاحقاً مع سورية والفلسطينيين وظل في منأى عن اليسار بزعامة جنبلاط إلى أن تلاقيا وتفاهما على دعم الثورة الخفية الآتية من الشرق وتحديداً من إيران، وربما كان لهذا العمل تأثير في اغتيال الرجلين بفارق عام واحد. بالطبع، الإصلاحية استمرت كمشروع عبر حركة «أمل»، وأيضاً كمقاومة انطلاقاً من العام 1978 حين شكل تغييب الإمام بالطريقة المعروفة فرصة تاريخية لانتقال عدد من الكوادر من تحت العباءة المفقودة الى
/>عباءة الخميني، التي أخذت تظهر وتغطي إيران، فكان مولد «حزب الله» من رحم الثورة. حتى «حزب الله» الثوري المقاوم هو حزب إصلاحي ولكن قادته يفتقرون إلى نباهة الصدر وذكائه الاجتماعي وتسامحه الأخلاقي ومراعاته للطوائف الأخرى. إن فوضى الطوائف مقرونة بالصراع الدولي على الشرق الأوسط ثم الصراع الإقليمي العربي/الإيراني والتركي/ الإسرائيلي، أفضى إلى هذه الحال العجيبة في لبنان حين لوحظ على مقياس السيد محمد حسين فضل الله، أن درجة التبعية في السياسة اللبنانية تجاوزت
/>ثمانين في المئة وهذا ما يفسر لنا وجهاً من اوجه الأزمة اللبنانية الراهنة».
/>الحريري قتلته القدرة والاستقلالية
/>ويشير خليل إلى أن التعملق السياسي لكل من الصدر وجنبلاط والحريري هو الذي رسم مصيرهم المشترك: «وحتى الآن لم تدرس ظاهرة الشهيد رفيق الحريري، بالمقارنة مع اغتيال سابقيه الصدر وجنبلاط. الواقع أن الاغتيال السياسي قديم في لبنان منذ العام 1920 فمن اغتيال فؤاد بك جنبلاط في الشوف العام 1921 إلى اغتيال النائب جعجع أحد أجداد الدكتور سمير جعجع، مروراً باغتيال أول رئيس حكومة لبناني رياض الصلح، ثم اغتيال رشيد كرامي ثاني رئيس حكومة العام 1987 وهو في طريقه إلى طرابلس، وصولاً الى اغتيال رفيق الحريري في بيروت التي اتخذها عاصمة بعد صيدا، عاصمة لاعماره ثم زعامته. والجامع بين الثلاثة المغتالين جنبلاط والصدر والحريري أنهم بقدر ما تعملقوا وتجاوزت طموحاتهم وأحلامهم ورؤاهم السياسية تخوم لبنان الضيقة كان لهم هذا المصير المشترك. والعبرة أن الاغتيال السياسي في لبنان ليس حصراً بجهة ولا وقفاً على طائفة، فهل ننسى اغتيال الرئيس المنتخب رينه معوض العام 1989 بعد انتهاء الاحتفال بعيد الاستقلال. رفيق الحريري قتله اثنان: قدرته الفائقة، ورغبته الاستقلالية، وكذلك الحال بالنسبة إلى معوض الذي لم يكن خاتمة أحزان لبنان والذي حاول أن يقول لعبد الحليم خدام «إن حكومة لبنان تشكل في إهدن وليس في دمشق أو في أي مكان آخر». كل هذه الاغتيالات تؤكد أن استقلال لبنان ما زال على المحك وأن خلاص شعب لبنان ما برح في الأفق».
/>الإصلاحي الوسطي
/>من جهته يعزو السيد هاني فحص، خلال سرده لسيرة الإمام الصدر، تغييبه إلى عوامل محلية وإقليمية مختلفة، ويُعيد وسطيته: «إلى ميله المبكر للإصلاح نتيجة معايشته عملية التعليم ونشر المعرفة في حوزة قم، وإطلاعه على الثقافة الحديثة عبر انتسابه إلى جامعة طهران، ومعاصرته مجموعة من علماء قم المميزين. وعندما وصل إلى لبنان اتخذ موقعاً على مسافة موضوعية من تفاصيل الوضع اللبناني وتاريخه، ما أتاح له أن يرى أموراً لم يكن كثير من الشيعة واللبنانيين يرونها، رأى تعدداً لبنانياً يرقى إلى مستوى الضرورة الثقافية والحضارية، وإلى مستوى المثال فقرر أن يشتغل عليه، متأثراً بما انتجه التركيب اللبناني التعددي إسلامياً ومسيحياً في ثقافة بيّنية ومتبادلة، جعلت خصوصية المسيحي تبرز في تكوين المسلم وكذلك العكس. أصبح السيد موسى الصدر في لبنان أكثر اقتناعاً بخياره الإصلاحي، وأسلوبه الوسطي الذي يجمع بين الثنائيات من دون طغيان لأحد من أطرافها على الآخر، طبعاً مع الاقتناع بأنه لابد من رفع نسبة التماثل بين طرفي الثنائية حتى يمكن الجمع بينهما. كان من الطبيعي أن يشتغل على الشيعة كمكوِّن دخل في الكيان اللبناني منذ تأسيسه، متجاوزاً الشعور التاريخي للتهميش، متوقعاً أن يكافأ بإندماجه في هذا الكيان وشراكته الناشطة في بناء الدولة والوطن. لم يحصل ذلك في طريقة ترضي طموح المعتدلين الشيعة، ولا الأجيال التي حاولت تجاوز فقرها وتهميشها بالتحصيل العلمي لتؤهل نفسها للشراكة، فانقسم الشيعة إلى تيارين: الزعماء التقليديون الشركاء في الدولة، وفي مقابلهم الأجيال الفتية التي شعرت بالاحباط، ما جعلها تغري الأحزاب والتيارات اليسارية باستقطابها. هنا تبلور نهج الإمام الوسطي، ومن أجل تجاوز هذه العقدة بالتعاون بينه وبين القوى الأخرى السياسية التقليدية، اتجه إلى تشكيل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بعد تأسيسه عدداً من الجمعيات الخيرية والتربوية، وشرع في إعداد أبناء الفقراء في الجنوب للدخول في سوق العمل من خلال التعليم المهني، معتبراَ أن ذلك يُسقط حجة المعترضين من كل الأطراف على مطلبه الوطني بإنصاف الشيعة مع غيرهم من المحرومين. وكان طبيعياً أن يلقى معارضة شديدة، وأن يلتقي اليسار واليمين والعلماني والديني التقليدي ضده في هذا المسعى، ولكنه تحلى بالصبر وأصر، إلى أن تحول المجلس الشيعي المنفتح على الدولة والمكونات الاجتماعية كلها وعلى أفق عربي متنوع مؤسسة وطنية فاعلة، مكَّنت الإمام من طرح مطالبه في صيغة وطنية جامعة. كان يريد أن يعزز من موقع وطني وضع الشيعة داخل الدولة سلماً، وكان يُراد منه ومن غيره من القادة الروحيين والتيارات السياسية المعتدلة، أن يتوقفوا عن مساعيهم لإيقاف الحرب، ثم أُريد له لاحقاً أن يحول الشيعة إلى المواجهة مع الفلسطينيين، بذريعة الأخطاء الكثيرة التي ارتكبوها
/>من أجل إخراجهم من الجنوب بقرار دولي، فوجد في ذلك
/>تعرية للشيعة من تراثهم الكبير في التأثير والتضحية من أجل فلسطين، لذلك تمّ تغييبه أو إخفاؤه، في اللحظة التي أدرك فيها المعنيون أن الثورة الإيرانية منتصرة، وأنه مؤهل لأن يكون قناة بين الثورة المُستجدة والعرب جميعاً، بعدما بكر في اختراق الحواجز الموروثة، وتواصل مع حكام عرب مختلفين من الكويت إلى الرياض إلى البحرين إلى الأردن والمغرب ومصر، انتهاء بليبيا التي تولت تنفيذ المشروع بتغييبه لتجاوز حجمه ودوره العربي واللبناني والإيراني».
/>
/>اغتيلوا ليبقى التقاتل
/>ويُقيم فحص مقارنة بين جنبلاط والصدر والحريري ويقول: «يلتقي موسى الصدر مع كمال جنبلاط ومع رفيق الحريري في أنهم أصحاب مشروعات تمر بطوائفهم، لكنها تتجاوزها إلى الأفق الوطني، وقد أتوا جميعهم إلى هذا المشروع من خيارهم الوسطي، وميلهم الدائم الى التسوية من أجل المشروع، وقد تمّ اغتيالهم واخفاؤهم، ليبقى استقطاب التقاتل والتقابل والتطرف والإلغاء المتبادل هو السائد. كل من هؤلاء الثلاثة رسخ موقعه في طائفته من أجل أن يقودها نحو الوطن والدولة بدءاً بضرورة التغيير الداخلي بالتنظيمي والتعليمي والعمران، وقد اكتشفوا جميعاً الشروط العربية لنجاح المشروع، ومنها الاستقلال عن الأطراف المتنازعين مع عدم القطيعة معها. كما اكتشفوا الشروط الدولية، فكانوا جميعاً جوابي آفاق، يحملون لبنان إلى العالم، ويحملون إليه العالم، ما يعززه ويساعده في أن يكون رسالة حضارية إلى أوطان التعدد، وإلى التشبث بوحدة المتعدد وبالتعدد كمصدر حيوية، وبضرورة تحويل المعرفة عملاً وتحويل العمل معرفة وثروة، وإقامة العيش المشترك. وكانوا في كل محطة من محطات الصراع يصرون على السلم الأهلي، ويقدمون التنازلات من أجله من دون تردد. والظاهر أنه كان وما زال يراد للبنان ألا يكون كما أرادوه، فتم تغييبهم ليغيب معهم المشروع. غير أن تجربتنا معهم تختلف عن تجربتنا مع
/>محمد علي باشا، الذي قتل المشروع النهضوي المصري ذا الأفق العربي بأخطائه العسكرية وبفعل الآخرين. أما مشروع لبنان
/>الذي يقوم على التسوية التاريخية من خلال كتلة تاريخية
/>متنوعة ومتكاملة، والذي حمله هؤلاء الرجال لم يغب بغيابهم، بل تأكدت الحاجة إليه، لأنه خيار العقلاء في لبنان، الذين سيعودون إليه بعد خسائر كثيرة كان يمكن لهؤلاء الرجال أن يجنبونا إياها، بمهارة من اعتبر أن التسوية هي الحق والحقيقة كما قال كمال جنبلاط».
/>العامل الإقليمي أولاً
/>من جهته، يغلَّب فواز طرابلسي العامل الإقليمي العربي في اغتيال كمال جنبلاط مع تأكيده أهمية العوامل الداخلية المساهمة في ذلك قائلاً: «أولاً لست من أنصار التاريخ السياسي انطلاقاً من دور الأفراد. في أحسن الأحوال تتضافر ظروف متعددة اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وقوى مختلفة لانتاج قائد ما، وأعتقد أن هذا الأمر لا يُفقد القادة أهميتهم، إنما يساهم في تغيير أدوارهم وأفكارهم. وإذا بدأنا بالاقدم أي كمال جنبلاط الغني بأفكاره الحزبية والسياسية، فقد مر بمراحل عديدة بدءاً بوراثته أبٍاً كان قريباً من الانتداب، ثم انحيازه إلى صف الاستقلاليين، إلى دوره المعارض لحكم بشارة الخوري، وتأثيره في الانقلاب السلمي الذي أطاح به العام 1952 إلى المرحلة المعقدة في علاقته بحليفه كميل شمعون الذي رفض توزيره بناءً على ضغط مارسه مندوبو شركتي تابلين وارامكو، الذين طالبوا شمعون بعدم توزيره لأنه قد يساهم في تأميم النفط، وهو العام الذي أسقط فيه الأميركيون محمد المصدق الذي فاز بالانتخابات في إيران وأمّم النفط، وأطيح به بانقلاب نعرفه، تحدث عنه بوضوح أروكان الضابط المعني بهذه المهمة والد العسكري الاميركي الذي قاد حرب الخليج الأولى. كمال جنبلاط اصطدم بالنظام الطائفي اللبناني، وكان قد انحاز إلى الناصرية والعروبة، وتحالف مع المقاومة الفلسطينية، وطبعاً كان أحد رجالات الثورة المسلحة ضد حكم كميل شمعون. أُغتيل جنبلاط في ظروف فشل محاولة تغيير النظام اللبناني، الذي قاده في اتجاه ما كان يسميه مجتمعا ديموقراطياً علمانياً، فكسر عدداً من المحرمات، أولها يتعلق بمحاولته الجادة لتغيير بنية النظام، وثانيها سعيه إلى إفشال الجهود الرامية إلى تصفية «منظمة التحرير الفلسطينية» بوسائل محلية، وثالثها مقاومته للتدخل السوري في لبنان، وفي هذا الإطار جرى اغتياله. لقد تخطى جنبلاط ذهنية المجتمع الطائفي، وبهذا المعنى هو ليس داعية عيش مشترك وليس وسطياً، وعليه فهو يختلف عن الصدر والحريري لأنه جازف في مسّ المحرم الأكبر أي ثبات النظام السياسي اللبناني، وركز على جدول أعمال قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، عدا عن اصطدامه برغبة أميركية- إسرائيلية في إزاحة «منظمة التحرير» والتي شاءت الظروف الإقليمية أن تتقاطع مع اتفاق «كامب ديفيد»، وفي رأيي أن الوجه الإقليمي العربي هو الذي استدعى هذا العداء عليه، وأعطى الضوء الأخضر لاغتياله.»
/>ويلّمح طرابلسي إلى أسباب داخلية وخارجية عدة أدت إلى إختفاء الصدر: «فدوره يرتبط بحضور متزايد للجماعة الشيعية في الحياة السياسية اللبنانية، وفي محاولة نقل الشيعة من فئات اجتماعية إلى وضعهم كطائفة. هذه المحاولات تزامنت مع نفوذ آل الأسعد في الجنوب والمد الشعبي الناصري والشيوعي الذي يحظى بنفوذ واسع، وبالتالي كان أكثرية الشيعة يعرّفون أنفسهم بأنهم ناصريون أو أسعديون. بعد دخول العمل الفدائي الفلسطيني، والاعتداءات المتكررة على لبنان التي أضاءت على منطقة الجنوب المهملة، تغير الكثير من المعادلات السياسية التي ساهمت في تحول كبير لدى شيعة لبنان. استطاع موسى الصدر تنظيم طائفته تحت شعار «أين حصتها من النظام»، ولم يتسن له الوقت طويلاً ليمارس هذا الدور بسبب الحرب الأهلية، فسلك خلالها سلوكاً مغايراً لسلوك الحركة الوطنية، وأعلن إضرابه الشهير عن الطعام اعتراضاً على الحرب، داعياً إلى وقف القتال، ثم اكتشف أنه ينظم ويدرب ويسلح جزءاً من أنصاره أي أفواج المقاومة اللبنانية «أمل» من قبل منظمة «فتح». وحيال استمرار الاقتتال الأهلي تراجع عن العمل السياسي المباشر، وبقي لديه ثلاثة مواقف: الأول، مهادنة «حزب الكتائب» لقاء وعد بعدم طرد سكان الضاحية الشرقية، لكن الحزب لم يفِ بالوعد وتم إجلاء 3 ملايين شيعي من ضاحية بيروت الشرقية إلى قسمها الجنوبي؛ الثاني، الانضمام إلى الرؤية السورية عن الحرب، الثالث، الترويج للثورة الإيرانية في لبنان. وهنا فإن إحدى الروايات الأكثر واقعية المتعلقة بتغييبه تشير إلى نزاعات داخل القيادة الإيرانية، بحيث كان الإمام موسى الصدر والخميني من المرشحين لخلافة الشاه، وقد تداول الأميركيون في تلك الحقبة سيناريوات عديدة، إما الحفاظ على نظام الشاه، وإما التخلص منه. إن تغييبه له علاقة بخلافات داخل الثورة الإيرانية، فالإمام الخميني كان ينازعه عدد من آيات الله العظمى وكان موسى الصدر أقرب إلى إحداها.»
/>ويلفت إلى أن انفكاك الشراكة السعودية - السورية أدى من بين أسباب أخرى إلى اغتيال الحريري قائلاً: «لا أجازف في التكهن عن كيفية اغتيال الحريري، فالتحقيق الجرمي هو وحده من يكشف ظروف الجريمة، هذا بالنسبة إلى الواقع الجرمي. سياسياً، مسيرة الرجل تكاد أن تكون معاكسة للصدر وجنبلاط، فهو أطل على لبنان من باب المقاول والمتعهد، وانتهى زعيماً يجدد الزعامة السنية. وفي المعنى الإقليمي جاء الحريري في إطار «اتفاق الطائف» مستقوياً بثروته وبالدعم السعودي، وانعقد عند اتفاق سعودي- سوري على الشراكة في حكم لبنان، وفي رأيي أن ظروف اغتياله قريبة الشبه إلى انفكاك هذه الشراكة تحت وطأة الاحتلال الأميركي للعراق، والشعور لدى النظام في دمشق بخطر تأثير الاحتلال عليه، فكان الانتقال إلى حكم أمني مباشر في لبنان مثله رستم غزالة. في السياسة الاقتصادية تصرف الحريري على أساس عاملين: الأول أن المنطقة العربية مقبلة على سلام عربي ـ إسرائيلي سوف تزيد خلاله الحاجة إلى لبنان كساحة اقتصادية تنافس إسرائيل بعد السلام، أو كممر للتوظيف الإسرائيلي إذا تم التطبيع، والثاني أن عملية السلام ستؤدي إلى تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وعلى لبنان أن يستوعب جزءاً منها عبر إقامة مركز تجاري يكون بديلاً من مراكز الخليج».
/>خطر «اللبننة»
/>ويرى ملحم شاوول أن: «الإمام موسى الصدر لم يتخط حدود لبنان، هو عملاق لبناني، أعطى لنفسه ثلاث مهمات: الأولى تنظيم الطائفة الشيعية خارج القطاع السياسي، الثانية، إضفاء الشرعية على طائفته لادخالها النظام اللبناني، الثالثة، تجديد الاصلاح الديني. لقد كانت مهمته الأساسية تنظيم وضعية الشيعة عبر التحديث من خلال المشاريع الانمائية والاقتصادية، ولم يتضح أن لديه جمهوراً قوياً خارج لبنان. أما تحالفه مع منظمة «فتح» عسكرياً وسياسياً، فقد أدخله في الدائرة المحظورة بعدما لبنن المقاومة ضد إسرائيل، خصوصاً أن الوضع الإقليمي في تلك المرحلة كان يعمل على إخراج الفلسطينيين من لبنان، وهنا يرى بعض الأطراف أن تغييبه جاء نتيجة لهذا التحالف الذي انفك لاحقاً».
/>ويرجح شاوول سطوة العامل الداخلي في اغتيال جنبلاط والحريري معتبراً أن لبننة مشروعهما هو الذي رسم لهما هذا المصير المشترك. ويقول: «بعدما أخذ الرئيس السوري حافظ الأسد الوكالة الأميركية في إدارة لبنان عملاً بمبدأ كيسنجر المتبلور بعد خسارة فيتنام، والذي أعقبه مؤتمر الرياض وما نتج منه من تشكيل لقوات الردع العربية التي دخلت لبنان خلال الحرب الأهلية، رفض كمال جنبلاط فكرة تسليم بلاده إلى دمشق، وهذا السياق التاريخي الموجز هو الذي أدى إلى المصير الذي انتهى إليه. وفي رأيي أن تغليب السياق الإقليمي لا يفسر في شكل كامل أسباب اغتياله، بقدر تبني جنبلاط لشعار اللبننة وتغليبه على المصالح الخارجية. وهو لم يتعد حدوده إلا في مسألة المفاهيم اليسارية التي دعا إليها، عبر انخراطه مع المنظمة الأممية الاشتراكية العالمية. والسوفيات خلال الحرب الباردة أرادوا تعظيم دور جنبلاط بغية تأمين موطئ قدم لهم في لبنان. يبقى أن العوامل الإقليمية أدت إلى إفشال مشروعه لكن السياق المحلي كان له حضوره أيضاً ولعله هو الأقوى إذا تمت مقاربته من مفهوم اللبننة. أما رفيق الحريري العائد من الخارج فلم يكن لديه في البداية مشروع سياسي واضح، وقد عمل حينها على تنفيذ أهداف اقتصادية معينة، وبعدما دخل الحياة السياسية اللبنانية وبنى زعامته في الطائفة السنية، صادق النظام السوري حتى وفاة حافظ الأسد، وعندما تسلم بشار الحكم رفض الحريري إعادة بلاده إلى ساحة الصراعات الإقليمية، وبالتالي فإن استشهاده لا يعود إلى تخطيه حدود لبنان بقدر تمسكه بخيار اللبننة خصوصاً بعد صدور القرار 1559».
/>