المسألة ليست مسألة ضجيج سياسي أو إعلامي لن يلبث أن يخفت بعد أيام قليلة. كل ما في الأمر أن خروج المواطن الليبي عبدالباسط المقرحي من سجنه الأسكتلندي يطوي صفحة في مأساة طويلة اسمها كارثة لوكربي. قد تكون الصفحة التي طويت الأخيرة من الزاوية الليبية، ذلك أن قضية لوكربي ككل لم تنته فصولها بعد، وأن الحقيقة، التي أراد الأميركيون اختزالها بالمقرحي وليبيا، يمكن أن تظهر يوماً، بل لابدّ من أن تظهر يوماً. سيتبين أن ثمة حقيقة أخرى. وسيأتي يوم يكتشف فيه العالم من يقف حقيقة وراء العمل الإرهابي الذي استهدف طائرة ركاب أميركية تابعة لشركة «بانام» بعيد إقلاعها من لندن، بعد توقفها في فرانكفورت، في ديسمبر من العام 1988 قبل أيام قليلة من حلول عيدي الميلاد ورأس السنة لدى المسيحيين... أي حين يكون العالم الغربي، أوروبا والولايات المتحدة خصوصاً، في إجازة طويلة.
لم تستمر الإجازة التي شاء الإرهابيون الاستفادة منها طويلاً، إذ انصب التحقيق على محاولة معرفة من يقف وراء الجريمة التي أودت بمئتين وسبعين شخصاً كانوا في الطائرة أو كانوا على الأرض في بلدة لوكربي نفسها حيث انتهت رحلة «بانام» تلك. لكن المؤسف أن التحقيق أخذ منحى سياسياً. كان مطلوباً في تلك المرحلة معاقبة ليبيا لا أكثر. وقد وفّرت العملية الإرهابية فرصة لا تعوض للإدارة الأميركية كي تفرض حجراً على نظام العقيد معمر القذافي والبلد ككل. ما زلت أذكر ما قاله لي مسؤول أميركي كبير التقيته في واشنطن منتصف التسعينات من القرن الماضي. سألت هذا المسؤول الذي عاد إلى الواجهة هذه الأيام : من يقف وراء لوكربي وهل ليبيا وحدها مسؤولة؟ كان جوابه: كل ما يهمنا وضع نظام العقيد القذافي في قفص. وقد نجحنا في ذلك؟
على الرغم من الاعتراض الأميركي على إطلاق المقرحي وعلى طريقة استقباله في طرابلس، وهو اعتراض شكلي، حتى لو أنه صدر عن الرئيس أوباما نفسه، بات في الإمكان القول ان الجماهيرية الليبية تصالحت نهائياً مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها وذلك قبل أيام قليلة من احتفال العقيد القذافي بالذكرى الأربعين لتوليه السلطة. اعترضت أميركا ومعها بريطانيا على الاستقبال، لكن النظام الليبي سجل نقطة أساسية لمصلحته بإخراجه المقرحي من السجن قبل نحو عشرة أيام من الذكرى الأربعين للفاتح من سبتمبر من العام 1969. من كان يتصور أن القذافي سيحتفل بهذه الذكرى في الأول من سبتمبر من العام 2009؟
كان إطلاق المقرحي قرارا جريئاً اتخذته الحكومة المحلية في اسكتلندا بمباركة ضمنية من الحكومة البريطانية. لكن السؤال الآن متى تتصالح ليبيا مع نفسها؟ احتاجت الجماهيرية إلى أعوام طويلة كي تدرك أن عليها الاهتمام بنفسها وبمحيطها المباشر، وأنها ليست قوة عظمى تستطيع أن تتدخل في أماكن مختلفة من العالم، من الفيليبين إلى ايرلندا الشمالية، حيث دعمت الجيش الجمهوري الايرلندي، مروراً بحركات تحرر أفريقية بينها الحركة التي كان يقودها نلسون مانديلا من أجل الحرية والعدالة والمساواة والقضاء على نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. دعمت ليبيا طوال أعوام حركات تحرر، باعتراف مانديلا نفسه الذي حفظ لها الجميل، لكنها دعمت أيضاً حركات إرهابية. كانت للعقيد القذافي في أحيان كثيرة مواقف متقدمة عربياً. من بين هذه المواقف دعمه للأكراد عموماً ورفض الظلم اللاحق بهم، خصوصاً في العراق أيام صدّام حسين. كذلك، لم تنطل عليه يوماً الأكاذيب التي تستخدمها الحركات الإسلامية المتطرفة لتبرير إرهابها. فقد تصدى باكراً للتطرف الديني وأدرك خطورة تنظيم «الإخوان المسلمين» الذي خرجت من رحمه كل الحركات المتطرفة. لكنه ارتكب أخطاء كبيرة في غير مكان. في لبنان وفلسطين خصوصاً. إلى أن اكتشف مع انتهاء الحرب الباردة وتشديد الحصار المفروض على الجماهيرية أن ليس في استطاعته الاستمرار إلى ما لا نهاية في لعب أدوار تفوق حجم ليبيا.
نضجت التجربة الليبية عندما بدأت الجماهيرية التعاطي مع العالم من منطلق فهم موازين القوى الإقليمية والدولية. لذلك صار سهلاً على ليبيا في مرحلة معينة الابتعاد عن الأوهام واتخاذ القرار القاضي بالتخلي عن أي مشاريع تستهدف الحصول على أسلحة الدمار الشامل والتعاطي مع الغرب والولايات المتحدة تحديدا بكل شفافية.
ليس سراً أن عودة المقرحي إلى أرض الوطن ثمرة المثابرة على السياسة الواقعية التي اعتمدت في مرحلة ما بعد التخلي عن فكرة الحصول على أسلحة الدمار الشامل. وليس صدفة أن يكون المهندس سيف القذافي المتمسك بالثوابت، ثوابت السياسة الواقعية، هو الذي رافق المقرحي في رحلة العودة إلى طرابلس. من المهم الآن أن يحصل أمران. أولهما أن تكون هناك انعكاسات للسياسة الواقعية، التي نجحت في الخارج، على الداخل. لا قيمة لأي نجاح خارجي في المدى الطويل في غياب انعكاسات إيجابية على الداخل. بكلام أوضح، أن ليبيا في حاجة إلى إصلاحات على كل صعيد يستفيد منها المواطن العادي. فبعد أربعين عاماً من التمسك بالحال ثورية، لا مفر من الانصراف إلى بناء دولة مؤسسات بكل معنى الكلمة. هناك تجربتان في استطاعة ليبيا الاستفادة منهما هما تونس والمغرب... يفترض ألا يكون هناك أي نوع من العقد متى تعلق الأمر بالاستفادة من تجربة ناجحة في دولة معينة، خصوصاً عندما تكون هذه الدولة عربية.
أما الأمر الآخر الذي يفترض حصوله، فهو يتمثل في متابعة المجتمع الدولي جهوده لكشف من يقف حقيقة وراء لوكربي؟ قد تكون ليبيا متورطة بطريقة ما في العملية أو شريكاً ثانوياً فيها، لكن المنطق يقول انها ليست الطرف الوحيد المسؤول عن الجريمة، في حال كانت على علاقة ما بها. هناك من خطط وراقب وربما نفّذ. هناك من قبض عليه في ألمانيا تحديداً، قبيل كارثة لوكربي، مع عبوات مزروعة في أجهزة ترانزيستور معدة لتنفجر لدى وصول الطائرة إلى ارتفاع معين... انتهى فصل وبقيت فصول مرتبطة بلوكربي!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
لم تستمر الإجازة التي شاء الإرهابيون الاستفادة منها طويلاً، إذ انصب التحقيق على محاولة معرفة من يقف وراء الجريمة التي أودت بمئتين وسبعين شخصاً كانوا في الطائرة أو كانوا على الأرض في بلدة لوكربي نفسها حيث انتهت رحلة «بانام» تلك. لكن المؤسف أن التحقيق أخذ منحى سياسياً. كان مطلوباً في تلك المرحلة معاقبة ليبيا لا أكثر. وقد وفّرت العملية الإرهابية فرصة لا تعوض للإدارة الأميركية كي تفرض حجراً على نظام العقيد معمر القذافي والبلد ككل. ما زلت أذكر ما قاله لي مسؤول أميركي كبير التقيته في واشنطن منتصف التسعينات من القرن الماضي. سألت هذا المسؤول الذي عاد إلى الواجهة هذه الأيام : من يقف وراء لوكربي وهل ليبيا وحدها مسؤولة؟ كان جوابه: كل ما يهمنا وضع نظام العقيد القذافي في قفص. وقد نجحنا في ذلك؟
على الرغم من الاعتراض الأميركي على إطلاق المقرحي وعلى طريقة استقباله في طرابلس، وهو اعتراض شكلي، حتى لو أنه صدر عن الرئيس أوباما نفسه، بات في الإمكان القول ان الجماهيرية الليبية تصالحت نهائياً مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها وذلك قبل أيام قليلة من احتفال العقيد القذافي بالذكرى الأربعين لتوليه السلطة. اعترضت أميركا ومعها بريطانيا على الاستقبال، لكن النظام الليبي سجل نقطة أساسية لمصلحته بإخراجه المقرحي من السجن قبل نحو عشرة أيام من الذكرى الأربعين للفاتح من سبتمبر من العام 1969. من كان يتصور أن القذافي سيحتفل بهذه الذكرى في الأول من سبتمبر من العام 2009؟
كان إطلاق المقرحي قرارا جريئاً اتخذته الحكومة المحلية في اسكتلندا بمباركة ضمنية من الحكومة البريطانية. لكن السؤال الآن متى تتصالح ليبيا مع نفسها؟ احتاجت الجماهيرية إلى أعوام طويلة كي تدرك أن عليها الاهتمام بنفسها وبمحيطها المباشر، وأنها ليست قوة عظمى تستطيع أن تتدخل في أماكن مختلفة من العالم، من الفيليبين إلى ايرلندا الشمالية، حيث دعمت الجيش الجمهوري الايرلندي، مروراً بحركات تحرر أفريقية بينها الحركة التي كان يقودها نلسون مانديلا من أجل الحرية والعدالة والمساواة والقضاء على نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. دعمت ليبيا طوال أعوام حركات تحرر، باعتراف مانديلا نفسه الذي حفظ لها الجميل، لكنها دعمت أيضاً حركات إرهابية. كانت للعقيد القذافي في أحيان كثيرة مواقف متقدمة عربياً. من بين هذه المواقف دعمه للأكراد عموماً ورفض الظلم اللاحق بهم، خصوصاً في العراق أيام صدّام حسين. كذلك، لم تنطل عليه يوماً الأكاذيب التي تستخدمها الحركات الإسلامية المتطرفة لتبرير إرهابها. فقد تصدى باكراً للتطرف الديني وأدرك خطورة تنظيم «الإخوان المسلمين» الذي خرجت من رحمه كل الحركات المتطرفة. لكنه ارتكب أخطاء كبيرة في غير مكان. في لبنان وفلسطين خصوصاً. إلى أن اكتشف مع انتهاء الحرب الباردة وتشديد الحصار المفروض على الجماهيرية أن ليس في استطاعته الاستمرار إلى ما لا نهاية في لعب أدوار تفوق حجم ليبيا.
نضجت التجربة الليبية عندما بدأت الجماهيرية التعاطي مع العالم من منطلق فهم موازين القوى الإقليمية والدولية. لذلك صار سهلاً على ليبيا في مرحلة معينة الابتعاد عن الأوهام واتخاذ القرار القاضي بالتخلي عن أي مشاريع تستهدف الحصول على أسلحة الدمار الشامل والتعاطي مع الغرب والولايات المتحدة تحديدا بكل شفافية.
ليس سراً أن عودة المقرحي إلى أرض الوطن ثمرة المثابرة على السياسة الواقعية التي اعتمدت في مرحلة ما بعد التخلي عن فكرة الحصول على أسلحة الدمار الشامل. وليس صدفة أن يكون المهندس سيف القذافي المتمسك بالثوابت، ثوابت السياسة الواقعية، هو الذي رافق المقرحي في رحلة العودة إلى طرابلس. من المهم الآن أن يحصل أمران. أولهما أن تكون هناك انعكاسات للسياسة الواقعية، التي نجحت في الخارج، على الداخل. لا قيمة لأي نجاح خارجي في المدى الطويل في غياب انعكاسات إيجابية على الداخل. بكلام أوضح، أن ليبيا في حاجة إلى إصلاحات على كل صعيد يستفيد منها المواطن العادي. فبعد أربعين عاماً من التمسك بالحال ثورية، لا مفر من الانصراف إلى بناء دولة مؤسسات بكل معنى الكلمة. هناك تجربتان في استطاعة ليبيا الاستفادة منهما هما تونس والمغرب... يفترض ألا يكون هناك أي نوع من العقد متى تعلق الأمر بالاستفادة من تجربة ناجحة في دولة معينة، خصوصاً عندما تكون هذه الدولة عربية.
أما الأمر الآخر الذي يفترض حصوله، فهو يتمثل في متابعة المجتمع الدولي جهوده لكشف من يقف حقيقة وراء لوكربي؟ قد تكون ليبيا متورطة بطريقة ما في العملية أو شريكاً ثانوياً فيها، لكن المنطق يقول انها ليست الطرف الوحيد المسؤول عن الجريمة، في حال كانت على علاقة ما بها. هناك من خطط وراقب وربما نفّذ. هناك من قبض عليه في ألمانيا تحديداً، قبيل كارثة لوكربي، مع عبوات مزروعة في أجهزة ترانزيستور معدة لتنفجر لدى وصول الطائرة إلى ارتفاع معين... انتهى فصل وبقيت فصول مرتبطة بلوكربي!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن