|القاهرة - من إبراهيم عاشور|
حاول المستشرقون ومؤرخو العمارة ان ينسبوا عناصر العمارة الدينية الاسلامية إلى غير العرب وغير المسلمين... وجاهدوا في ان ينسبوها إلى اصول تنتهي إلى مصادر غربية فمثلا عن المحراب قالوا ان اصوله المعمارية تعود إلى الشرقية في الكنيسة وفي ذلك عودة بهذا العنصر المعماري في المسجد إلى الغرب والحقيقة غير ذلك حتى باعتراف اغلب علماء الاثار ومنهم العلماء المسيحيون بالذات.
وهكذا كان بعض المستشرقين والعلماء الغربيين في اقلهم يحاول ان يلوي الحقائق التي ذكرها المؤرخون المسلمون عن تلك العناصر حتى تسير مع الرغبة التي يريد تحقيقها واثباتها... والقول الذي لا يخدمه في اتجاهه لا يأخذ به ويتجاهله... ورأينا هذا النهج في كل حديث عن العناصر المعمارية في العمارة الاسلامية ولنأخذ المئذنة كعنصر معماري ذائع الصيت. وقد ثبت ان زياد بن ابيه قد بنى لجامع البصرة (45 هـ) مئذنتين عند إعادة البناء... وجاء لنا البلاذري بنص يقول ان جامع البصرة كانت له مئذنتان وهو اقدم نص حول المئذنة. وهو نص لا يمكن انكاره او الالتفات عنه، الا ان المستشرقين قد انكروا ذلك على البلاذري وادعوا كذب هذه الرواية، الا ان الامر حديثا قد اثبت صدق خبر البلاذري حيث انه وفق الحفريات في البصرة عثر فيها على قواعد حجرية لمئذنتين حجريتين وهما اللتان اشار اليهما البلاذري في روايته التي انكرها عليه المستشرقون.
ورغم ان المستشرقين قد رحبوا بروايتين لابن دقماق والمقريزي عن خبر بناء مآذن جامع عمرو بالفسطاط (53 هـ) وأوضح انهما وقد عاصرا بعضهما لبعض الوقت. قد نقلا اخبارهما من المؤرخين السابقين مثل «ابن عبدالحكم» صاحب كتاب فتوح مصر. وهو اقدم من روى خبر بناء صوامع جامع عمرو (توفي عام 257 هـ) بعد البلاذري بقليل. كما انهما نقلا ايضا عن «ابن المتوج» الذي سبق ابن دقماق بنحو نصف قرن. ثم اتضح فيما بعد ان الخليفة في دمشق كان قد اصدر امرا ببناء المآذن وأوضح ان هذا الامر قد شمل الدولة كلها في غالب الامر وان ذلك يشمل البصرة كما يشمل مصر... وان تاريخ نباء مآذن البصرة يتفق زمنيا (تقريبا) مع تاريخ بناء مآذن عمرو بن العاص ما يؤكد شمول بناء المآذن في كل ارجاء الدولة العربية الاسلامية.
اتجه العلماء بعد ذلك في نسبة المآذن إلى ابراج المعبد الوثني في جامع دمشق (جامع بني امية) ليتجهوا بالعنصر المعماري إلى مصدر يمكن نسبته للغرب وهو قول مردود عليه بالنكران، فابراج المعبد الوثني كانت في اركان المنطقة وكانت ابراجا راسخة، اراد المعمار المسلم الاستفادة منها في بناء المآذن فوقها... فحول المستشرقون هذه الابراج إلى اول مآذن في الاسلام... والحقيقة انه قد اقيمت فوقها مآذن سقطت مع الايام بفعل الزلازل واعيد بناؤها مرة اخرى ولم تستخدم الابراج ابدا كمآذن بذاتها.
سبب عدم الاخذ برأي المستشرقين هو ان ابراج دمشق لم تكن ترتفع الا قليلا عن سطح الجامع. ولم تكن تصلح للنداء من فوقها في مدينة كثيفة السكان مثل دمشق اذ ان النداء بالاذان يحتاج إلى مكان مرتفع حتى يعم الاذان المنطقة كلها بفعل الارتفاع لابلاغ الاذان إلى اغلب السكان وليكن صوت المؤذن مسموعا من الجميع.
وتأكد للجميع ان هذه الابراج ما كانت الا قواعد لبناء المآذن فوقها... وليس الخطأ في ان الزلازل قد اتت على هذه المآذن ولكن الخطأ هو في عدم القراءة الصحيحة للحدث وللظاهرة نفسها. اذ ان العلماء الغربيين (في بعضهم) لم يكن يروق لهم ان يكون العرب والمسلمون هم الذين ابتكروا العنصر المعماري للمئذنة وليس من المعقول حسب قول المستشرقين ان يكون المصريون قد استقوا العنصر المعماري من ابراج دمشق عند بنائهم للمئذنة ولديهم ما يشبه المئذنة فعلا في فنار الاسكندرية الذي كان يملأ الدنيا شهرة ويعلم به القاصي والداني من مصر وغرب العالم الاسلامي وبلغت شهرته الافاق باختيار فنار الاسكندرية (منارة الاسكندرية) كاحدى عجائب الدنيا السبع، وما زالت اجزاؤه ترقد في الميناء الشرقي لمدينة الاسكندرية امام قلعة قايتباي حتى اليوم. وهل الاقرب إلى التصديق ان يجيء المعمار المسلم في الغرب الاسلامي ليأخذ عناصر المئذنة من ابراج دمشق على بعد آلاف الاميال ام يأخذها من على بعد مئات الاميال في الاسكندرية... الصحيح طبعا ان يأخذها من البلد الاقرب وهو مصر.
لهذا كله يستنكر كل العلماء المسلمين ان يأخذ المستشرقون بارائهم رغم انها تجافي الحقيقة وليصبح بناء المئذنة. بناء عربيا اسلاميا صرفا مبتكرا وليس منقولا.

مهندس معماري مصري