بقلم د. أحمد سامح
منذ أخذت الرسالات السماوية طريقها إلى المجتمعات البشرية وجد الإنسان نفسه أمام مجموعة من النصوص ذات العلاقة المباشرة بعدد من العبادات.
وعلى الرغم من الوضوح التام في النصوص والأحكام ظل الإنسان في كثير من الأحيان ولفترة طويلة في مسيرة حياته يعاني من اشكالات متعددة بكيفية التطبيق العملي للفرائض الشرعية خصوصا فريضة الصيام نظرا لوجود استشارات شرعية تخوله تأجيل أداء الفريضة إلى أيام أخر أو الاعفاء منها بصورة نهائية عندما تكون هناك أسباب مرضية خطيرة أو مزمنة تبرر ذلك.
ويأتي شهر رمضان من كل عام فنجد الأطباء والصيادلة والممرضين وغيرهم من الكادر الطبي مطالبين بارشاد المرضى المكلفين بصيام شهر رمضان المبارك الذين يتساءلون عن القرار الطبي والشرعي في شأن صيامهم.
ودائماً وأبداً كان القرار الطبي متوافقا مع الحكم الشرعي في شأن الأمراض التي رخص الافطار فيها في شهر رمضان.
وخوفا من حدوث المضاعفات وتأخير الشفاء رخص الدين الإسلامي الحنيف الافطار للمريض وأكد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بحكمته ونظرته الشاملة وهو الذي لا ينطق عن الهوى الذي أثبت صحتها وعظمتها الطب الحديث بعد أكثر من أربعة عشر قرنا على ظهور الإسلام والرسالة المحمدية الخالدة الجامعة فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى فرائضه». القرار الطبي في شأن الأمراض التي رخص بها للصائم بالافطار في شهر رمضان كان متوافقا مع الرأي الشرعي.
وتشمل هذه الرخصة أمراضا مختلفة تصيب أجهزة الجسم المتعددة الجسدية والنفسية.
وخوفاً من حدوث المضاعفات أو تأخر الشفاء رخص الافطار في الأمراض التالية:
أمراض القلب والأوعية الدموية
• المرضى المصابون بالجلطة الحديثة
• مرضى الذبحة الصدرية غير المستقرة أو غير المستجيبة للعلاج.
• حالات هبوط وظائف القلب
• الاضطرابات الخطيرة في انتظام ضربات القلب
• الضيق والارتجاع الشديد في صمامات القلب وكذلك التهاب الصمامات
• تجدد نشاط الحمى الروماتيزمية
هؤلاء المرضى رخص لهم بالافطار في رمضان.
أمراض الكلى
من أمراض الكلى التي تمنع من صوم رمضان التهاب الكلى وحصوات الكلى والمسالك البولية وتناول أمراض الكلى والصوم في «الراي كلينيك» عدد الاثنين 24 أغسطس.
الأمراض العصبية والنفسية
الصائم الذي يصاب بنوبات صرعية أو نوبات هيستيرية عند نقص السكر في الدم عليه أن يفطر لأن انخفاض السكر في الدم نتيجة الصيام يساهم في حدوث نوبات الصرع وكذلك الاختلاف في مواعيد تناول الدواء.
كذلك مريض الفصام «الشيزوفرينيا» الذي يعاني الآثار الجانبية للأدوية والتي من أعراضها الشعور بجفاف في الفم والحلق الشديد والشعور بالعطش والشعور بالنعاس ولأنه إذا توقف المريض عن تناول هذه الأدوية فسيعاني من نوبات العنف مع الذات ومع الآخرين.
أمراض الجهاز الهضمي
المصابون بقرحة المعدة والاثنى عشر يؤثر عليهم الصيام بدرجة كبيرة لأن العصارة المعدية المركزة والأحماض التي تشمل حمض الهيدروليك والانزيمات الهاضمة هي التي تسبب قرحة المعدة والاثنى عشر وحدوث جرح في الجدار.
ومن المعروف ان الطعام يقلل من تركيز هذا الحمض ويستهلك الانزيمات النشطة في هضم الطعام الذي في المعدة والاثنى عشر.
وينصح المصابون بالقرحة الحادة تناول كميات عدة من الطعام طوال اليوم وليس ثلاث وجبات كما هو المعتاد.
وينطبق هذا الكلام على مرض فتق الحجاب الحاجز في الحالات المتقدمة والتي تعاني من القيء والألم والحموضة وضيق التنفس واضطرابات دقات القلب نتيجة دخول جزء من المعدة فتحة الحجاب الحاجز الى تجويف الصدر.
أمراض الكبد
التهاب الكبد الوبائي الحاد أو أمراض الكبد المزمنة من الأمراض الخطيرة التي تصيب الإنسان.
وقد يعاني المريض من نوبات أعراض تستدعي تناول نوعيات من الغذاء أو تناول كميات اضافية من السكريات بسبب انخفاض نسبة السكر في الدم نتيجة هذه الأمراض وتعطل وظائف الكبد الحيوية ومنها المحافظة على نسبة السكر في الدم.
ويحتاج العلاج في مثل هذه الحالات الى تنظيم غذائي على مدى اليوم كله بسبب عدم وجود رصيد كاف في الكبد من السكر المخزن «جليكوجين» يتحمل فترات النقص المفاجئ في المواد الغذائية نتيجة الصيام.
أمراض الجهاز الحركي
التهابات المفاصل الروماتيزمية الحادة أو مرض الروماتويد حيث ان المريض يحتاج لتناول جرعات من الدواء في مواعيد محددة لتخفيف الأمراض ولعلاج الالتهاب.
كذلك فإن المريض يحتاج لكميات كافية من البروتينات لتقوية جهاز المناعة وتعويض وتجديد الانسجة التالفة نتيجة الاصابة بهذه الأمراض.
كذلك الحالات الشديدة لمرض النقرس الحاد «داء الملوك» تحتاج كمية كبيرة من السوائل لتقليل نسبة تركيز حمض البوليك «اليوريك» في الدم والتخلص منه عن طريق افرازه في الكلى وتجنب مضار التركيز العالي لحمض اليوريك «البوليك» في الدم والذي يسبب ارتفاعه المزمن الاصابة بمرض ضغط الدم المرتفع ويعمل زيادة تركيزه في البول على تكون حصوات الكلى والحالب.
أمراض العيون
العين المصابة بالمياه الزرقاء «الجلوكوما» قد يؤدي الصيام عن شرب الماء نهاراً وخصوصاً في الايام الحارة الرطبة التي يكثر فيها التعرق وفقدان الماء من الجسم الذي يؤدي الى زيادة تركيز الدم وزيادة خاصية الضغط الاسموزي والذي يعود الى المستوى الطبيعي بعد الافطار عندما يتناول الإنسان كميات مناسبة من السوائل فإنه يؤدي الى تحسن الانخفاض الذي حدث في حجم الدم ويقلل الارتفاع الذي حدث لقوة الضغط الاسموزي نتيجة الصيام.
ومريض الجلوكوما «المياه الزرقاء» لا يستطيع عمل هذه الموازنة بالاضافة الى استعماله لقطرات خاصة عدة مرات في اليوم.
كذلك مريض الشبكية الملتهبة نتيجة لارتفاع نسبة السكر في الدم والذي يحتاج للأدوية لعلاج هذا الالتهاب الحاد من الشبكية.
أمراض الجهاز التنفسي
الحالات الربوية الخفيفة التي يتناول أصحابها أمراض الأمنيوفيلين طويلة الأمد وموسعات الشعب الهوائية الممتدة المفعول يمكنهم الصيام.
أما حالات الربو الشديدة التي تستدعي علاجاً مكثفا وكذلك المصابون بنوبات حادة يجب عليهم الافطار.
أما المصابون بالالتهاب الشعبي الحاد البسيط يستطيعون الصوم مع تناول العلاج كالمضادات الحيوية طويلة المفعول ما بين السحور والافطار.
أما الحالات الشديدة ومصاب بارتفاع في درجة الحرارة ويعاني السعال الشديد والقيء وصعوبة التنفس يحتاج للعلاج بعدة ادوية فينصح للمريض بالافطار حتى يشفى من الالتهاب.
ومريض السل الرئوي «الدرن» ينصح له بالافطار خاصة اذا كان يعاني من ارتفاع بالحرارة ووجود نشاط درني ونقصان في الوزن وهزال فإن الصوم خطر كبير عليه.
أمراض النساء والولادة
السيدة الحامل التي يحدث لها انخفاض في نسبة السكر بالدم يجعلها تشعر بالصداع الشديد والزغللة في العين واجهاد عام عليها ان تفطر.
والحمل في الاشهر الأولى يكون صعباً على المرأة التي قد تعاني من أعراض الوحم من قيء وغثيان والشعور بدوخة
واجهاد وارهاق فعليها ان
تفطر لكي تتمكن من تناول وجبات قليلة لكنها متعددة اثناء النهار.
كذلك فإن الأشهر السابع والثامن والتاسع فالجنين يحتاج الى كمية كبيرة من البروتينات والكالسيوم والأملاح المعدنية الأخرى لبناء عظامه وعضلاته وهذا يتأثر بالصيام.
أما الفترة التي تعتبر أقل تأثراً بالصيام فهي الفترة الوسطى من الحمل «الأشهر الرابع والخامس والسادس» فيكون الحمل في هذه الفترة مستقراً.



يبدأ من سن السابعة وحتى العاشرة مع مراعاة القدرة الجسمانية للطفل

تدريب الأطفال على الصيام ... بالرفق واللين والتدرج مع الأيام

يجب تعويد الأطفال وتدريبهم على الصيام حتى ينشأوا في طاعة الله ويؤدون الفرائض التي فرضها الله على المسلمين.
وفي تدريبهم على الصيام تدريب للامة على الالتزام والانضباط والطاعة ليكونوا رجالا اقوياء العزيمة والارادة وينبغي تدريب الأطفال على الصيام بعد سن السابعة لان طفل السابعة لا يقدر على الصيام وتعد السن العاشرة هي السن النموذجية لصيام الطفل.
لكن يمكن تدريبه ابتداء من السنة الثامنة او التاسعة حسب استعداد الطفل الجسماني ويكون تدريبهم على الصيام بالرفق واللين والتدرج.
وعلى الوالدين مراقبة الطفل فاذا شعرا بمرضه او ارهاقه او عدم تحمله الصيام وجب عليهما ان يسارعا في افطاره.
ويجب التنبيه إلى ان بعض الامراض تمنع الأطفال من الصيام مثل مرض البول السكري وفقر الدم والكلى وقرحة المعدة والدرن. واذا كان الحديث الوارد في شأن الصلاة «مروا اولادكم بالصلاة وهم ابناء سبع واضربوهم عليها وهم ابناء عشر» فهو ينطبق
على الصيام ايضا بفارق واحد وهو مراعاة القدرة الجسمانية للطفل.
فقد يبلغ السابعة او العاشرة لكن جسمه ضعيف لا يحتمل الصيام فيمهل حتى يشتد عوده ويقوى جسمه.
ويجب التنبيه إلى خطورة صيام الطفل عن سن السابعة او قبلها لانه في هذه السن يكون الطفل في امس الحاجة إلى المواد الغذائية المختلفة وبنسب معينة تلائم نمو جسده السريع.
التدريب بالرفق واللين
إذا كان تدريب الأطفال على الصيام امرا مستحبا فإن ضربهم على ذلك حرام لما قد يؤدي بهم إلى الانحراف مستقبلا.
لان اجبار الطفل على الصوم بالقوة قد يدفعه إلى تناول الطعام سرا ثم يتظاهر بالصوم ويكبر معه سلوك الخيانة
لان الطفل لا يقدر معنى الامانة
ولا يقدر المسؤولية في هذه السن.
ولهذا ينبغي على الامهات والاباء ان يدربوا اطفالهم على الصوم بالرفق واللين والتدرج مع الايام وان يحببوه اليهم.
كيفية التدريب على الصيام
ليس مطلوبا من الطفل ان يصوم شهر رمضان بأكمله مرة واحدة فليس هذا بمقدور عليه ولا هو منطقي بل يجب ان يتبعوا اسلوب التدرج عند تدريبهم عليه. ويجب ان يكون ذلك بالرفق واللين.
وتوجد في عدة طرق يمكن استخدامها في تدريب الأطفال وتعويدهم على الصيام واداء الفريضة.
الطريقة الأولى
• عند وصول الطفل الى سن السابعة يمنع عنه الطعام والشراب لمدة ثلاث ساعات يومياً ويفضل ان تبدأ هذه الفترة من العصر حتى اذان المغرب والافطار مع الاسرة على ان يتم ذلك مرة أو مرتين كل اسبوع.
• عندما يصل عمره الى الثامنة يبدأ الطفل في ممارسة هذه العادة يومياً اي صيام ثلاث ساعات كل يوم طوال
شهر رمضان من العصر الى المغرب.
• وفي التاسعة من عمره يمكن من فترة الصيام من الصباح وحتى اذان العصر على أن يكون ذلك يوماً بعد يوم.
• وفي سن العاشرة يدرب الطفل على صيام ثلاثة أيام كل اسبوع صوماً عادياً.
• وفي العام التالي يكون الطفل قادراً على الصيام ايام شهر رمضان كلها.
الطريقة الثانية
تعتمد هذه الطريقة على تأخير تناول الطفل وجبة الافطار العادية فبدلاً من ان يتناولها في السابعة صباحاً أو الثامنة صباحاً كما هي العادة يؤخرها الى الساعة الثانية عشرة ظهراً ثم يصوم بعدها حتى يفطر مع اسرته عند اذان المغرب اي يكون قد صام نحو 5-6 ساعات وذلك لعدة أيام.
وفي الايام التالية تؤخر وجبة الافطار العادية الى الحادية عشرة صباحاً ثم الى العاشرة ثم الى التاسعة وهكذا.
الطريقة الثالثة
يصوم الطفل ابتداءً من تناوله لوجبة السحور ثم يفطر عند اذان الظهر لأن يكون قد صام نحو سبع ساعات، وذلك لمدة عشرة أيام ثم تزيد فترة الصيام في الايام العشرة الوسطى بأن يصوم الطفل ابتداء من تناوله لوجبة السحور وحتى اذان العصر (اي يكون قد صام حوالي 10 ساعات) ثم يصوم الطفل الايام العشرة الأخيرة مثل والديه من السحور الى اذان المغرب.
وبذلك يستطيع صيام يوم رمضان كاملاً وعند ما يقبل رمضان التالي يكون قادراً بإذن الله على صيامه كاملاً.
طعام الطفل الصائم
ينصح الاطباء الأمهات بأن يراعين عند افطار أطفالهن الصائمين بتنويع الطعام بحيث يكون شاملاً ومحتوياً على جميع العناصر الغذائية.
كما ينبغي الحرص على وجبة السحور فهي التي تشبع الطفل لأطول مدة اثناء النهار.
وينصح اخصائيو التغذية بأن تحتوي وجبة السحور على البيض والروب والجبن او الفول المدمس مع الفاكهة والخضروات والخبز وان تخلو من الاملاح والمخللات والمواد الحريفة مثل الفلفل الاسمر والشطة التي قد تسبب للطفل العطس اثناء الصيام.
أمراض تمنع من الصيام
يجب على الوالدين مراقبة طفلهما اثناء صومه فإذا شعرا بمرضه أو ارهاقه او عدم تحمله الصيام وجب عليهما ان يسارعا الى افطاره لأن قدرة الطفل على تحمل الجوع والعطش أقل بكثير من قدرة الانسان البالغ.
وينبغي الاشارة الى ان هناك بعض الأمراض التي تمنع الطفل من الصيام مثل مرض فقد الدم «الأنيميا» وأمراض الكلى وقرحة المعدة التي تصيب الاطفال الذين يتناولون الاسبرين او عقار الكورتيزون كعلاج لأمراض كثيرة وكذلك الازمات الربوية تحتاج لعلاج ولا يستطيع معها الاطفال الصيام.