| القاهرة - من أحمد نصير |
ساحر في أدائه لشخصياته... مرعب في تقمصه لأدواره... إطلالته على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة وحتى على خشبة المسرح مختلفة إلى حد التميز ومتميزة إلى حد التفرد، استحق عن جدارة أن يستحوذ على نصف دستة ألقاب - أو أكثر- لا ينازعه فيها أحد.
فهو «العبقري»... رئيس جمهورية التمثيل... الامبراطور، المريض بالفن... زعيم مدرسة فن التقمص... وجاك نيكلسون العرب.
هكذا قالوا عن النجم الأسمر الراحل أحمد زكي الذي رحل عن عالمنا قبل 4 سنوات وعدة أشهر لكنه بقي خالدا في ذاكرة «الفن السابع» بأفلامه المتفردة.
هذا «الفتى الأسمر»... الذي عانى اليتم والحرمان والانكسار منذ ولادته في مدينة الزقازيق «عاصمة محافظة الشرقية»ـ على بعد نحو 85 كيلو مترا شمال شرق العاصمة المصرية - جاء إلى القاهرة «هوليوود الشرق» ليقلب الموازين في عالم السينما، ويصبح بالرغم من سمرة وجهه التي تشبه طمي النيل فتى الشاشة الذي تفوق على نجومها السابقين والمعاصرين له حتى ان نجم هوليوود روبرت دي نيرو والفنان عمر الشريف... أكدا أنه لولا حاجز اللغة لأصبح «ابن الزقازيق» نجما عالميا لا نظير له.
عندما تشاهد أعمال «أحمد زكي» على الشاشة فأنت ترى نجما فوق العادة... ملامحه منحوتة من أرض مصر... يتكلم ويعبّر فتشعر أنك أمام بطل شعبي وليس ممثلا يعشق الفن إلى حد الجنون، حتى انهم قالوا عنه «صاحب مدرسة الفن المنحوت»، وقالوا: إنها مدرسة من إبداعه... وربما لهذا أحبه الجمهور واعتبره بطله الأول الذي يحرص على مشاهدة أفلامه.
أسرار ومواقف وحكايات مثيرة كثيرة في حياة أحمد زكي... سنتعرف عليها في 30 حلقة، عبر «الراي»... نقترب من شهادات عدد من الذين اقتربوا منه وآراء النقاد وزملاء المشوار لنعرف النجم الأسمر عن قرب، ونعرف ما كان بداخله وكيف استطاع الوصول إلى هذه المكانة، وكيف استحوذ على قلوب عشاق السينما والمسرح والتلفزيون، وكيف أحبه كل من عمل معه، وكل من تعامل معه... فابقوا معنا... حلقة بعد أخرى.

لأن أحمد زكي يعشق التمثيل إلى حد الجنون ويتقمص شخصياته باتقان شديد ولأنه يعرف كيف يمسك بخيوط وتفاصيل أي دور يؤديه فقد اعتبره مخرجو أفلامه عبقرية تمثيلية ربما تفوق عملاق هوليود جاك نيكلسون في القدرة على اللعب بالشخصية، واتفقوا على براعته وتفرده.
المخرج خيري بشارة قال: تجربتي مع أحمد زكي ذات خصوصية شديدة فهو بلاشك يقع في دائرة الممثلين الذين تنشأ بينك وبينهم كيمياء, كان فيلم «العوامة 70» أول فيلم يوضع فيه اسمه كأول اسم في التتر وكانت هذه مغامرة بالفعل صحيح إنه لعب معي دورا صغيرا في فيلمي الأول «الأقدار الدامية» لكن كانت بدايته الحقيقية في «العوامة 70» وأحمد كان بالنسبة لي ولجيلي كله الوجه واللسان والهيئة التي نريدها في الممثل، وكنا نريد أن نصنع منه بطلا يحل محل البطل النجم الذي كان سائدا في السينما التي كانت قبلنا وفي «العوامة 70» كان المخبر الذي أطلق عفويته الكامنة، خاصة وأن الفيلم كان عبارة عن سيرة ذاتية في جزء منه, وكان تعبيرا عن الرغبات غير المتحققة لجيلنا كله والذي كان هو أحد أفراده, فخرج تعبيره عن الإحباط والهزيمة بتفهم عال كما أتصور.
وأضاف : كانت مشكلتي مع أحمد بعيدة عن موهبته أو ذكائه, مشكلته أنه عنيد ويأخذ وقتا طويلا لكي يقتنع وأعتقد أن هذا من حقه, ولكن في كثير من الأحيان أشعر بالاستهلاك النفسي مع هذا الأسلوب, فمثلا في فيلم «كابوريا» أدت معايشتي للملاكمين في الأحياء الشعبية إلى ملاحظة أن لهم طريقة في قص الشعر وهي القصة التي ظهر بها أحمد في الفيلم, وفي البداية رفض أحمد هذا الشكل وكان مصرا على موقفه فما كان مني إلا أن أحضرت له الحلاق إلى الفندق ووضعته أمام الأمر الواقع.
مجنون تمثيل
أما المخرج علي بدرخان فقال: عملت مع أحمد زكي في عدد كبير من الأفلام مثل «شفيقة ومتولي» و«نزوة»...« الرجل الثالث» و«الراعي والنساء» ولا أستطيع أن أقول عنه سوى أنه مجنون بالتمثيل إذا تحدثت معه تحدث إليك وهو يمثل لك ما حدث بالأمس, وإذا كان مرتبطا بفيلم معين أخذ يتحدث عن الشخصية أو بالشخصية ويأخذ آراء المقربين إليه فيها وفي ملابسها والإكسسوار الذي اختاره لها, عندما أعمل معه أعطيه السيناريو وأطلب منه أن يكتب لي ملاحظاته.
وأضاف: أحيانا يكتبها من دون تفسير, كأن يقول: إن هذا المشهد مثلا «دمه تقيل» أو عندما أقرأ المشهد ربما أكتشف فعلا مشكلة فيه قريبة من المعنى الذي قاله أو علق به, أحمد زكي يعيش الشخصية24 ساعة في اليوم, من الممكن أن يتصل بي في الفجر ليضيف تفصيلة ما فمثلا مشهد الفأر الذي يخرجه من بين فخذيه في فيلم «الراعي والنساء» هو الذي تخيله، وأيضا مشهد الضابط في نهاية فيلم «نزوة» هو الذي تصوره, هكذا هو يعيش الحالة تماما وهذا هو أسلوبه.
أول لقاء
ويحكي محمد خان عن أول لقاء مع أحمد زكي قائلا: أول مرة شاهدته كانت من خلال مسلسل «الأيام» وبعد ذلك شاهدته في مرة خاطفة في مكتب الفنان محمود ياسين, ولم نجلس معا لكن شيئا ما بداخلي قال لي إنه ممثل جيد, وأحمد كممثل يعشق أن يستفزه المخرج, وعندما يستفز في مناطق معينة يخرج بالأداء الجميل الذي أريده, دائما أحاول أن أتحداه خاصة في قدرته كممثل.
وأضاف: هو يحب أن يعارض طوال الوقت وهذه مشكلة أو أحيانا تصبح مشكلة حقيقية فمثلا في أحد مشاهد فيلم «أحلام هند وكاميليا» كان يفترض أن يقفز أحمد من النافذة ليدخل إلى الحمام حيث يرى عايدة رياض مضروبة وعندما طلبت منه القفز رفض وتحديته بأنني سأقفز وعندما قمت بالقفزة بشكل ليس جيدا انفعل هو وقفز ليثبت لي أنه أفضل مني ويستطيع أن يفعل ذلك.
لكنه أحيانا فعلا لا يسمع الكلام... ففي أحد مشاهد فيلم «موعد على العشاء» كانت يده في لقطة ما تظهر بوضوح وهو كوافير فطلبت منه أن يقص أظافره أكثر من مرة ولكنه لم يفعل واللقطة ظهرت فيها أظافره الطويلة بوضوح.
وفي الفيلم نفسه وتحديدا في مشهد المشرحة وكان عندي أحمد زكي وسعاد حسني وكل منهما يمثل مدرسة في التمثيل لكل منهما طريقة مختلفة في التعامل, وبالرغم من صعوبة مشهد المشرحة إلا أنه صور مرة واحدة فقط ولم يُعد تصويره وهذا نادر جدا, يومها كانت معي كاميرتان والمكان كئيب جدا.
وسعاد كانت جالسة تأكل سندويتش وتشرب كوكاكولا، لكي تداري توترها وجاء أحمد فقلت له لديك خياران إما أن أضعك في درج المشرحة وهنا يصبح المشهد قويا أو أضعك على الرخامة في الخارج وسيكون هذا شيء عادي.
وكنت أحاول بهذه الطريقة أن أستفزه وأتحداه وكنت متأكدا أنه سيختار أن يوضع في الدرج من الداخل وبالفعل أحضرنا له نوعا من العطور، أما سعاد فشرحت لها ماذا عليها أن تفعل... كان عليها أن تنادي شكري وهو اسم أحمد في الفيلم، وهي تبكي ثم تلمسه.
وفوجئت بها تقول لي: لا لن ألمسه, قلت لها: هتلمسيه يا سعاد... قالت :لا أشعر أنني سألمسه، قلت لها نصور وسنرى ماذا سيحدث وضعت كاميرا على مسافة متوسطة والكاميرا الأخرى على مسافة بعيدة وبدأنا وبالفعل لمسته سعاد، بل إنها أمسكت به وأخذوا يجذبونها ووقعت ثم قامت.
وبالرغم من جمال المشهد، إلا أنني اضطررت إلى اختصار جزء كبير منه في المونتاج, ومن قوة أدائها كان السيناريست بشير الديك يقف بجانبي ويبكي وتلقائيا وجدتني أصرخ بإيقاف الكاميرا ولا أعرف حتى الآن لماذا فعلت ذلك.
عرفت بعد ذلك أن أحمد بالداخل كان متوترا جدا وكان المكان حوله مظلما ولم يكن به سوى ثقب صغير يدخل منه شعاع النور وبالرغم من هذا تحامل على نفسه من أجل أن يخرج المشهد قويا.
ابن جيله
فيما أكد المخرج داود عبدالسيد: إن أحمد زكي ينتمي لجيل مهم في تاريخ السينما المصرية ويقصد تحديدا على مستوى التمثيل وقال : جيل أحمد زكي يختلف في أسلوبه التمثيلي وتطويع أدواته عن الأجيال التي سبقته والتي تليه وهو من الفنانين القلائل في تاريخ السينما المصرية الذي وازن بين النوعية التجارية والفنية فقد قدم العديد من الأفلام الفنية ذات المستوى العالي جدا ونفس الحال في الأفلام التجارية, ولكن أنا شخصيا أفضله في الأفلام الاجتماعية.
مدرسة الانغماس
ورأى المخرج شريف عرفة... أن أحمد زكي ينتمي إلى مدرسة الانغماس التام في الشخصية الدرامية, وهذا في كثير من الأحيان يسبب له وللفيلم مشكلات حيث إن نسبة الاحتراف في أداء أحمد زكي بسيطة جدا فهو لا يدخل ولا يخرج من الشخصية الدرامية بسهولة, مشكلته أنه في كل مرة يتحول تماما إلى هذه الشخصية وهذا خطير لأن عدم وعيه هذا بموقعه الحقيقي كممثل قد يجعله يفقد السيطرة على الأداء.
واعتبر أن زكي هو الوجه الآخر لعدم سيطرة الممثل على شخصيته الأصلية لحساب الشخصية الدرامية, لكن المحصلة النهائية في أدائه أنه تلقائي بحيث لا يمكن أن يشك المشاهد في أن الذي يتحرك أمامه ليس سوى بواب عمارة أو قاتل من الصعيد أو عسكري في الأمن المركزي, وتلقائية أحمد. هو الذي يصنعها. يبحث عنها ويشكل تفاصيلها فهي تلقائية محسوبة وليست عشوائية.
زكي الأفضل
في حين اعتبر المخرج رأفت الميهي. أن أحمد زكي. أفضل ممثل في العالم العربي وقال : أحمد لا يستطيع أن يعيش إلا من خلال التمثيل - مثله مثل السمكة - التي لا تستطيع الحياة خارج المياه وهو أشبه بالحصان الجامح الذي يحتاج إلى جوكي بمعنى مخرج قوي يفهمه ليضبط أداءه ويخرج منه جواهر الأداء.
المخرج عادل أديب قال : أحمد زكي هو الذي منحني الفرصة الأولى لإخراج فيلمي الأول «هيستيريا» وأصر على وجودي في الفيلم حيث كان السيناريست محمد حلمي هلال ومنتجة الفيلم ناهد فريد شوقي يرفضان منذ اللحظة الأولى قيامي بإخراج الفيلم وكانا يضعان كل العراقيل التي يمكن تخيلها لي وقت التصوير وكان أحمد زكي يساندني بقوة ويقول لي دائما «اسكت واشتغل» لأنه كان يعرف ما يفعلانه جيدا.
ومن جهته، قال مدير التصوير سعيد شيمي: لم أحب فيلما من أفلامي كما أحببت «البريء» وربما هو أحب فيلم لكل العاملين به وقتها فهو يحمل شجنا خاصا لي وحبا حقيقيا في نفسي لا أعلم سره ولكن هذا الحب ظهر على الشاشة, فقد كان المخرج عاطف الطيب في أعظم حالاته الفنية تألقا.
وأتذكر أول يوم تصوير في الفيلم حين بدأنا العمل في إحدى القرى وأثناء أخذ لقطة للأم في الحقل. وهي تعمل مهمومة لمحت من بعيد - عسكريا - قادما, فقلت لعاطف: بص يا عاطف هذا العسكري. يكاد يكون مثل شخصية أحمد سبع الليل... في الفيلم ورويدا رويدا يقترب العسكري لنكتشف أنه أحمد سبع الليل... هو أحمد زكي، وقد تقمص الشخصية بشكل مذهل في المشية وحركة الجسم وضرب أرجله بالحذاء الميري في التراب.
وبالرغم من أنني صورت عددا من الأفلام لأحمد زكي قبل وبعد ذلك. إلا أنني أجده في هذا الفيلم قد تفوق على نفسه, وفي أي وقت أشاهد الفيلم. يزداد إعجابي فهو يتساوى إن لم يزد في عبقريته في التمثيل مع الممثل العالمي جاك نيكلسون.