عندما وقعت فاجعة حريق منزل الشيخ فيصل السعيد وأكلت النار كل شيء ومات على اثر الحادث زوجته وأبناؤه، لم يبق قلب انسان سمع بالحدث أو قرأ عنه إلا وتفطر حسرة وألماً وشفقة على المصاب العظيم الذي حلّ بالشيخ وعائلته، فإن التعاطف مع أهل البلاء والشعور بآلام المكروبين نزعة انسانية لا يخلو منها إلا من طرد من دائرة الآدمية!
أذكر وأنا أتابع مأساة الشيخ فيصل السعيد وأنا استفسر عماذا تستطيع ان تفعل الوزارة التي ينسب اليها الشيخ ويعمل فيها إماما، فأثلج صدري الاهتمام السريع والمباشر وتخطي اللوائح - لا بالمخالفة - ولكن بالمرونة المتاحة لمواساة هذه النكبة الانسانية، فالكل بذل قصارى جهده واستنفد ما بوسعه من صلاحيات لخدمة المصابين، ابتداء بوكيل الوزارة الدكتور عادل الفلاح ومرورا بالأخ وليد الشعيب رئيس قطاع المساجد والإخوة العاملين في هذا القطاع الذين قاموا بالمساهمة والسعي لتأمين الضروريات والبدائل للمصابين (كسكن بديل عاجل... إلخ) وقد كان وليد الشعيب يتابع ويحث على الانجاز بأكمل صورة وأسرعها لأن الحال لا تحتمل أي تأخير... وكذلك الامانة العامة للأوقاف في اللجنة الشرعية المنوط بها هذا الانجاز... وتوج كل هذا الاهتمام الشخصي لسمو أمير البلاد باستضافة الشيخ فيصل ومواساته ومصارحته بروح أبوية قائلا: يا ولدي أولادك كلهم سيعالجون في الخارج على حساب الدولة، واطلب ما بدا لك، فشكر الشيخ اهتمام سمو الأمير وقال له: الأوقاف لم تقصر وأنتم لم تقصروا... ذكرت هذه الحادثة الأليمة بسبب الفاجعة التي حلت بحريق الجهراء... لقد كتب الكاتبون وتكلم المسؤولون وعبر جميع الناس عن مشاعرهم، وتناولوا الموضوع سياسيا وقانونيا وأمنيا وإجرائيا ولم تبق زاوية لم تغط هذا الحدث العظيم، لكني أحب ان اشارك من جهة مدى اليقظة التي احدثها في نفوسنا هذا الحريق الهائل بنتائجه المدمرة.
في ظل ازدياد معدلات الثورات الطائفية والعرقية والمناطقية أطفأ الحريق هذه الثورات التي هي حريق اجتماعي ثقافي سياسي عقائدي لا يقل خطورة على المدى البعيد على المجتمع ومستقبله، لقد أنسانا الحريق - ولو لفترة - صراعاتنا المصطنعة التي يستثمرها الأنانيون أو المتشنجون الذين يقدمون بناء مجدهم الخاص على حساب الدولة.
واذا كان غزو العراق للكويت أنسانا خلاف الشعب مع الحكومة وتحقيق تصالح توافقي عام، وتنازلنا عن خصوصياتنا بأنواعها من الصالح العام وعودة البلاد، فإن في حريق الجهراء تذكيراً بالغزو وفرصة للبحث عن الحرائق العرقية والطائفية المبيتة للمواسم السياسية وللمساومة على حسابي وحسابك وحساب كل مواطن!!
* * *
سافرت الاثنين الى السعودية لتسجيل ما تبقى من حلقات رمضان لقناة «الراي» في مقابلة مع الطفل محمد بن عبدالرحمن الجبرين (شاعر المليون) في الطائف، ولقد عجبت من الاهتمام البالغ بحريق الجهراء من كل الناس ابتداء بمطار جدة ومرورا بمكة وانتهاء في الطائف، الكل يقول عظم الله أجركم في شهداء حريق الجهراء بمن في ذلك الطفل الشاعر - رابعة ابتدائي-... وأمس قرأت خبر اعتذار سفير المملكة العربية السعودية لدى الكويت الدكتور عبدالعزيز الفايز عن عدم استقبال المهنئين بحلول شهر رمضان المبارك وكذلك رواد ديوانيته خلال الشهر الفضيل مشاركة منه لأسر ضحايا حادثة الحريق في أحزانهم ومصابهم، هذه العواطف الصادقة والدافئة تدل على انها مجتمعات تراحمية علينا ان نؤكد عليها ونحرص على بقائها فهي رصيدنا في حياتنا وأُخرانا... وفي مثل هذه الايام المباركة أدعو كل مقتدر عنده طاقة أو جهد (معنوي أو مادي) عليه ان يشكر ربه ويبحث عن المنكوبين المكروبين ويمارس عبادة التراحم ومد يد العون للمحتاجين وما اكثرهم هنا قبل أي مكان آخر.


محمد العوضي