| جمال الغيطاني |
/> لأن علوم الأقدمين لم تكن تفسر الظواهر الطبيعية كلها لذلك ظهرت الأسطورة، ولأن الماضي لم يكن كله واضحا، معروفا، لذلك اختلطت الخرافة بالحقيقة، ومن هنا تطالعنا حكايات عديدة في مؤلفات الجغرافيين القدماء، كانت بالنسبة اليهم حقائق، ولكن مع الزمن، ومع تقدم العلوم، أصبحت بالنسبة لنا كأساطير الأولين، ومن أشهر المدن القديمة، ارم ذات العماد، وبالتأكيد فان ارم كان لها وجود.
/>اذ ورد ذكرها في القرآن الكريم: «ألم تر كيف فعل ربك بعاد، ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد...».
/>ولكن كتب الجغرافيا القديمة لم تحتفظ لنا بأوصاف محددة للمدينة، ولم يستطع الرحالة الوصول اليها، أو الدخول الى شوارعها، فيما عدا رجل واحد، له رواية تتناقلها مؤلفات الأقدمين، ولا يمكن لأي انسان أن يتأكد من صحتها.
/>يقول المؤرخ الشعبي في كتابه «سير الملوك» ان شداد بن عاد، ملك جميع الدنيا، وكان قومه ضخام الأجسام، أقوياء، حتى قيل في الأمثال أشد من عاد، وعندما قرر شداد أن يبني مدينة لا يوجد مثلها في العالم، أمر ألف رجل من قومه بالخروج الى الأرض الفسيحة، وأن يبحثوا عن منطقة واسعة، كثيرة الهواء، طيبة المياه، بعيدة عن الجبال، وقرر أن تكون جدرانها من ذهب، يقال ان رجاله قصدوا اليمن، وأنهم وصلوا الى جبل عدن، رأوا هناك أرضا واسعة، كثيرة العيون، طيبة الهواء، أعجبتهم الأرض.
/>كما أنها كانت تتطابق مع ما طلبه شداد بن عاد، أمروا المهندسين والبنائين فخطوا مدينة مربعة الشكل، طول كل ضلع عشرة فراسخ، حفروا الأساسات حتى وصلوا الى المياه، ثم بدأوا يشيدون البيوت والقصور بطوب من الذهب الخالص، وكان شداد قد استولى غصبا على ذهب الأرض كله حتى لم يبق منه شيء، بنى رجاله ثلاثمئة ألف قصر، في كل قصر ألف عمود من الزبرجد واليواقيت، معقود بالذهب، طول كل عمود مئة ذراع، ومد على الأعمدة ألواح الذهب والفضة، وزين الغرف باليواقيت والجواهر، وجعل الطرق كلها مرصوفة بالذهب، وحصا المدينة من الياقوت والزبرجد والزمرد، وزينت البيوت بأرق أنواع الفراش، ونادر الحرير، وجعلوا لها أربعة أبواب، ويوم الفراغ من بنائها جاء اليها الملك شداد بن عاد في ألف ألف جارية حسان عليهن أنواع الحلي والحلل، وآلاف من الخدم والحشم، عين ابنه مرشد بن شداد حاكماً عليها، وكان أكبر أولاده، واعقلهم سياسة وأحبهم الى الناس.
/>في لحظة تأهبه لدخولها جاءت صيحة من السماء فأهلكت شداد وقومه، خروا صرعى على وجوههم، واختفت المدينة عن عيون الناس، لكن ظل المسافرون في الصحراء يرون ليلا لمعان الذهب، واليواقيت، حتى اذا هموا وقصدوها لم يجدوا شيئا ورأوا ذلك الضوء في مكان آخر، لكن رجلا واحدا تمكن من دخولها.
/>رؤيا شاهد عيان
/>تقول مصادر الأقدمين ان اسمه عبدالله بن قلابة الأنصاري، وأنه خرج في طلب ابل له ضلت، فلايزال يقتفي آثارها حتى وصل الى جبل عدن، فظهر له سور مدينة ارم ذات العماد، رأى سورها يلمع ذهبا أحمر مرصعا بالياقوت، ورأى مآذنها من ذهب، دهش، وكلما اقترب منها ازداد تعجبه، قصد بابا من أبوابها، وأمامه أناخ ناقته، ودخل الباب فرأى تلك القصور والأنهار والأشجار ولم ير في المدينة أحدا، تعجب مما رأى، وقرر أن يرجع ليخبر الخليفة معاوية بما رأى، أخذ معه شيئا من جواهر المدينة في وعاء كان معه، علَّم على الأبواب علامات، وحدد مكانها بالنسبة لجبل عدن، وفي دمشق دخل على الخليفة معاوية، وقص عليه ما رأى.
/>أصغى اليه معاوية وسأله ساخرا: هل رأيت تلك المدينة في النوم؟!
/>قال: انما رأيتها في اليقظة وقد أخذت من حصبائها...
/>قدم الى معاوية أنواع الجواهر التي حملها معه، كذلك الكافور، والمسك، والزعفران، تعجب معاوية من ذلك، قال: لقد رأيت عجبا، أرسل معاوية الى كعب الأحبار رضي الله عنه، فلما قدم عليه سلم وجلس فرد السلام.
/>قال معاوية: يا أبا اسحق هل بلغك أن في الدنيا مدينة من ذهب؟
/>قال كعب الأحبار: نعم يا أمير المؤمنين، وقد ذكرها الله عز وجل لموسى بن عمران عليه السلام، وجاء ذكرها في القرآن الكريم اذ قال عز من قائل «ألم تر كيف فعل ربك بعاد، ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد»... وقد أخفاها الله عن أعين الناس...».
/>ويقال ان القوم سعوا الى ارم للوصول الى ذهبها ومجوهراتها، ولكن كل من قصد جبل عدن لم ير منها الا بريقها الذي يلمع، وسرعان ما يختفي عن الأبصار.
/>جزيرة تظهر وتغيب
/>يقول المسعودي في أخبار الزمان:
/>«وفي البحر المحيط جزيرة تظهر ستة أشهر وتغيب ستة أشهر بكل من فيها، وتعود الى هيئتها».
/>وفي أخبار الزمان أيضا يذكر المسعودي جزر المحيط التي تظهر وتغيب، وقلاع صغيرة تطفو أحيانا من القاع الى السطح ثم تختفي، ولكن ثمة وسيلة لرؤية احدى تلك الجزر، يقول المسعودي:
/>«وفي البحر الكبير جزيرة ترى على البعد في البحر، فاذا قرب منها القاصد بعدت عنه وغابت، فاذا رجع الى الموضع الذي كان فيه رآها كما كان يراها قبل، وقيل ان بها شجرا يطلع بطلوع الشمس، ولايزال طالعا الى نصف النهار، ثم يعود الى الانحطاط حتى تغيب الشمس، ويقول البحريون ان في ذلك البحر سمكة صغيرة يقال لها السائل اذا حملها الانسان مع نفسه أبصر الجزيرة ولم تغب عنه ودخلها...».
/>هكذا... كانت المخيلة الانسانية تحاول أن تنفذ دائما عبر المجهول، فاذا لم تفسره أوجدت البديل من الخيال، وفي الأغلب الأعم يكون أجمل من الواقع وأكثر اثارة.
/>