من يزور المغرب هذه الأيام، في الذكرى العاشرة لاعتلاء الملك محمد السادس العرش، يكتشف بلداً مختلفاً مليئاً بالحياة والحيوية يتوق إلى اللحاق بكل ما هو حضاري في هذا العالم. يكتشف المرء قبل كل شيء بلداً متصالحاً مع نفسه تحول إلى ورشة بناء ضخمة تأخذ في الاعتبار المرأة، والتنمية المتوازنة بين المناطق، والمسائل المرتبطة بالبيئة، والحاجة المستمرة إلى الاستثمار في الإنسان والانفتاح على الخارج، خصوصاً أوروبا وأفريقيا. ولذلك لم يتردد محمد السادس في خطاب العرش في الحديث عن «معركة مصيرية» اسمها «الإصلاح القويم لنظام التربية والتعليم والتكوين». من يعي أهمية التربية والتعليم والتكوين والبرامج المتطورة والعصرية في كل المجالات لا يخاف على بلده من المستقبل. لا يمكن أن يكون هناك خوف من المستقبل لسبب في غاية البساطة عائد إلى أن المواطن المغربي سيكون قادراً على امتلاك سلاح العلم والمعرفة يواجه به العراقيل والتحديات المتنوعة المفروضة عليه.
هناك في المغرب ملك يعي تماماً أن لا تقدم على أي صعيد كان من دون إطار عام اسمه ثقافة التسامح. وحده ملك يمتلك ما يكفي من الجرأة يستطيع أن يتحدث في خطاب العرش عن ثقافة التسامح مؤكداً أنه: «مهما كان الطريق شاقاً وطويلاً، فأنه لن يزيدنا إلا اصراراً على المضي قدماً ببلادنا على درب التقدم، عمادنا في ذلك ثوابت وطنية راسخة لم نفتأ نتعهدها بالتجديد. وفي صدارة (الثوابت الوطنية الراسخة) وحدة الإسلام السني المالكي الذي نتقلد كأمير للمؤمنين أمانة تحديث صرحه المؤسسي وفضائه العلمي. غايتنا تحصين اعتداله وتسامحه من التطرف والانغلاق، وترسيخ تعايش عقيدتنا السمحة مع مختلف الديانات والثقافات».
ثقافة التسامح هي الإطار العام للتحرك المغربي. إنه الإطار الذي يسمح بتحقيق العدالة بين المواطنين والسير في اتجاه إيجاد تنمية شاملة من دون تمييز بين منطقة وأخرى ومواطن وآخر. أعطى محمد السادس نفسه مثلاً على التسامح عندما قلد في مناسبة الاحتفال بذكرى اعتلائه العرش الحاخام الأكبر في المغرب أعلى الأوسمة في المملكة. أكد أن الكلام عن التسامح ليس مجرد كلام، وأن كل مواطن مغربي يتمتع بكل الحقوق والواجبات أياً تكن ديانته أو المنطقة التي ينتمي إليها.
يتطلع المغرب في عهد محمد السادس إلى المستقبل. لا يزال لدى الملك مستشار ينتمي إلى الطائفة اليهودية هو أندريه أزولاي الذي كان أيضا مستشاراً للملك الحسن الثاني، رحمه الله، وهذا لا يؤكد أن ثقافة التسامح والعيش المشترك مترسخة في المغرب فحسب، بل يظهر أيضاً أن في المغرب من يسعى فعلاً إلى مقاومة ثقافة العنف، والعنصرية، والكراهية للآخر التي ينادي بها اليمين الإسرائيلي عبر حكومة بنيامين نتنياهو المصرة على أن يكون الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. سيسهل ذلك على الحكومة اليمينية التخلص من عرب 1948 الذين تمسكوا بأرضهم بعد قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين. التسامح، كما يمارسه المغرب، فكر مقاوم لأي نزعة عنصرية أو مذهبية متزمتة في المنطقة أكان مصدرها إسرائيل، أو إيران، أو أي بلد آخر بعيد أو قريب... انها المقاومة الحقيقية لأي فكر متخلف وليست المقاومة التي تمارس عبر الشعارات الفارغة التي لا تخدم في نهاية المطاف سوى المروجين للتطرف والإرهاب بكل أشكالهما، بما في ذلك إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل.
في عشرة أعوام، أعاد المغرب ترتيب أوضاعه الداخلية أولاً. لم يشغله ذلك عن الاهتمام ببناء المغرب العربي على أسس سليمة. ولهذا السبب طرح الحل الواقعي الوحيد لقضية معقدة اسمها الصحراء. هذا الحل اسمه الحكم الذاتي. وما يؤكد النية الجدية للمغرب في الذهاب بعيداً في الحكم الذاتي للصحراء قرار العاهل المغربي القاضي بأن تكون هناك لجنة استشارية للجهوية، أي للا مركزية. وقال في هذا الصدد اننا سندعو اللجنة إلى: «التفكير المعمق في جعل أقاليمنا الجنوبية نموذجاً للجهوية المتقدمة بما يعزز تدبيرها الديموقراطي لشؤونها المحلية ويؤهلها للمارسة صلاحيات أوسع».
لا وجود لحل آخر في الصحراء، التي هي تاريخياً جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، غير حل الحكم الذاتي الموسع. القضية ليست قضية مغربية- صحراوية بمقدار ما أنها نزاع من اختراع جزائري يندرج في سياق حرب استنزاف للمغرب عن طريق الاستثمار في عملية لا هدف لها سوى منع المملكة من تحقيق طموحاتها على صعيد التنمية الداخلية. على من يحتاج إلى دليل دامغ على ذلك، ان يطرح على نفسه سؤالاً في غاية البساطة: لماذا الإصرار الجزائري على إغلاق الحدود مع المغرب منذ العام 1994، أوليس إغلاق الحدود امتداداً للحرب المقنعة التي تشنها جبهة «بوليساريو» على المغرب. ما لم تفهمه الجزائر، أو على الأصح النظام فيها، ان طريقة تعاطيها مع قضية الصحراء تنتمي إلى تفكير قديم أكل الدهر عليه وشرب. فالابتزاز لا يمكن أن يشكل سياسة ولا يؤمن دوراص إقليمياً. من الأفضل للنظام الجزائري الذي لم يستفد من تجارب الماضي القريب، بما في ذلك الحرب الأهلية الطويلة التي بدأت في العام 1988 ولا تزال مستمرة إلى الآن، أن عليه الاهتمام بكيفية مواجهة الإرهاب والتطرف، والاستثمار في التنمية بدل التركيز على البحث عن دور ما على الصعيد الإقليمي عبر ما يسمى جبهة «بوليساريو».
من الدار البيضاء، إلى طنجة وتطوان، مروراً بالرباط وصولاً إلى فاس ومراكش والعيون وأقصى الجنوب، تتقدم القافلة المغربية بثبات. إنها قافلة التقدم والتطور في مملكة التسامح. تحت مظلة التسامح يتصدى المغرب للفقر والتخلف والإرهاب ويتابع انفتاحه في اتجاه أوروبا الواقعة على الضفة الأخرى من المتوسط، وفي اتجاه أفريقيا التي تشكل عمقاً للمغرب. في عشرة أعوام، تغيّر المغرب كثيراً على الرغم من حرب الاستنزاف التي تشنها عليه الجزائر. لم تمنعه هذه الحرب من أن يكون أكثر إنسانية وأكثر ديموقراطية وأكثر ازدهاراً... وأكثر تمسكاً بثقافة الحياة والفرح. لم تمنعه خصوصاً من متابعة الحرب على الفقر، والبحث عن حلول بدل السعي إلى افتعال المشاكل للآخرين بحثاً عن وهم الدور الإقليمي.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
هناك في المغرب ملك يعي تماماً أن لا تقدم على أي صعيد كان من دون إطار عام اسمه ثقافة التسامح. وحده ملك يمتلك ما يكفي من الجرأة يستطيع أن يتحدث في خطاب العرش عن ثقافة التسامح مؤكداً أنه: «مهما كان الطريق شاقاً وطويلاً، فأنه لن يزيدنا إلا اصراراً على المضي قدماً ببلادنا على درب التقدم، عمادنا في ذلك ثوابت وطنية راسخة لم نفتأ نتعهدها بالتجديد. وفي صدارة (الثوابت الوطنية الراسخة) وحدة الإسلام السني المالكي الذي نتقلد كأمير للمؤمنين أمانة تحديث صرحه المؤسسي وفضائه العلمي. غايتنا تحصين اعتداله وتسامحه من التطرف والانغلاق، وترسيخ تعايش عقيدتنا السمحة مع مختلف الديانات والثقافات».
ثقافة التسامح هي الإطار العام للتحرك المغربي. إنه الإطار الذي يسمح بتحقيق العدالة بين المواطنين والسير في اتجاه إيجاد تنمية شاملة من دون تمييز بين منطقة وأخرى ومواطن وآخر. أعطى محمد السادس نفسه مثلاً على التسامح عندما قلد في مناسبة الاحتفال بذكرى اعتلائه العرش الحاخام الأكبر في المغرب أعلى الأوسمة في المملكة. أكد أن الكلام عن التسامح ليس مجرد كلام، وأن كل مواطن مغربي يتمتع بكل الحقوق والواجبات أياً تكن ديانته أو المنطقة التي ينتمي إليها.
يتطلع المغرب في عهد محمد السادس إلى المستقبل. لا يزال لدى الملك مستشار ينتمي إلى الطائفة اليهودية هو أندريه أزولاي الذي كان أيضا مستشاراً للملك الحسن الثاني، رحمه الله، وهذا لا يؤكد أن ثقافة التسامح والعيش المشترك مترسخة في المغرب فحسب، بل يظهر أيضاً أن في المغرب من يسعى فعلاً إلى مقاومة ثقافة العنف، والعنصرية، والكراهية للآخر التي ينادي بها اليمين الإسرائيلي عبر حكومة بنيامين نتنياهو المصرة على أن يكون الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. سيسهل ذلك على الحكومة اليمينية التخلص من عرب 1948 الذين تمسكوا بأرضهم بعد قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين. التسامح، كما يمارسه المغرب، فكر مقاوم لأي نزعة عنصرية أو مذهبية متزمتة في المنطقة أكان مصدرها إسرائيل، أو إيران، أو أي بلد آخر بعيد أو قريب... انها المقاومة الحقيقية لأي فكر متخلف وليست المقاومة التي تمارس عبر الشعارات الفارغة التي لا تخدم في نهاية المطاف سوى المروجين للتطرف والإرهاب بكل أشكالهما، بما في ذلك إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل.
في عشرة أعوام، أعاد المغرب ترتيب أوضاعه الداخلية أولاً. لم يشغله ذلك عن الاهتمام ببناء المغرب العربي على أسس سليمة. ولهذا السبب طرح الحل الواقعي الوحيد لقضية معقدة اسمها الصحراء. هذا الحل اسمه الحكم الذاتي. وما يؤكد النية الجدية للمغرب في الذهاب بعيداً في الحكم الذاتي للصحراء قرار العاهل المغربي القاضي بأن تكون هناك لجنة استشارية للجهوية، أي للا مركزية. وقال في هذا الصدد اننا سندعو اللجنة إلى: «التفكير المعمق في جعل أقاليمنا الجنوبية نموذجاً للجهوية المتقدمة بما يعزز تدبيرها الديموقراطي لشؤونها المحلية ويؤهلها للمارسة صلاحيات أوسع».
لا وجود لحل آخر في الصحراء، التي هي تاريخياً جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، غير حل الحكم الذاتي الموسع. القضية ليست قضية مغربية- صحراوية بمقدار ما أنها نزاع من اختراع جزائري يندرج في سياق حرب استنزاف للمغرب عن طريق الاستثمار في عملية لا هدف لها سوى منع المملكة من تحقيق طموحاتها على صعيد التنمية الداخلية. على من يحتاج إلى دليل دامغ على ذلك، ان يطرح على نفسه سؤالاً في غاية البساطة: لماذا الإصرار الجزائري على إغلاق الحدود مع المغرب منذ العام 1994، أوليس إغلاق الحدود امتداداً للحرب المقنعة التي تشنها جبهة «بوليساريو» على المغرب. ما لم تفهمه الجزائر، أو على الأصح النظام فيها، ان طريقة تعاطيها مع قضية الصحراء تنتمي إلى تفكير قديم أكل الدهر عليه وشرب. فالابتزاز لا يمكن أن يشكل سياسة ولا يؤمن دوراص إقليمياً. من الأفضل للنظام الجزائري الذي لم يستفد من تجارب الماضي القريب، بما في ذلك الحرب الأهلية الطويلة التي بدأت في العام 1988 ولا تزال مستمرة إلى الآن، أن عليه الاهتمام بكيفية مواجهة الإرهاب والتطرف، والاستثمار في التنمية بدل التركيز على البحث عن دور ما على الصعيد الإقليمي عبر ما يسمى جبهة «بوليساريو».
من الدار البيضاء، إلى طنجة وتطوان، مروراً بالرباط وصولاً إلى فاس ومراكش والعيون وأقصى الجنوب، تتقدم القافلة المغربية بثبات. إنها قافلة التقدم والتطور في مملكة التسامح. تحت مظلة التسامح يتصدى المغرب للفقر والتخلف والإرهاب ويتابع انفتاحه في اتجاه أوروبا الواقعة على الضفة الأخرى من المتوسط، وفي اتجاه أفريقيا التي تشكل عمقاً للمغرب. في عشرة أعوام، تغيّر المغرب كثيراً على الرغم من حرب الاستنزاف التي تشنها عليه الجزائر. لم تمنعه هذه الحرب من أن يكون أكثر إنسانية وأكثر ديموقراطية وأكثر ازدهاراً... وأكثر تمسكاً بثقافة الحياة والفرح. لم تمنعه خصوصاً من متابعة الحرب على الفقر، والبحث عن حلول بدل السعي إلى افتعال المشاكل للآخرين بحثاً عن وهم الدور الإقليمي.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن