| * د. سعيد فهمي (المصري أفندي) |
/>كان قاعد على القهوة في حي من المناطق العشوائية... بياكل سندوتشات فول وكام حبة طعمية... وبيهضم بشاي تقيل ويبلع بشوية مية... ثم طلب من الجرسون طبق رز بالمهلبية... وراح يشوف مسرحية الجوكر الكوميدية... واللي وقف بطلها متقمصاً إحدى الشخصيات الهزلية... وبيصرخ بطريقة كلها سخرية... «الحمد لله... الحمد لله... ربنا خد مني كل حاجة واداني الصحة»...!! لتتعالى الضحكات من الجميع بصورة عفوية... هو ده كان حال «عبدربه» لما شاف المسرحية... لكن مش عارف ايه اللي حصل له لما سمع الجملة ديه... جسمه انتفض وقلبه ارتعش والأمور ما بقتش هيه...!! ايه اللي حصل ليك وايه يا «عبدربه» الحكاية... وايه اللي غيرك وأثر فيك ما تحكيلنا الرواية... واشمعنى الجملة ديه اللي شقلبتك وكأنها النهاية... ايه رأيك يا عبدربه تبدأ تحكي من البداية... «عبدربه» خد نفس عميق وشفنا الدموع في عنيه... وراح يفتكر زمان والكل قاعد حواليه... اللي بيواسيه واللي بيطبطب عليه...!! وعرفنا من كلامه إنه كان من أسرة بسيطة... بتقضي أيامها بالطول والعرض لكن كانت سعيدة...!! والأب كان ياعيني طول النهار والليل مشغول... كان بيغزل خيوط ويصنع حاجات كده على النول... يكد ويتعب ويادوب يعيشهم فول...!! وسبحان مغير الأحوال... تتبدل ظروف الناس من حال الى حال... وساعات بتحصل حاجات تنفع تتحكي في موال...!! واللي حصل انه نور المحبة اللي معشش في البيت انطفى... وخرج الأب في يوم الصبح وساب البيت واختفى...!! أتاري الراجل ياعيني كان في حياته مخنوق... مش قادر يشيل مسؤولية ولاده وحس إن عمره مسروق... العيشة كانت صعبة وكابسة على نفسه ياعيني مش قادر يفوق...!! «عبدربه» بقى خلاص مفيش عليه رقابة... مرت أيامه بطيئة فيها شيء من الرتابة... ولقى الدنيا بعد أبوه صعبة وحس كأنه في غابة...!! وراح هو التاني حاول يقلد أبوه... واتلم على أصحاب السوء اللي سيطروا عليه وغووه... هرب من الفقر والهم وراح مع اللي خطفوه...!! وفي يوم وليلة أصبح من أطفال الشوارع... اللي عايشين عيشة بوهيمية ولا حد ليهم رادع... بيمارسوا كل الرذائل ولا فيه ليهم مانع...!! ظاهرة أولاد الشوارع انتشرت بصورة مخيفة... سرقة واغتصاب وقتل وجرائم كتير فظيعة... والناس قاست وعانت من أفعالهم المريعة...!! كل ده والمسؤولين بالمشكلة مش حاسين... رغم انهم بخطورتها كانوا عارفين... لكن كالعادة مارسوا سياسة ودن من طين والتانية من عجين... لأنهم ببساطة لمصالح الناس مش فاضيين... وكفاية عليهم الاهتمام بالمؤتمرات ومصالح المحتكرين...!! لكن كانت هناك مافيا رهيبة... أصحابها مش من البشر ليها أفكار مريبة... راحت تهتم بأطفال الشوارع بصورة عجيبة وغريبة... وراحوا ينفذوا خطة من أفعال الشياطين... ونصبوا المكيدة على الأطفال المشردين... وأغروهم بشوية فلوس لأنهم كانوا متأكدين... إن مافيش أهالي ولا حكومة بيهم مهتمين... وإن الاطفال دي أكيد للمال محتاجين... لكن يا ترى ايه كانت فكرة الملاعين... ؟ الفكرة كانت استغلال الأطفال وسرقة أعضائهم البشرية... ياخدوها بتراب الفلوس ويبيعوها للأشخاص الثرية... سماسرة بني آدمين معدومة الآدمية... باعوا لحم الأطفال بصورة بشعة مزرية... الكلية بسعر وفص الرئة بأسعار تشجيعية... ومص دم الغلابة بالأحجام اللترية... وكل ده بيحصل على عينك ياتاجر في بعض المستشفيات الاستثمارية... بدون حساب ولا رقيب وبطريقة روتينية...!! «عبدربه» كان ضمن اللي باع كليته... ياعيني تحت بند العوز والحاجة بسهولة تمت سرقته... وماكنش حاسس بالمصيبة ولا كأنها قضيته...!! وفجأة شعر إن صحته بتتدهور بصورة رهيبة... ولاحظ أن هناك أعراض ظهرت عليه غريبة... الصحة بقت في النازل والحال بقى عدم... وخلاص مش نافع لوم أو أسف أو حتى ندم... وشعر وقتها أن كل شيء فيه جواه انهدم...!! «عبدربه» وغيره كانوا حصيلة ظروف خارجة عن الارادة... واهمال أهالي ومجتمع مقسوم عبيد وسادة...!! المجتمع سايب كدة فئة مش قليلة مشردين... موجودين في مناطق كتيرة لقمة سهلة للمفسدين... ومسؤولين عارفين حجم المشكلة وغفلانين... سايبين السماسرة واللي معاه شوية فلوس فيهم طمعانين... ينهشوا لحمهم حته حته بدم بارد مبسوطين... وفي الآخر دول حته من ولادنا لكن تقول لمين... بدل ما نعالج المشكلة نسيبها تكبر واحنا قاعدين مسطولين... هو ايه اللي رماهم على المر مش علشان محتاجين... ومافيش حد بيحل مشاكلهم يا عيني مهملين... وعارفين انهم في المجتمع أكيد مرفوضين ومنبوذين... وإن لحمهم بقى لحم رخيص حلال للأثرياء والمرتشين...!! «عبدربه» افتكر كل ده وهو بيشوف المسرحية... وحسس على جنبه يترحم على فص الرئة وكمان الكلية... وحط إيده في جيبه لقاه خالي من النقدية... راحت صحته وضاعت فلوسه وحياته المستقبلية... وشعر بغصة في حلقه لما حس إنه مالوش تمن ولا حتى ديه... ولما سمع البطل يحمد ربنا على الصحة في المسرحية الكوميدية... افتكر قسوة الظروف والمجتمع وكل اللي هربوا من المسؤولية... وإن ده نتيجة اهمال المجتمع لأمثاله وحرمانه من حقوقه الشرعية... تعليم وبيت ووظيفة وده مكتوب في كل الوثائق الدستورية... لكنه كلام على الورق تستفيد منه ناس وناس بمنتهى العنصرية... «عبدربه» افتكر كل ده ورجعت له ذكرياته في القضية... لكنه نسى كل حاجة وقعد يضحك بصورة كتير عصبية...!! والسؤال هو مين مسؤول عن هذه الظاهرة الخطيرة... وايه اللي خلى لحمنا رخيص بصورة كبيرة وحقيرة... ومين اللي باعنا جوة وبرة بطريقة مهينة...!!؟ هي دي قصة واحد من أولاد الشوارع اسمه «عبدربه»... وكل واحد يحسس على جسمه وان لقاه سليم يحمد ربه... وياخد باله على نفسه وان خسر حاجة ذنبه على جنبه... لانه عايش من غير كرامة أو حماية وده للاسف مش ذنبه...!! خلاص مافيش شيء في حياتنا بقى غالي ونفيس... كل القيم راحت حتى أعضائنا في السوبر ماركت تلاقيها بسعر بخيس... وتلاقي سماسرة وعصابات يبيعوها بدون ترخيص... يارب... مش كفايا علينا القهر والاحتكار وكمان لحمنا يبقى لحم رخيص...!!!
/>said_elmasryfahmy@hotmail.com
/>