|كتب عبد العزيز اليحيوح ورضا السناري|
لم يكن يخطر في بال شقيق حازم البريكان أنه سيعود من صلاة الظهر ليجده غارقاً في دمائه، منهياً حياته بيده بطلق ناري، ختم به رحلة قصيرة وحافلة بالنجاحات في عالم الأعمال، انتهت بدعوى قضائية ضده في الولايات المتحدة، بتهمة تحقيقه أرباحاً غير مشروعة من تداول بأسهم شركتين مدرجتين في نيويورك.
وكان للخبر وقع مفاجئ في أوساط المال والأعمال، لاسيما بين أصدقائه، خصوصاً وأنه بدا متماسكاً حتى مساء الأمس، بحسب ما روى بعض من تحدثوا إليه في اليومين الماضيين، على الرغم من التهم التي طالته بإشاعة أخبار غير صحيحة لتصعيد سهمي «تكسترون» و«هارمن»، والاستفادة من ارتفاعهما في واقعتين منفصلتين.
وعلى الرغم من ذيوع الخبر على نطاق واسع بأن الوفاة كانت انتحاراً فإن بياناً لوزارة الداخلية قال «انها لاتزال تجري عملية التحقيق في معرفة سبب وفاة الرئيس التنفيذي لشركة الراية للاستثمار حازم خالد البريكان الذي توفي أمس في منزله بمنطقة الروضة قرب العاصمة الكويت».
واكد البيان الذي بثته وكالة الانباء الكويتية (كونا) ان «الوزارة لم تصدر اي معلومة او تصريح حول اسباب وفاة البريكان حتى الانتهاء من التحري وجمع المعلومات اللازمة للوقوف على الاسباب الحقيقة لوفاته. واضاف ان الادارة العامة للادلة الجنائية والاجهزة الامنية المختصة الاخرى تقوم منذ تلقيها خبر الوفاة بتكثيف الجهود وتسخير كل الامكانات الامنية لكشف اسباب الوفاة».
وفي اتصال هاتفي بمكتبه في شركة الراية للاستثمار، قبل ذيوع خبر انتحاره، قيل لـ «الراي» إن البريكان لم يقصد مكتبه أمس، وأنه أبلغ من في الشركة أن لديه اجتماعات. أما في منزله، فكان الصوت المجيب يكتفي بالقول «ماكو إلا العافية» وينهي الاتصال.
وفي المعلومات الأولية أن شقيق الراحل كان قد وصل المنزل قبل أذان الظهر ووجده نائماً في سريره، وعندما عاد بعد أدائه الصلاة في المسجد المجاور فوجئ بغرفة أخيه حازم مشرعة، وهو داخلها غارقاً بدمائه، جراء طلق ناري من مسدس «بكرة» خلف أذنه.
وقال مصدر أمني لـ«الراي» إن بلاغاً ورد إلى عمليات وزارة الداخلية ظهر أمس من قبل مواطن يفيد عن وفاة شقيقه داخل غرفته في منزلهما الكائن في الروضة، فسارع رجال الأمن والمباحث والأدلة الجنائية إلى مكان البلاغ وتبين أن المواطن المتوفى هو حازم البريكان. وأضاف المصدر «إن الجثة أحيلت إلى الطب الشرعي للتأكد إن كانت الوفاة ناجمة عن انتحار أو شبهة جنائية. ومنعت قوات الامن دخول الصحافيين الى المنزل وتقوم بتطويقه، لكنها أكدت نبأ «انتحاره».
البيان الأخير
كان الرئيس التنفيذي لشركة الراية للاستثمار حازم البريكان قد أصدر بياناً بعد ظهر أول من أمس قال فيه ما حرفيته: «عطفا على الانباء التي تناولتها وسائل الاعلام بخصوص القضية التي وجهت من قبل هيئة سوق المال الاميركية ضد كل من: حازم البريكان، وبنك الخليج المتحد- البحرين، وشركة مشاريع الكويت الاستثمارية لادارة الاصول، وشركة الراية للاستثمار، اود ان أؤكد على سلامة موقفي القانوني، وقد تم تعيين مكتب للمحاماة في الولايات المتحدة الاميركية يتولى حاليا مراجعة القضية للوقوف على جميع الحقائق المتعلقة بتلك القضية والدفاع نيابة عني، وفيما يخص وسائل الاعلام فإنني احتفظ بحقي بالرد عليهم من خلال القانون، والعبرة في الامور تكمن في خواتيمها».
وكانت شركة الراية في بيانٍ صحافي ان مجلس إدارة الشركة يؤيد معاملات الرئيس التنفيذي للشركة؛ حيث لم تستفد الشركة ولم تحقق نفعا من المعاملات المذكورة.

من هو  حازم البريكان؟

يعد حازم البريكان (1972-2009) من الوجوه التنفيذية البارزة في قطاع الأعمال الكويتي، تلقى دراسته الجامعية في الولايات المتحدة الأميركية، وعمل في شركة الكويت الاستثمارية لإدارة الأصول «كامكو» في مجال إدارة محافظ الاستثمار الأجنبي، قبل أن يرأس اللجنة التأسيسية لشركة الراية للاستثمار، التي اجتذبت «سيتي غروب» كمساهم بنسبة 10 في المئة من رأسمالها.
تشير «رويترز» إلى أن في سيرته الذاتية ميدالية من الجيش الأميركي، لمشاركته في عمليات حرب تحرير الكويت.
تعد حادثة وفاة البريكان أول عملية انتحار في منطقة الخليج العربي بعد الأزمة المالية العالمية، والمفارقة أن أشد أشهر الأزمة وطأة لم تشهد أحداثاً مماثلة، في حين شهدت الدول المتقدمة الكثير من مثل تلك الأحداث.
 
في خواتيمها... «طلقة نار»

لم يكن في تصرفاته ما ينذر بأنه سينتحر بعد أذان الظهر. لا أحد يعرف بماذا كان يفكر وهو يمسك المسدس بيد ليفرغ الطلقة الأولى في يده الأخرى، ربما يكون ذلك آلمه، ربما كان منظر الدماء هاله. رهيبة تلك «الحياة الباقية» بين «الطلق» الأول والطلقة الأخيرة، لكنه كان مصمماً على أن «العبرة في الأمور تكمن في خواتيمها».
كان ذلك آخر الكلام بين الراحل حازم البريكان والصحافة. أنهى بيانه الأخير أول من أمس بالقول «إنني احتفظ بحقي بالرد عليهم من خلال القانون، والعبرة في الأمور تكمن في خواتيمها». ومن يعرف البريكان يدرك أنه هو من صاغ البيان الأخير. لعله قصد بالخواتيم تلك «الطلقة» الخاتمة.
بات الراحل بين يدي رحمة ربه، وليس الآن مجال المراجعة أو المحاسبة، لكن ما بينه وبين الصحافة والأسهم يثير شجوناً لمن تركهم خلفه. لا يمكن للرجل بما له وبما عليه إلا أن يترك في نفس من يعرفه أثراً. يأتي صوته عبر الهاتف الأرضي خافتاً مهذباً وسريعاً، يخلط عربيته الفصيحة بكثير من الإنكليزية التي تشهد «رويتز» أنها «بلا عيوب» (Impeccable). لا يمكن للرجل إلا أن يثير إعجاباً بذكائه ومعرفته وتفوقه في عمله، وإلا لما كان تبوأ ما تبوأه من مراكز في ريعان الشباب.
يتبرع بالخبر؟ ربما ليس تماماً. لقد كان عالقاً في لعبة الصحافة، بقدر ما كان عالقاً في لعبة الأسهم. يصيغ الأخبار والتحليلات بلغة عربية قلما يخطئ فيها، ويختار عباراته بدقة من يختار أسهمه ويصوبها.
لم يكن ليدور في خلد أحد أن تسريب خبر يمكن أن يخلف كل هذا الألم. كثيرون في الكويت يعرفون كيف يمكن لخبر أن يدر أرباحاً أو أن يؤذي أو يقصي مسؤولاً عن عمله، لكن أقله في الكويت، لا يُعرف رجل أنهى حياته بسبب تسريب خبر. ربما لأن «التسريب» أقل خطورة هنا، وربما لأن من يقومون بذلك لا يدركون كم أن الخبر «سريع الاشتعال».
كم خطير أن تودي لعبة الصحافة بمحترف في لعبة الأسهم؟
ذاك درس «عام» للكويت وبورصتها ومحترفي الأسهم فيها كما محترفي الصحافة، تركه البريكان يتردد من صدى «الطلقة» - «العبرة»، لعلها تكون الأخيرة. أما في «الخاص»، فلا تترك «رصاصة» البريكان مناصاً من استذكار «سهم» المتنبي القائل «وما أنا غير سهم في هواء/ يعود ولم يجد فيه امتساكاً...»
كل العزاء لأهله.

عبادة أحمد