ليس ما يشير إلى أن الشرق الأوسط سيكون في السنة 2008 في وضع أهدأ مما كان عليه في السنة التي تشارف على نهايتها. التطور الوحيد الذي يمكن الرهان عليه التحسن الذي شهده العراق، وهو تحسن يمكن أن تكون له انعكاساته على المنطقة ككل في حال تبين أنه حقيقي وفي العمق. لكن العراق، حيث التحسن مشكوك به، يظل استثناء. لا بد من الاعتراف الصريح بأن التدهور في كل مكان، وهو من النوع الذي لا حدود له، أكان ذلك في باكستان أو أفغانستان... أو في المشرق العربي، خصوصاً في لبنان وفلسطين.ما يخيف في الوضع العراقي أنه لا حلول سياسية في الأفق. حتى لو كان هناك تحسن فعلي على الصعيد الأمني، لا يزال الحوار السياسي الداخلي في طريق مسدود. ليس ما يشير إلى وجود نية حقيقية لدى الأحزاب الشيعية الكبيرة في التخلي عن ميليشياتها، كما ليس ما يدل، أقله إلى الآن، على رغبة في مصالحة وطنية حقيقية تضع حداً للشرخ الذي يعاني منه المجتمع العراقي، والذي أدى إلى تهجير ما يزيد على مليوني عراقي من العراق وعدد مماثل من منطقة إلى منطقة أخرى داخل البلد أو من حي إلى حي آخر داخل بغداد نفسها. هناك كلام أميركي مدعوم بالأرقام عن خفض لأعمال العنف في مختلف أنحاء العراق. يرافق هذا الكلام حديث عن وقوف المواطنين السنة في وجه الإرهاب الذي تمثله «القاعدة» وعن عودة المواطنين إلى الخروج من منازلهم في بغداد. في المقابل هناك غير تحقيق نشرته الصحف الأميركية عن عشرات آلاف المنازل المحتلة في العاصمة العراقية وعن توقف التهجير والتهجير المضاد، لأن الميليشيات الشيعية لم تعد تجد سنة في استطاعتها تهجيرهم، كما أن الإرهابيين السنة لم يعد في مقدورهم تهجير مزيد من العائلات الشيعية من أحياء كانت في الماضي القريب مختلطة.في حال وضعنا جانباً العراق، حيث تبدو الأوضاع ملتبسة، لا مكان آخر يمكن الحديث فيه عن إنجاز ما حققته الإدارة الأميركية. في فلسطين، تبدو الحكومة الإسرائيلية على استعداد للذهاب بعيداً في إحباط أي تسوية تستند إلى قيام دولة فلسطينية «قابلة للحياة» إلى جانب دولة إسرائيل. من الواضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لم يحسم بعد خياراته، رغم الجهود كلها التي بذلتها الإدارة الأميركية، بما في ذلك انعقاد مؤتمر أنابوليس. أكثر من ذلك، يمكن القول في ضوء استمرار الاستيطان في القدس ومحيطها أن أولمرت مازال يراهن على الوقت لتكريس الاحتلال وخلق أمر واقع جديد على الأرض.وفي لبنان، ليس ما يشير إلى أن المحور الإيراني ـ السوري على استعداد للسماح بانتخاب رئيس جديد للجمهورية في حال لم تلب مطالب معينة تهم المحور. في مقدم المطالب، إلى جانب بقاء لبنان مجرد «ساحة» للمحور المذكور، تقييد الرئيس الجديد بغية منعه من الإقدام على أي خطوة تحصن لبنان والنظام الديموقراطي فيه وتؤمن التغطية اللبنانية اللازمة لاستمرار عمل المحكمة الدولية التي ستنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والشهداء الآخرين من سمير قصير إلى اللواء فرنسوا الحاج مدير العمليات في الجيش اللبناني. من العراق، إلى فلسطين، إلى لبنان، هناك مسؤولية تتحملها إدارة أميركية يتبين كل يوم أنها لا تعرف شيئاً عن المنطقة. إنها إدارة غير قادرة على فهم تعقيدات الشرق الأوسط من قريب أو بعيد. وفي حال كان مطلوباً التأكد من أن الشرق الأوسط الكبير، الممتد من أفغانستان إلى موريتانيا، مقبل على سنة سيئة أخرى في غاية الخطورة، يكفي النظر إلى الوضع في أفغانستان وباكستان. لا دليل على أن أفغانستان سترتاح قريباً. ولا دليل على أن باكستان مقبلة على نقلة نوعية في اتجاه تحولها إلى دولة مشاركة في الحرب على الإرهاب. على العكس من ذلك، يبدو أن باكستان تغرق أكثر فأكثر في دوامة الإرهاب وأن قدرتها على أن تكون قاعدة تستخدم لشن عمليات على الإرهابيين في أفغانستان أقل من محدودة، حتى لا نقول معدومة. وبعد ما يزيد على ست سنوات على إسقاط نظام «طالبان» في أفغانستان، يظهر أن الحركة الظلامية استعادت قواها ولم يعد نشاطها مقتصراً على الأراضي الأفغانية، بل صار لها دور مؤثر في باكستان نفسها. صارت «طالبان» هي التي تتحكم بالوضع الباكستاني وليس العكس، وذلك عبر القبائل الحدودية التي تعتبر نفسها جزءاً منها.بعد سنة تنتهي ولاية الرئيس بوش الإبن. إذا كان هدف الإدارة تفتيت المنطقة تمهيداً لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، يمكن القول إنها نجحت في ذلك. أما إذا كان الهدف النهائي تكريس الاستقرار في المنطقة، تكون الحاجة في هذه الحال إلى أفعال وليس إلى مجرد كلام من نوع الحديث عن التقدم الذي تحقق في العراق أو الدعم الشفهي لثورة الأرز في لبنان ولدعاة تكريس السيادة والاستقلال، بعيداً عن الهيمنة الإيرانية - السورية. الكلام الجميل شيء والأفعال شيء آخر. الكلام لا يوحد العراق ولا يعيده دولة مستقلة خالية من النفوذ الإيراني وغير الإيراني. الكلام وحده لا يهزم الإرهاب في أفغانستان وباكستان ولا أطماع المحور الإيراني - السوري في لبنان ولا الإصرار الإسرائيلي على التشبث بالاحتلال في فلسطين. هل ينتقل بوش الإبن في السنة 2008 إلى الأفعال... أم يترك الشرق الأوسط للذين يفعلون على الأرض ويخلقون وقائع جديدة عليها؟
خيرالله خيرالله كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن