«وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» (الإسراء - 16)، صدق الله العظيم.يتحدث القرآن الكريم، هذا الكتاب المُعْجِز العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، في هذه الآية الشريفة عن سُنَّة من سنن الكون، فالكلام في الآية شامل واسع لا يخص مجتمعاً إنسانياً محدداً، فهو يحدد إحدى السنن التي لا يستوعبها «المترفون» أثناء انشغالهم بـ «سَكْرة» الظلم من أجل الاستحواذ، الظلم من أجل ما يظنونه تضييقا للخناق على المستضعفين، بينما هو في واقع الأمر تضييق للخناق على «الجميع»، تضييق للخناق على المستضعفين، وعلى مَن يظنون بأنهم لا علاقة لهم بما يدور حولهم من جرائم ضد الإنسانية، وأخيراً هو تضييق مؤكد للخناق على أولئك الظالمين أنفسهم، فالآية، إن كان يؤمن بها بعض الظالمين في الحكومة، وبعض الظالمين من إسلاميي مجلس الأمة الكويتي، وليبرالييه، فإن القرآن الكريم يقولها في شكل مباشر واضح بأن السحر سينقلب على الساحر نفسه، وكذلك على مَن يظنون بأنهم لا علاقة لهم بشيء، وعلى المستضعفين، إذ تتحدث الآية الشريفة عن مآل القرية التي يُمارِس فيها المترفون الظلم إلى التدمير الحتمي، وبأسلوب مغلَّظ من الناحية اللغوية: «فدمرناها تدميرا».ومن اللافت في الآية الكريمة ذاتها، أن القرآن لا يتحدث في هذه الآية عن فئة محددة من الظالمين، ولكنها تتحدث عن «شريحة عَرْضِيَّة» من الظالمين قد تشمل صنوفاً مختلفة ممن يمارسون الظلم، وتلك الشريحة العرضية التي تتكون من فئات اجتماعية مختلفة، إنما تجمعها «صفة واحدة» وهي أنهم من «المترفين».ونحن نلاحظ، من واقع الحياة، أن الناس ينفرزون على الأساس الاقتصادي أيضاً، فالمترفون فيهم أناس من كل الفئات والشرائح المجتمعية، ففيهم مَن يسمون أنفسهم بالإسلاميين، مع أنهم متورطون في محاربة المستضعفين الذين يدافع عنهم القرآن الكريم، كما أن تلك الشريحة المترفة فيها من يعلنها، بكل صلف، بأن القرآن لا يصلح أن يكون مُوَجِّهاً للمجتمعات البشرية الحديثة، مع أن كل آية فيه تدعو إلى شكل من أشكال الفضائل الإنسانية التي ينصلح بها حال أي مجتمع إنساني، قديماً كان أم حديثاً.خلاصة القول أيها المؤمنون بآيات القرآن الكريم، لا تظلموا البدون، أعطوهم كل حقوقهم، سريعاً، أعطوهم جوازات مادة 17، لكي يتمكنوا من الحج إلى بيت الله الحرام، إن كان البيت العتيق يحظى بالاحترام الحقيقي في بواطن أنفسكم، أعطوهم سائر حقوقهم المدنية، لا تخربوا بيوتهم، فإنكم بذلك تحمون البدون، وتحمون السواد الأعظم من الكويتيين الذين لا يندرجون تحت يافطة الظالم ولا المظلوم، كما أنكم ستحمون أنفسكم، وتحمون «قريتنا العزيزة» كويتنا الغالية من عملية التدمير الإلهي التي إن حصلت نتيجة لممارسة المترفين للظلم، فسنغدو جميعاً مجرد حكاية تلوكها ألسنة أجيال من الناس... تأتي بعد زوالنا.
د. جلال محمد آل رشيد كاتب وأكاديمي كويتيdr_j_alrasheid@hotmail.com