ما يواجهه سعد الحريري الرئيس المكلف تشكيل الحكومة اللبنانية يتجاوز مسألة قيام حكومة لبنانية تؤمن بلبنان أولاً. ما يواجهه الحريري من مطالب لمنعه من تشكيل حكومة يندرج في سياق تأكيد أن الوضع في لبنان لا يزال غير طبيعي رغم نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، التي انتهت بانتصار كبير لقوى الرابع عشر من آذار. تحقق الانتصار، الذي كان يمكن أن يكون أكبر من ذلك بكثير، رغم الجهود التي بذلها المحور الإيراني- السوري لقلب الأوضاع في البلد لمصلحة قوى الثامن من آذار الموالية له. كان الهدف واضحاً كل الوضوح، كان مطلوباً حصول انقلاب في موازين القوى يؤدي إلى تغيير المعطيات على أرض الواقع، وتكريس لبنان رأس حربة للمحور الإيراني- السوري لا أكثر ولا أقل. رفض اللبنانيون مرة أخرى أن يكونوا مطية للآخرين، وأكدوا معنى المقاومة الحقيقية التي تستهدف المحافظة على عروبة لبنان، وعلى وجهه الحضاري في مواجهة المتاجرين بالعروبة. تلك رسالة الانتخابات التي أثبتت إلى أي حد هناك استعداد لبناني للمقاومة... مقاومة التخلف والغرائز المذهبية وكل ما له علاقة بالتطرف.
هل تقبل قوى الثامن من آذار نتيجة الانتخابات وتتصرف من منطلق أنها معارضة، أم تلجأ مجدداً إلى تعطيل الحياة السياسية في البلد تحت شعار المشاركة في السلطة، وأن الديموقراطية اللبنانية «ديموقراطية توافقية»، هل تستمر في محاولتها الانقلابية التي بدأت قبل ظهور تسمية الثامن من آذار عندما فرض النظام السوري بالقوة التمديد للرئيس أميل لحود في خريف العام 2004؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يطرح نفسه بعد الانتخابات. يطرح هذا السؤال نفسه لسبب في غاية البساطة يعود إلى أن هناك في لبنان من يرفض الاعتراف بنتائج الانتخابات. كيف يمكن لطرف المشاركة في الانتخابات، أي انتخابات من أي نوع كان، في حال كان هدفه النهائي استخدام النتائج في خدمة مشروع معين بدل الرضوخ لرغبات الشعب وخياراته، والاعتراف بأن مشروعه سقط نظراً إلى أن الانتخابات في مصلحته؟ كل ما على الخاسر في الانتخابات عمله هو الانتقال إلى المعارضة بدل المكابرة والتصرف بطريقة توحي أنه لا يمكن أن يقبل خسارة الانتخابات، وأن سلاحه أقوى من صناديق الاقتراع، وأنه الحكم النهائي في كل القضايا الصغيرة والكبيرة، أي أنه الوصي على الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
هناك ما هو أبعد من نتائج الانتخابات اللبنانية. هناك خيار لبناني. قال اللبنانيون كلمتهم. قالوا بالفم الملآن أنهم مع قيام الدولة اللبنانية وضد الدويلة القائمة داخل الدولة. قالوا إنهم يرفضون كل سلاح خارج سلاح الشرعية اللبنانية، وأنهم يقفون مع المؤسسات التابعة للدولة وليس مع مؤسسات الدويلة التي تعتبر نفسها أقوى من الدولة اللبنانية. وفي حال كان مطلوباً اختصار نتائج الانتخابات بعبارة واحدة، يمكن القول إن اللبنانيين صوتوا مع القرار الرقم «1701» الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في شهر أغسطس من العام 2006، أي قبل ثلاثة أعوام ناقص شهر واحد. كل ما يريده اللبنانيون هو وقف المتاجرة ببلدهم وبهم. تلك هي الرسالة التي أرادوا إيصالها عبر انتخابات السابع من يونيو الماضي. أراد اللبنانيون القول إن من حقهم أن يعيشوا بأمان في وطنهم بعيداً عن الشعارات والمزايدات. من يريد تحرير مزارع شبعا، عليه أن يطالب دمشق بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة تؤكد أن المزارع أراض لبنانية وليست أراضي سورية احتلتها إسرائيل في العام 1967، وتنطبق عليها بنود قرار مجلس الأمن الرقم «242». من يريد الحديث عن مقاومة يمارسها «حزب الله» انطلاقاً من لبنان، والجنوب اللبناني تحديداً، عليه أن يسأل الحزب هل هو ضد القرار «1701» أم أنه يقف معه. القرار واضح لا لبس فيه ولا تفسيرات له... انه يوقف العمليات العسكرية بين إسرائيل و«حزب الله» ويقيم قوة دولية معززة في جنوب لبنان ويدعو إلى انتشار الجيش اللبناني في الجنوب. القوة الدولية المعززة صارت حقيقة، والجيش اللبناني انتشر في الجنوب للمرة الأولى منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً.
كل ما يريده لبنان هو السلام والطمأنينة له ولغيره، لبنان لا يريد أن يكون الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل. في حال كان هناك قرار عربي واضح وصريح بخوض حرب مع إسرائيل، لماذا لا يعلن ذلك ولماذا يترك لبنان وحده في مواجهة مع إسرائيل، ألم يكف اللبنانيين الدمار الذي حل بهم وبقراهم وبأهل الجنوب تحديداً منذ إجبار الوطن الصغير على قبول «اتفاق القاهرة» في العام 1969؟
كل ما أراد اللبنانيون قوله عبر الانتخابات أنهم شبعوا سلاحاً ومسلحين وميليشيات مذهبية على نسق ميليشيا «حزب الله» التي تعتقد أن في استطاعتها إخضاع السنة والدروز والمسيحيين على غرار ما فعلته مع أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. صارت الطائفة الشيعية في معظم قطاعاتها للأسف الشديد رهينة الحزب وسلاحه وقدرته على إقامة اقتصاد ريعي لا علاقة له بلبنان واللبنانيين وحيويتهم في كل المجالات. صارت هذه الطائفة خاضعة لمشيئة حزب لا يؤمن بثقافة الحياة التي أكد اللبنانيون تعلقهم بها من خلال التصويت لمرشحي الرابع عشر من آذار. تلك هي الرسالة التي وجهها اللبنانيون عبر صناديق الاقتراع إلى كل من يعنيه الأمر. لبنان يريد العيش بكرامة وليس تحت تهديد سلاح هذا الحزب أو ذاك أو هذه الطائفة أو تلك، لبنان دولة عربية ملتزمة القرارات العربية. هل يريد العرب الحرب أم السلام، من يريد الحرب وينادي بالمقاومة لماذا لا يفعل ذلك انطلاقاً من أرضه، لماذا لا تحلو له المقاومة إلا من لبنان؟ كان اللبنانيون صادقين مع أنفسهم. لماذا لا يكون العرب وغير العرب من مسؤولين سوريين وإيرانيين في المستوى نفسه من الصدق، أم أن المتاجرة بلبنان حلال وفتح جبهة الجولان حرام؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
هل تقبل قوى الثامن من آذار نتيجة الانتخابات وتتصرف من منطلق أنها معارضة، أم تلجأ مجدداً إلى تعطيل الحياة السياسية في البلد تحت شعار المشاركة في السلطة، وأن الديموقراطية اللبنانية «ديموقراطية توافقية»، هل تستمر في محاولتها الانقلابية التي بدأت قبل ظهور تسمية الثامن من آذار عندما فرض النظام السوري بالقوة التمديد للرئيس أميل لحود في خريف العام 2004؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يطرح نفسه بعد الانتخابات. يطرح هذا السؤال نفسه لسبب في غاية البساطة يعود إلى أن هناك في لبنان من يرفض الاعتراف بنتائج الانتخابات. كيف يمكن لطرف المشاركة في الانتخابات، أي انتخابات من أي نوع كان، في حال كان هدفه النهائي استخدام النتائج في خدمة مشروع معين بدل الرضوخ لرغبات الشعب وخياراته، والاعتراف بأن مشروعه سقط نظراً إلى أن الانتخابات في مصلحته؟ كل ما على الخاسر في الانتخابات عمله هو الانتقال إلى المعارضة بدل المكابرة والتصرف بطريقة توحي أنه لا يمكن أن يقبل خسارة الانتخابات، وأن سلاحه أقوى من صناديق الاقتراع، وأنه الحكم النهائي في كل القضايا الصغيرة والكبيرة، أي أنه الوصي على الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
هناك ما هو أبعد من نتائج الانتخابات اللبنانية. هناك خيار لبناني. قال اللبنانيون كلمتهم. قالوا بالفم الملآن أنهم مع قيام الدولة اللبنانية وضد الدويلة القائمة داخل الدولة. قالوا إنهم يرفضون كل سلاح خارج سلاح الشرعية اللبنانية، وأنهم يقفون مع المؤسسات التابعة للدولة وليس مع مؤسسات الدويلة التي تعتبر نفسها أقوى من الدولة اللبنانية. وفي حال كان مطلوباً اختصار نتائج الانتخابات بعبارة واحدة، يمكن القول إن اللبنانيين صوتوا مع القرار الرقم «1701» الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في شهر أغسطس من العام 2006، أي قبل ثلاثة أعوام ناقص شهر واحد. كل ما يريده اللبنانيون هو وقف المتاجرة ببلدهم وبهم. تلك هي الرسالة التي أرادوا إيصالها عبر انتخابات السابع من يونيو الماضي. أراد اللبنانيون القول إن من حقهم أن يعيشوا بأمان في وطنهم بعيداً عن الشعارات والمزايدات. من يريد تحرير مزارع شبعا، عليه أن يطالب دمشق بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة تؤكد أن المزارع أراض لبنانية وليست أراضي سورية احتلتها إسرائيل في العام 1967، وتنطبق عليها بنود قرار مجلس الأمن الرقم «242». من يريد الحديث عن مقاومة يمارسها «حزب الله» انطلاقاً من لبنان، والجنوب اللبناني تحديداً، عليه أن يسأل الحزب هل هو ضد القرار «1701» أم أنه يقف معه. القرار واضح لا لبس فيه ولا تفسيرات له... انه يوقف العمليات العسكرية بين إسرائيل و«حزب الله» ويقيم قوة دولية معززة في جنوب لبنان ويدعو إلى انتشار الجيش اللبناني في الجنوب. القوة الدولية المعززة صارت حقيقة، والجيش اللبناني انتشر في الجنوب للمرة الأولى منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً.
كل ما يريده لبنان هو السلام والطمأنينة له ولغيره، لبنان لا يريد أن يكون الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل. في حال كان هناك قرار عربي واضح وصريح بخوض حرب مع إسرائيل، لماذا لا يعلن ذلك ولماذا يترك لبنان وحده في مواجهة مع إسرائيل، ألم يكف اللبنانيين الدمار الذي حل بهم وبقراهم وبأهل الجنوب تحديداً منذ إجبار الوطن الصغير على قبول «اتفاق القاهرة» في العام 1969؟
كل ما أراد اللبنانيون قوله عبر الانتخابات أنهم شبعوا سلاحاً ومسلحين وميليشيات مذهبية على نسق ميليشيا «حزب الله» التي تعتقد أن في استطاعتها إخضاع السنة والدروز والمسيحيين على غرار ما فعلته مع أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. صارت الطائفة الشيعية في معظم قطاعاتها للأسف الشديد رهينة الحزب وسلاحه وقدرته على إقامة اقتصاد ريعي لا علاقة له بلبنان واللبنانيين وحيويتهم في كل المجالات. صارت هذه الطائفة خاضعة لمشيئة حزب لا يؤمن بثقافة الحياة التي أكد اللبنانيون تعلقهم بها من خلال التصويت لمرشحي الرابع عشر من آذار. تلك هي الرسالة التي وجهها اللبنانيون عبر صناديق الاقتراع إلى كل من يعنيه الأمر. لبنان يريد العيش بكرامة وليس تحت تهديد سلاح هذا الحزب أو ذاك أو هذه الطائفة أو تلك، لبنان دولة عربية ملتزمة القرارات العربية. هل يريد العرب الحرب أم السلام، من يريد الحرب وينادي بالمقاومة لماذا لا يفعل ذلك انطلاقاً من أرضه، لماذا لا تحلو له المقاومة إلا من لبنان؟ كان اللبنانيون صادقين مع أنفسهم. لماذا لا يكون العرب وغير العرب من مسؤولين سوريين وإيرانيين في المستوى نفسه من الصدق، أم أن المتاجرة بلبنان حلال وفتح جبهة الجولان حرام؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن