يبدو أن الأحداث السياسية المحلية لا تود أن تترك لأحد مجالاً لالتقاط الأنفاس، فالابتعاد عن البلاد واختلاف التوقيت بين الكويت والبلاد التي تحط عندها الرحال يجعلان من أحداثنا السياسية حلقة واحدة متصلة ما أن ينتهي حدث حتى يكون الآخر قد بدأ أو انتصف! لكن يبقى استجواب النائب مسلم البراك لوزير الداخلية وجلسة طرح الثقة المقبلة، هما الحدث الأبرز والأهم والأكثر سخونة! وليسمح لي النائب الفاضل مسلم البراك أن أطلق على استجوابه هذا وصف الاستجواب الغريب العجيب! فهو غريب وعجيب في أحداثه!
في هذا الاستجواب الغريب العجيب يصبح الاعتداء على المال العام أمرا بسيطا ومقبولا، ويمكن التعايش معه لدى بعض نواب الأمة، حتى وإن كان الوزير قد تجاهل أسئلة النواب على مدى عام كامل، ولم يقم بأي تحرك جدي للتحقيق في هذا التجاوز إلا بعدما دقت أجراس الاستجواب، وبدأ النائب البراك بطباعة صحيفة استجوابه!
وفي هذا الاستجواب الغريب العجيب يمكن لأي نائب، مثل النائب علي الراشد، أن يترك مادة الاستجواب ليهاجم المستجوب والقبائل ومراكز الهجانة وغيرها، فخمسة ملايين دينار كويتي لا تعني شيئاً بالنسبة إلى النائب بقدر ما تعنيه مراكز الهجانة التي لا علاقة لها بمحاور الاستجواب لا من قريب ولا من بعيد!
وفي هذا الاستجواب الغريب العجيب، يمكن لأي نائب، مثل الدكتورة سلوى الجسار، أن تنادي بالمزيد من الرقابة الحكومية على الشعب ونواب الشعب، وهي التي أقسمت قبل أيام قليلة بأن تذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله، فتركيب الكاميرات التي تنقل الأحداث بالصوت والصورة في أهم أماكن التعبير عن الأراء السياسية للشعب الكويتي، وهي ساحة الإرادة، وتوصيل هذه الكاميرات مباشرة إلى أجهزة أمن الدولة، لا يمكن اعتباره ترهيباً لهذا الشعب في عرف الدكتورة الفاضلة!
وفي هذا الاستجواب الغريب العجيب، يمكن للوزير أن يفشل في الرد على جميع التهم التي أوردها النائب المستجوب، وأن يخرج نائب آخر، مثل الدكتورة معصومة المبارك، لتصرح بأن الوزير نجح في الرد على جميع محاور الاستجواب، وكأنها قد تابعت استجواباً آخر غير الذي تابعناه! ففي استجوابنا الغريب العجيب، لم يرد الوزير على أسباب التأخر في تحويل ملف الخمسة ملايين دينار المعتدى عليها من المال العام إلى النيابة، ولم يبرر سبب تجاهله لأسئلة النواب على مدى عام كامل، ولم يبرر سبب تجاوزه لحكم المحكمة الدستورية في شأن أحد المرشحين، ولم يورد ما يمكن اعتباره تبريراً لكون ساحة إرادة الشعب الكويتي تقع تحت رقابة أمن الدولة صوتاً وصورة، بينما هو في الاستجواب الذي تتحدث عنه النائب الوزير السابقة قد نجح وتفوق على نفسه وواجه الآخرين بالحجة والمنطق، وهذا بالتأكيد في استجواب غير استجوابنا!
غالبية التوقعات تشير إلى أن وزير الداخلية سوف يعبر جلسة طرح الثقة المقبلة، ولكنه سيعبرها بشق الأنفس، وسوف يكتب في ملفه أن عدداً لا بأس به من نواب الأمة، يمثلون جزءاً لا يستهان به من أبناء هذا الوطن، يرون أنه لا يستحق الثقة في منصبه الحالي، ولكنه رغم ذلك سيبقى في منصبه، لأن وزيراً في حكومة يراقبها علي الراشد والدكتورتان سلوى ومعصومة، وشنو يعني إذا ضاعت خمسة ملايين دينار كويتي في عقود مشبوهة؟


سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
salasfoor@yahoo.com