سقط فكتور نوفورسكي في مطب لم يكن بالحسبان ولم يدر بخلده أبداً. فمع لحظة وصول طائرته الآتية من مسقط رأسه كاراكوزيا وحطت في مطار جون إف كيندي انقلبت الأوضاع في دولته واشتبكت المعارضة المسلحة بالحكومة لتندلع حرب أهلية تورط بسببها السيد نوفورسكي في مطار نيويورك لأن السلطات الرسمية في المطار منعته من دخول الأراضي الأميركية، كما منعته من العودة إلى دولته بسبب الحرب. ظل فكتور في المطار يأكل ويشرب وينام لمدة طويلة تعرف خلالها على الموظفين والمسافرين وشكّل على إثر ذلك جبهة احتجاج قوية أزعجت سلطات المطار!
قصة فيلم «The Terminal» ببطولة المبدع توم هانكس (فكتور نوفورسكي) ذكرتني بوضعية البدون عندنا ممن تورطوا بأوراق وثبوتيات عرقلة مسيرة حياتهم، فلا هم قادرون العيش كغيرهم وبصورة طبيعية بالبلد، ولا هم قادرون على إعادة عقارب الساعة حتى يشفع الزمان لهم. صحيح أن المشكلة بالنسبة إليهم قانونية والجنسية موضوع سيادي بيد الدولة ولا أحد غيرها، لكن المشكلة قبل أن تكون قانونية فهي إنسانية اجتماعية أخلاقية. فمشكلة البدون، وقبل أن يعانوا من ظلم القانون إياهم، هم أناس يعانون الفقر والمسكنة. لا أنكر بأن فيهم من يحمل غرض النهب والاحتيال، لكن تظل غالبيتهم ممن عشقوا الأرض وتفانوا بالإخلاص لها رغم قساوة العيش وذل ترفع الآخرين عليهم، مما أوقعهم في فخ ومصيدة فكتور نوفورسكي.
لا بأس لو نظرنا إلى المشكلة الانسانية من جانبها الفكري حتى نتفهم أن الموضوع أبعد مما نظن. دعني أسألك ما موقفك لو رأيت طفلاً يستنجدك من الغرق؟ فإن كنت تعرف السباحة ولم تكن ملتزماً بأمر أهم من إنقاذ حياة هذا الطفل، فإنك وبلا تردد ستسرع لإنقاذه. فعلك «البطولي» هذا من الخطأ الشنيع أن نحكم عليه بالـ«خيّر»، ولكننا نسميه بالـ«واجب الأخلاقي». فلو ترددت ومضيت لحال سبيلك وغرق الطفل من دون سبب كعدم معرفتك السباحة أو لالتزام آخر أوجب من الإنقاذ، لعاتبناك وشكوناك للمحكمة بسبب التقاعس عن إنقاذ الروح. فالموضوع هنا ليس فعلاً خيّراً لأن المسألة ارتبطت بإنقاذ روح كائن عاقل من الهلاك. فأهم ما في فعل الخير توافر الخيار بين الإقدام عليه أو تركه، وهذا ما لا نجده في الواجب الأخلاقي. فعند التخاذل والتقاعس عن التصدي للواجب الأخلاقي تكون الملامة أبسط درجات التأنيب وترتفع لتصل إلى حد المقاضاة والعقاب.
النتيجة من هذا الكلام أن إنقاذ إنسان من الهلاك ومده بالعون ليس بعمل متروك لخيار الإنسان، بل هو واجب أخلاقي تعلق برقبة كل من سمع أو رأى المحتاج. لهذا نقول إن مشكلة البدون إنسانية قبل أن تكون قانونية فهي أخلاقية، لأنهم أُهملوا وقسا عليهم المجتمع وتركهم فريسة للقانون ينهش من كرامتهم وإنسانيتهم فذاقوا وبال المرض والجوع، والواجب علينا، أكرر «الواجب» أن نحرك ساكن هذه الحال.
د. حسن عبدالله عباس
كاتب كويتي
hasabba@gmail.com
قصة فيلم «The Terminal» ببطولة المبدع توم هانكس (فكتور نوفورسكي) ذكرتني بوضعية البدون عندنا ممن تورطوا بأوراق وثبوتيات عرقلة مسيرة حياتهم، فلا هم قادرون العيش كغيرهم وبصورة طبيعية بالبلد، ولا هم قادرون على إعادة عقارب الساعة حتى يشفع الزمان لهم. صحيح أن المشكلة بالنسبة إليهم قانونية والجنسية موضوع سيادي بيد الدولة ولا أحد غيرها، لكن المشكلة قبل أن تكون قانونية فهي إنسانية اجتماعية أخلاقية. فمشكلة البدون، وقبل أن يعانوا من ظلم القانون إياهم، هم أناس يعانون الفقر والمسكنة. لا أنكر بأن فيهم من يحمل غرض النهب والاحتيال، لكن تظل غالبيتهم ممن عشقوا الأرض وتفانوا بالإخلاص لها رغم قساوة العيش وذل ترفع الآخرين عليهم، مما أوقعهم في فخ ومصيدة فكتور نوفورسكي.
لا بأس لو نظرنا إلى المشكلة الانسانية من جانبها الفكري حتى نتفهم أن الموضوع أبعد مما نظن. دعني أسألك ما موقفك لو رأيت طفلاً يستنجدك من الغرق؟ فإن كنت تعرف السباحة ولم تكن ملتزماً بأمر أهم من إنقاذ حياة هذا الطفل، فإنك وبلا تردد ستسرع لإنقاذه. فعلك «البطولي» هذا من الخطأ الشنيع أن نحكم عليه بالـ«خيّر»، ولكننا نسميه بالـ«واجب الأخلاقي». فلو ترددت ومضيت لحال سبيلك وغرق الطفل من دون سبب كعدم معرفتك السباحة أو لالتزام آخر أوجب من الإنقاذ، لعاتبناك وشكوناك للمحكمة بسبب التقاعس عن إنقاذ الروح. فالموضوع هنا ليس فعلاً خيّراً لأن المسألة ارتبطت بإنقاذ روح كائن عاقل من الهلاك. فأهم ما في فعل الخير توافر الخيار بين الإقدام عليه أو تركه، وهذا ما لا نجده في الواجب الأخلاقي. فعند التخاذل والتقاعس عن التصدي للواجب الأخلاقي تكون الملامة أبسط درجات التأنيب وترتفع لتصل إلى حد المقاضاة والعقاب.
النتيجة من هذا الكلام أن إنقاذ إنسان من الهلاك ومده بالعون ليس بعمل متروك لخيار الإنسان، بل هو واجب أخلاقي تعلق برقبة كل من سمع أو رأى المحتاج. لهذا نقول إن مشكلة البدون إنسانية قبل أن تكون قانونية فهي أخلاقية، لأنهم أُهملوا وقسا عليهم المجتمع وتركهم فريسة للقانون ينهش من كرامتهم وإنسانيتهم فذاقوا وبال المرض والجوع، والواجب علينا، أكرر «الواجب» أن نحرك ساكن هذه الحال.
د. حسن عبدالله عباس
كاتب كويتي
hasabba@gmail.com