فيما كان المبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشل يجول في المنطقة، زار السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ «حماس» القاهرة. توفر الزيارة مناسبة للقول مجدداً انه بدل اللف والدوران، والرهان على رفض إسرائيل لقيام دولة فلسطينية، يفترض في «حماس» التوقف عن التذاكي. التذاكي لا يقود سوى إلى تكريس الاحتلال للأرض الفلسطينية، وإلى القضاء على أي أمل، مهما كان ضعيفاً، في إقامة الدولة المستقلة التي عاصمتها القدس الشرقية، أقله في المدى المنظور. هل خدم الوقت يوماً الفلسطينيين، هل دخلوا يوماً المفاوضات في وضع كانوا فيه أفضل من الجولة السابقة؟ عليهم أن يطرحوا على أنفسهم هذا النوع من الأسئلة في حال كانوا يسعون بالفعل إلى إقامة كيان سياسي خاص بهم بدل التشدق بانتصارات وهمية مثل انتصار غزة الأخير.
الطريق إلى الدولة، أو إلى احتمال التخلص من الاحتلال، في غاية الوضوح. البداية تكون بالتوقف عن إطلاق تصريحات من نوع تلك التي يطلقها من القاهرة السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ «حماس»، وهي تصريحات لا تقدم ولا تؤخر على الرغم من تغليفها بعبارات من نوع أن «حماس» ستدعم مشروع الدولة الفلسطينية، وأنها «لن تكون عقبة» في طريق قيام الدولة.
من يريد دعم قيام الدولة الفلسطينية بالفعل لا يقيم «إمارة إسلامية» على الطريقة الطالبانية في غزة. بدل الاصرار على التمسك بمثل هذه الإمارة، التي لا تخدم سوى إسرائيل، والعمل في الوقت ذاته على نشر البؤس في القطاع بهدف تطويع المجتمع الفلسطيني، وتغيير طبيعة المجتمع، يفترض بـ «حماس» الاستفادة من تجارب الماضي القريب. ان الاستفادة من هذه التجارب تبدأ بالبحث جدياً في ما آلت إليه أحوال القطاع في ضوء الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل بعدما أعلن مشعل بنفسه انتهاء الهدنة، أو التهدئة. أين الصواريخ التي كانت «حماس» تطلقها والتي كانت تسمى «مقاومة»، كيف ساهمت هذه الصواريخ في تحرير فلسطين... أم أن الهدف الحقيقي من وراء حرب غزة كان إحراج مصر لا أكثر ولا أقل؟ مصر نفسها التي يزورها رئيس المكتب السياسي لـ «حماس» هذه المرة من أجل الحديث بشكل إيجابي عن مصالحة فلسطينية، أو عن تسهيل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
مرة أخرى. لا مكان للتذاكي هذه الأيام، ولا مكان للاتكال على تطرف إسرائيل ومعارضة حكومة بنيامين نتانياهو خيار الدولتين، وتمسكها بالمستعمرات المقامة في الضفة الغربية. هناك مشروع سياسي فلسطيني واحد وحيد قابل للحياة. هذا المشروع اسمه البرنامج السياسي لـ «منظمة التحرير الفلسطينية». لا مرجعية أخرى للسلطة الوطنية الفلسطينية سوى «منظمة التحرير الفلسطينية»، ولا برنامج سياسياً آخر يقبل به المجتمع الدولي سوى برنامج «منظمة التحرير الفلسطينية». على الفلسطينيين أن يخوضوا معركة الدولة المستقلة يداً واحدة بعيداً عن الحسابات الخاصة بحركة مثل «حماس» يبدو واضحاً أنها تفضل حكم قطاع غزة على زوال الاحتلال عن الضفة الغربية. في النهاية، يتبين يومياً أن الضفة الغربية ليست غزة، وأن أهل الضفة يرفضون بشكل قاطع أي محاولة لنقل تجربة غزة إلى مدنهم وقراهم. لذلك نراهم يتصدون بحزم وقوة لأي محاولات تقوم بها «حماس» لإثارة الفتنة كما حصل أخيراً في قلقيلية. هذا ليس وقت المزايدات بمقدار ما أنه وقت العمل من أجل إثبات قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على المحافظة على الأمن في المناطق التي تقع تحت سيطرتها. هذا الوقت هو وقت دعم السيد محمود عبّاس (أبو مازن) رئيس السلطة الوطنية في جهوده الهادفة إلى تأكيد أن الفلسطينيين شركاء في عملية السلام، وأنه ليس صحيحاً ما يدعيه نتانياهو، وقبله أرييل شارون، عن «عدم وجود شريك يمكن التفاوض معه».
هل فشل «حماس» في جعل فوضى السلاح تعمّ الضفة الغربية وراء اللهجة المعتدلة، أقله ظاهراً، التي يتحدث بها السيد مشعل من القاهرة. أم أن الموضوع يتجاوز ذلك، بكلام أوضح هل تغيّر موقف «حماس» وبدأت تعي معنى استمرار الحصار لغزة وأهلها والأسباب التي تدفع العالم إلى التفرج على الحصار الذي يعاني منه المواطن المسكين المغلوب على أمره، هل استوعبت «حماس» أخيراً أن كل ما قامت به في غزة وانطلاقاً منها كان خدمة مجانية للاحتلال الإسرائيلي، وأن الشجاعة تقضي بتسمية الأشياء بأسمائها؟ الهزيمة اسمها هزيمة. ما حل بغزة قبل ستة أشهر كان هزيمة ساحقة ماحقة. أسوأ ما في الأمر أن العالم راح يتفرج على آلة الحرب الإسرائيلية تمارس إرهاب الدولة بعدما وفّرت «حماس» لإسرائيل كل المبررات لشن عدوانها. أخطر ما في الأمر أن الإسرائيليين استهدفوا البنية التحتية للقطاع وكان معظم الشهداء من المدنيين الأبرياء، وحتى من النساء والأطفال. لم تكن لدى إسرائيل أي نية للقضاء على قيادة «حماس». بدا الأمر وكأن هذه القيادة حاجة لها.
من المهم في المرحلة المقبلة أن تقدم «حماس» ولو مرة على خطوة تصب في خدمة القضية الفلسطينية بدل وضع نفسها من حيث تدري أو لا تدري في خدمة الاحتلال. كل ما عليها عمله هو الأخذ بالمثل القائل أن العودة عن الخطأ فضيلة. العودة عن الخطأ اليوم أفضل من العودة عنه غداً. هل في استطاعة من يعترض على هذا الكلام الاجابة عن السؤال الآتي: لماذا كانت الصواريخ التي تطلق من غزة تسمى قبل ستة أشهر فعل مقاومة، ولماذا صار اليوم من يطلق مثل هذه الصواريخ مجرد خائن، هل يغني الولاء الأعمى لـ «حماس» وإمارتها الطالبانية عن الولاء للقضية الفلسطينية وفلسطين؟


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن