يتكرر الكلام في التربية، ويتزايد الحديث في التعليم، ويتقدم العالم من حولنا، ونتقدم نحن، أيضاً، ولكن بعيداً عن المقدمة! فأين وصل عالم التعليم اليوم؟ وفي أي واد نضيّع نحن الوقت والجهد والمال؟ عالم في أقصى الغرب يعتني بأدق التفاصيل في عملية بناء عقل التلميذ والعناية بسلوكه، وعالم في شرق آسيا ينزل بثقله كله في متابعة وقت التلميذ والاعتناء بما يحصّل، ونحن في شرقنا العربي نتكلم أكثر مما نعمل!
نعم، خلف كل جدار مدرسة قصص عجيبة، ووراء كل باب فصل حكايات، أساليبنا الموروثة من دون تطوير، وتجاهلنا لما يقدم العالم من جديد كرس أخطاءنا وأخطاء من كان قبلنا، فإلى متى سنبقى على أطلال السابقين؟ هم سابقون لا لأنهم عاشوا قبلنا وانتهت أعمارهم! بل سابقون لأنهم سبقوا بأعمالهم كل الذين في عصرهم!
فماذا يعني أن تبقى مسألة التطوير في التربية والتعليم في عالمنا العربي مقتصرة على وسائل ايصال المعلومة للطالب أو في إدخال عمل الكمبيوتر في متابعة درجات الطالب، أو أن تقتصر عملية التطوير التعليمي على إعادة تبويب الكتاب المدرسي وإدخال الألوان والخطوط؟
إن الأسلوب المتبع منذ أعوام، والذي يعدّ من التراث التعليمي عندنا، هو حصر العملية التعليمية بين درس يسرده المعلم فوق رؤوس تلاميذه واختبار يحرق فيه أعصابهم!
مازلنا نمارس أسلوباً يتلخص في تخويف الطالب من الاختبار الذي سيجتازه في مادة دراسية ما! مازلنا نحصر تفكير الطالب ونشد أعصابه حتى لحظة ظهور النتائج آخر العام! في كثير من دول العالم يتعامل القائمون على التربية بطريقة مختلفة، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ إنهم يطرحون على الطالب في فصله قضايا يهدفون إيصالها إليه في ثوب من الحوار الملامس لحاجاته واهتماماته حسب سنّه وبيئته، ثم يؤيدون ذلك بشواهد تاريخية مصورة أو مرسومة، وهكذا ينتقلون من هدف إلى آخر عبر وسائل متطورة تلامس عقل الطالب وحسه ومشاعره واهتماماته، بعيداً عن أسلوب التسلط الذي يستخدمه المعلمون عندنا في الشرق! إن فلسفة مقيتة نكرر أسطوانتها يومياً حتى يكره التلاميذ معلميهم، ومن ثم يكرهون العلم وساعته! هناك في عالم غير عالمنا يتابع المعلم ما قدم لطلابه من أفكار وما عززها بشواهد فيقوّم تلاميذه بشكل يومي من دون شعورهم بذلك، ومن ثم بعد جمع الملاحظات يسد كل نقص سجله على بعضهم ويستمر العطاء والتقويم في آن واحد، وهو ما يعرف بالتقويم المستمر حتى يتأكد المعلم من اجتياز الطالب مرحلة فهمه لما درس، بالطبع بعيداً عما يجري عندنا من أسلوب ضغط للطالب في سلسلة من الاختبارات في الفترات، ثم يأتي الطوفان في اختبار نهاية الفصل! ضغط نفسي على الطالب، مع أن القصد من التعليم إضافة العلم إليه ليكون فرداً منتجاً ومبدعاً في مجتمعه! وتسلط مفتعل وموروث من المعلم تجاه الطالب! مع أن المتوقع هو علاقة احترام وحب بين الطالب ومعلمه، لا موجة من الإرهاب والعنف الممارس في المراحل كلها من قبل المعلمين تجاه طلابهم!
مع أن الأصل في رسالة التربية والتعليم هي بناء جيل متزن في تفكيره وسلوكه لا جيل يتسابق في عرض العضلات والفتوة على أهله وأبناء جلدته! إن الطفل الذي يخاف ويرهب معلمه ووالديه وغيرهما لا يمكن أن يصبح يوماً شجاعاً، وكذلك الفتاة التي تعيش على الكبت واحتكار رأيها لا يمكن أن تمارس حياتها بشكل سوي!
فمن نربيه بأيدينا على الخوف ليس لنا أن نطلب منه التحلي بالشجاعة وإبداء الرأي! هناك فرق كبير بين الخوف والاحترام؛ وإن أبناءنا بل معلمينا في أمس الحاجة أن يفرقوا بين الخوف من إنسان وبين احترامه! فما قيمة أن يخافني ولدي وينفذ كلامي وفي عمق نفسه لا يكنّ الاحترام لي!
المربون اليوم في عالم آخر غير عالم التربية، ونحن في حاجة أكثر من ملحة للوقوف على مسألة تصحيح علاقتنا مع هذا الجيل، حتى لا نخسر ما تبقى من أمل تجاهه، وحتى لا تصبح عملية التعليم أشبه بعملية تعليب لأفكار أبنائنا ومنحهم شهادات من دون وعي حقيقي وبناء صادق لشخصياتهم.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com
نعم، خلف كل جدار مدرسة قصص عجيبة، ووراء كل باب فصل حكايات، أساليبنا الموروثة من دون تطوير، وتجاهلنا لما يقدم العالم من جديد كرس أخطاءنا وأخطاء من كان قبلنا، فإلى متى سنبقى على أطلال السابقين؟ هم سابقون لا لأنهم عاشوا قبلنا وانتهت أعمارهم! بل سابقون لأنهم سبقوا بأعمالهم كل الذين في عصرهم!
فماذا يعني أن تبقى مسألة التطوير في التربية والتعليم في عالمنا العربي مقتصرة على وسائل ايصال المعلومة للطالب أو في إدخال عمل الكمبيوتر في متابعة درجات الطالب، أو أن تقتصر عملية التطوير التعليمي على إعادة تبويب الكتاب المدرسي وإدخال الألوان والخطوط؟
إن الأسلوب المتبع منذ أعوام، والذي يعدّ من التراث التعليمي عندنا، هو حصر العملية التعليمية بين درس يسرده المعلم فوق رؤوس تلاميذه واختبار يحرق فيه أعصابهم!
مازلنا نمارس أسلوباً يتلخص في تخويف الطالب من الاختبار الذي سيجتازه في مادة دراسية ما! مازلنا نحصر تفكير الطالب ونشد أعصابه حتى لحظة ظهور النتائج آخر العام! في كثير من دول العالم يتعامل القائمون على التربية بطريقة مختلفة، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ إنهم يطرحون على الطالب في فصله قضايا يهدفون إيصالها إليه في ثوب من الحوار الملامس لحاجاته واهتماماته حسب سنّه وبيئته، ثم يؤيدون ذلك بشواهد تاريخية مصورة أو مرسومة، وهكذا ينتقلون من هدف إلى آخر عبر وسائل متطورة تلامس عقل الطالب وحسه ومشاعره واهتماماته، بعيداً عن أسلوب التسلط الذي يستخدمه المعلمون عندنا في الشرق! إن فلسفة مقيتة نكرر أسطوانتها يومياً حتى يكره التلاميذ معلميهم، ومن ثم يكرهون العلم وساعته! هناك في عالم غير عالمنا يتابع المعلم ما قدم لطلابه من أفكار وما عززها بشواهد فيقوّم تلاميذه بشكل يومي من دون شعورهم بذلك، ومن ثم بعد جمع الملاحظات يسد كل نقص سجله على بعضهم ويستمر العطاء والتقويم في آن واحد، وهو ما يعرف بالتقويم المستمر حتى يتأكد المعلم من اجتياز الطالب مرحلة فهمه لما درس، بالطبع بعيداً عما يجري عندنا من أسلوب ضغط للطالب في سلسلة من الاختبارات في الفترات، ثم يأتي الطوفان في اختبار نهاية الفصل! ضغط نفسي على الطالب، مع أن القصد من التعليم إضافة العلم إليه ليكون فرداً منتجاً ومبدعاً في مجتمعه! وتسلط مفتعل وموروث من المعلم تجاه الطالب! مع أن المتوقع هو علاقة احترام وحب بين الطالب ومعلمه، لا موجة من الإرهاب والعنف الممارس في المراحل كلها من قبل المعلمين تجاه طلابهم!
مع أن الأصل في رسالة التربية والتعليم هي بناء جيل متزن في تفكيره وسلوكه لا جيل يتسابق في عرض العضلات والفتوة على أهله وأبناء جلدته! إن الطفل الذي يخاف ويرهب معلمه ووالديه وغيرهما لا يمكن أن يصبح يوماً شجاعاً، وكذلك الفتاة التي تعيش على الكبت واحتكار رأيها لا يمكن أن تمارس حياتها بشكل سوي!
فمن نربيه بأيدينا على الخوف ليس لنا أن نطلب منه التحلي بالشجاعة وإبداء الرأي! هناك فرق كبير بين الخوف والاحترام؛ وإن أبناءنا بل معلمينا في أمس الحاجة أن يفرقوا بين الخوف من إنسان وبين احترامه! فما قيمة أن يخافني ولدي وينفذ كلامي وفي عمق نفسه لا يكنّ الاحترام لي!
المربون اليوم في عالم آخر غير عالم التربية، ونحن في حاجة أكثر من ملحة للوقوف على مسألة تصحيح علاقتنا مع هذا الجيل، حتى لا نخسر ما تبقى من أمل تجاهه، وحتى لا تصبح عملية التعليم أشبه بعملية تعليب لأفكار أبنائنا ومنحهم شهادات من دون وعي حقيقي وبناء صادق لشخصياتهم.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com