لابدّ من العودة مجدداً إلى موضوع إرسال سفير سوري إلى لبنان. المناسبة تقديم السفير أوراق اعتماده إلى الرئيس ميشال سليمان. كانت خطوة تقديم السفير السوري في لبنان السيد علي عبدالكريم علي أوراق اعتماده إلى رئيس الجمهورية اللبنانية حدثاً تاريخياً بكل معنى الكلمة. للمرة الأولى منذ ما يزيد على ستين عاماً تقتنع دمشق بالحاجة إلى تبادل للسفراء مع بيروت. للمرة الأولى تقتنع بأن لبنان بلد مستقل مثل غيره من البلدان، وأن لا مفر من إقامة علاقات طبيعية معه في حال كان النظام في سورية يبحث حقاً عن التصالح مع نفسه، ومع الواقعين الإقليمي والدولي بعيداً عن الشعارات الطنانة ذات المضمون الفارغ من النوع التي يرفعها «حزب البعث»، أو الأحزاب الفاشية التي تعتبرها سورية أدوات أو قوة ضاربة لها في لبنان. مثل هذه الأحزاب لا يمكن إلا أن تزيد الوضعين السوري واللبناني تخلفاً وأن تسيء إلى لبنان وسورية في الوقت ذاته. هناك كيانان سياسيان منفصلان الأول اسمه سورية والآخر اسمه لبنان. ثمة حاجة إلى علاقات ندية بين الكيانين في حال كان المطلوب تحقيق مصلحة كل منهما. تقوم هذه العلاقات على مبدأ في غاية البساطة يمكن اختصاره بأن لبنان المزدهر المستقر في مصلحة سورية، وسورية المزدهرة المستقرة مصلحة لبنانية.
يشكل تقديم السفير لأوراق الاعتماد إلى رئيس الجمهورية في قصر بعبدا خطوة مفصلية في اتجاه البحث عن طريقة جديدة للتعاطي مع لبنان من زاوية أنه دولة حرة سيدة مستقلة. الأهم من ذلك كله أن تباشر دمشق إلى التخلي عن الأساليب القديمة التي اعتمدتها في لبنان والتي لم تؤد سوى إلى كوارث على البلدين. ماذا كانت نتيجة ثلاثين عاماً من الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان، هل أفاد ذلك سورية بشيء، أم أن هذا الوجود أدى عملياً إلى تفاقم المشاكل الداخلية في سورية، كما أدى إلى تكريس لبنان «ساحة» للصراعات الإقليمية؟ كانت إيران المستفيد الأول منها نظراً إلى أنها استطاعت ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب السوري من الأراضي اللبنانية. يتبين الآن أن إيران كانت المستفيد الأول من اضطرار النظام السوري إلى سحب قواته من لبنان في السادس والعشرين من أبريل 2005. تبين أيضاً أن إيران كانت الطرف الوحيد الذي يمتلك مسلحين منظمين جيداً يشكلون لواء في «الحرس الثوري» على الأراضي اللبنانية. أكثر من ذلك، أثبت التنظيم الإيراني المسلح في لبنان الذي اسمه «حزب الله» أنه قادر بفضل عناصره اللبنانية على الاستيلاء على بيروت ساعة يشاء، وأن يغلق كل مرافق المدينة بمجرد صدور الأوامر إليه بذلك من طهران. هذا حصل فعلاً في السابع من مايو 2008.
على ماذا يمكن أن تقوم الطريقة السورية الجدية والجديدة في ما يخص التعاطي مع لبنان؟ انها تقوم بكل بساطة على الاعتراف بفشل كل السياسات التي اتبعت منذ أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي واستمرت إلى الآن. استندت السياسات السورية منذ ما قبل وصول الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى الموقع الأول في السلطة في العام 1970 على فكرة تشجيع عملية تفكيك مؤسسات الدولة اللبنانية لعل ذلك يسمح لسورية بوضع اليد على لبنان بشكل نهائي. من هذا المنطلق كان التشجيع السوري على تدفق المسلحين الفلسطينيين على لبنان والذي استمر بكثافة حتى العام 1982 من دون أن يعني ذلك أن هذا التدفق توقف نهائياً. لا تزال في دمشق أصوات تردد أن الوجود العسكري السوري في الأراضي اللبنانية، وهو وجود لعناصر تابعة للأجهزة السورية تتحدث بلكنة فلسطينية، مشروع وشرعي. تستند هذه الأصوات إلى أن «اتفاق القاهرة» الذي وقعه لبنان مرغماً في العام 1969 لا يزال حياً يرزق، علماً بأن مجلس النواب ألغاه في عهد الرئيس أمين الجميل في العام 1987.
من المهم إرسال سفير إلى لبنان. لكن الأهم من ذلك الإقدام على خطوة ما في الاتجاه الصحيح تؤكد حصول تغيير في الذهنية السورية. هذه الخطوة يمكن أن تكون الإعلان رسمياً عن تفكيك القواعد الفلسطينية المقامة على الأراضي اللبنانية الموجودة خارج المخيمات. إن خطوات من هذا النوع يمكن أن تضع النظام على طريق العودة إلى المجتمع الدولي كعضو فاعل في إطاره يحظى بالاحترام الذي يفترض أن تحظى به دولة مثل سورية لديها مصلحة في احترام قرارات الشرعية، وأحكام القانون الدولي، بما في ذلك المحكمة الدولية التي تنظر في الجرائم المرتكبة في لبنان على رأسها اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.
ستكون خطوة تفكيك القواعد الفلسطينية امتحاناً للنيات السورية، ودليلاً على أن التبادل الديبلوماسي بين البلدين بداية لفتح صفحة جديدة بينهما. ليس كافياً الحديث عن «أخطاء» ارتكبت في لبنان. المسألة تتعدى ذلك بكثير. أنها مسألة أوهام لابد من زوالها. وحده زوال الأوهام يمكن أن يقود إلى انصراف النظام السوري إلى الاهتمام بالمشاكل الحقيقية التي يعاني منها البلد بدءاً بنمو ظاهرة التطرف الديني، والهجرة العشوائية إلى المدن، وانتهاء بالوضع الاقتصادي المهترئ والبرامج التربوية المتخلفة، مروراً بالفساد المنتشر على كل الصعد، والمتفشي في كل الأوساط.
يوفر إرسال سفير سوري إلى لبنان فرصة لإعادة نظر في العمق في نهج أثبت فشله. لا يمكن تغطية الفشل بشعار الممانعة أو المقاومة. لا يمكن تغطية هذا الفشل إلا بخطوة شجاعة تنم عن نقلة نوعية في اتجاه مواجهة إسرائيل ومقاومتها فعلاً، وليس بالشعارات، بما يخدم سورية ولبنان في آن. هل في استطاعة النظام السوري القيام بخطوة من هذا النوع؟ مثل هذه الخطوة هي الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى إعادة تأهيله. كل ما تبقى أحلام ليلة صيف لا تمت إلى الواقع بصلة.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
يشكل تقديم السفير لأوراق الاعتماد إلى رئيس الجمهورية في قصر بعبدا خطوة مفصلية في اتجاه البحث عن طريقة جديدة للتعاطي مع لبنان من زاوية أنه دولة حرة سيدة مستقلة. الأهم من ذلك كله أن تباشر دمشق إلى التخلي عن الأساليب القديمة التي اعتمدتها في لبنان والتي لم تؤد سوى إلى كوارث على البلدين. ماذا كانت نتيجة ثلاثين عاماً من الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان، هل أفاد ذلك سورية بشيء، أم أن هذا الوجود أدى عملياً إلى تفاقم المشاكل الداخلية في سورية، كما أدى إلى تكريس لبنان «ساحة» للصراعات الإقليمية؟ كانت إيران المستفيد الأول منها نظراً إلى أنها استطاعت ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب السوري من الأراضي اللبنانية. يتبين الآن أن إيران كانت المستفيد الأول من اضطرار النظام السوري إلى سحب قواته من لبنان في السادس والعشرين من أبريل 2005. تبين أيضاً أن إيران كانت الطرف الوحيد الذي يمتلك مسلحين منظمين جيداً يشكلون لواء في «الحرس الثوري» على الأراضي اللبنانية. أكثر من ذلك، أثبت التنظيم الإيراني المسلح في لبنان الذي اسمه «حزب الله» أنه قادر بفضل عناصره اللبنانية على الاستيلاء على بيروت ساعة يشاء، وأن يغلق كل مرافق المدينة بمجرد صدور الأوامر إليه بذلك من طهران. هذا حصل فعلاً في السابع من مايو 2008.
على ماذا يمكن أن تقوم الطريقة السورية الجدية والجديدة في ما يخص التعاطي مع لبنان؟ انها تقوم بكل بساطة على الاعتراف بفشل كل السياسات التي اتبعت منذ أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي واستمرت إلى الآن. استندت السياسات السورية منذ ما قبل وصول الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى الموقع الأول في السلطة في العام 1970 على فكرة تشجيع عملية تفكيك مؤسسات الدولة اللبنانية لعل ذلك يسمح لسورية بوضع اليد على لبنان بشكل نهائي. من هذا المنطلق كان التشجيع السوري على تدفق المسلحين الفلسطينيين على لبنان والذي استمر بكثافة حتى العام 1982 من دون أن يعني ذلك أن هذا التدفق توقف نهائياً. لا تزال في دمشق أصوات تردد أن الوجود العسكري السوري في الأراضي اللبنانية، وهو وجود لعناصر تابعة للأجهزة السورية تتحدث بلكنة فلسطينية، مشروع وشرعي. تستند هذه الأصوات إلى أن «اتفاق القاهرة» الذي وقعه لبنان مرغماً في العام 1969 لا يزال حياً يرزق، علماً بأن مجلس النواب ألغاه في عهد الرئيس أمين الجميل في العام 1987.
من المهم إرسال سفير إلى لبنان. لكن الأهم من ذلك الإقدام على خطوة ما في الاتجاه الصحيح تؤكد حصول تغيير في الذهنية السورية. هذه الخطوة يمكن أن تكون الإعلان رسمياً عن تفكيك القواعد الفلسطينية المقامة على الأراضي اللبنانية الموجودة خارج المخيمات. إن خطوات من هذا النوع يمكن أن تضع النظام على طريق العودة إلى المجتمع الدولي كعضو فاعل في إطاره يحظى بالاحترام الذي يفترض أن تحظى به دولة مثل سورية لديها مصلحة في احترام قرارات الشرعية، وأحكام القانون الدولي، بما في ذلك المحكمة الدولية التي تنظر في الجرائم المرتكبة في لبنان على رأسها اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.
ستكون خطوة تفكيك القواعد الفلسطينية امتحاناً للنيات السورية، ودليلاً على أن التبادل الديبلوماسي بين البلدين بداية لفتح صفحة جديدة بينهما. ليس كافياً الحديث عن «أخطاء» ارتكبت في لبنان. المسألة تتعدى ذلك بكثير. أنها مسألة أوهام لابد من زوالها. وحده زوال الأوهام يمكن أن يقود إلى انصراف النظام السوري إلى الاهتمام بالمشاكل الحقيقية التي يعاني منها البلد بدءاً بنمو ظاهرة التطرف الديني، والهجرة العشوائية إلى المدن، وانتهاء بالوضع الاقتصادي المهترئ والبرامج التربوية المتخلفة، مروراً بالفساد المنتشر على كل الصعد، والمتفشي في كل الأوساط.
يوفر إرسال سفير سوري إلى لبنان فرصة لإعادة نظر في العمق في نهج أثبت فشله. لا يمكن تغطية الفشل بشعار الممانعة أو المقاومة. لا يمكن تغطية هذا الفشل إلا بخطوة شجاعة تنم عن نقلة نوعية في اتجاه مواجهة إسرائيل ومقاومتها فعلاً، وليس بالشعارات، بما يخدم سورية ولبنان في آن. هل في استطاعة النظام السوري القيام بخطوة من هذا النوع؟ مثل هذه الخطوة هي الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى إعادة تأهيله. كل ما تبقى أحلام ليلة صيف لا تمت إلى الواقع بصلة.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن