في مثل هذه الأيام قبل عشر سنوات، باشر الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ممارسة سلطاته الدستورية. يتبين بعد عشر سنوات أن العاهل الأردني استطاع قبل كل شيء المحافظة على الاستقرار في الأردن عن طريق اتباع سياسة عربية ودولية متوازنة من جهة والاستثمار في الإنسان الأردني من جهة أخرى. ترافق ذلك مع تعزيز دولة المؤسسات في الأردن وجعلها أكثر فعالية بما يتلاءم مع التطورات التي يشهدها العالم. وضع الملك عبدالله الثاني الأردن على تماس مع العالم الحضاري، بل في قلب العالم الحضاري متحدياً كل الصعوبات التي تواجه بلداً يمتلك ثروات محدودة، بل لا يمتلك أي نوع من الثروات. رغم ذلك، من كان يصدق أن الاستثمارات الأجنبية في المملكة ستتضاعف ثلاث مرات في غضون أقل من عشر سنوات، من أربعمئة وثمانين مليون دينار في العام 1998 إلى 1.4 مليار دينار في العام 2007.
تبدو الأرقام مذهلة بالنسبة إلى بلد مثل الأردن لا يمتلك أي ثروات طبيعية يعيش باستمرار بين أزمتين إقليميتين إن لم يكن أكثر. ما لا يمكن تجاهله أن الأردن على حدود العراق كما على تماس دائم مع فلسطين ومع القضية الفلسطينية وعليه في كل لحظة السعي إلى تأكيد أنه لاعب أساسي وفاعل وأنه لا يمكنه أن يتخلى عن خياراته الاستراتيجية على رأسها خيار الدولتين وذلك دفاعاً عن فلسطين وعن الأردن في الوقت ذاته. بكلام أوضح، انه مع الدولة الفلسطينية المستقلة «القابلة للحياة» التي تعيش جنباً إلى جنب مع جيرانها في ظل سلام ووئام. أكد الأردن غير مرة في السنوات الأخيرة أن لا خيار آخر غير خيار الدولتين. وجاءت المواقف الأخيرة للرئيس باراك أوباما لتدعم الموقف الأردني ولتؤكد أن المملكة الأردنية الهاشمية تستطيع أن تكون لاعباً فاعلاً على الصعيد الإقليمي وأن تحافظ على الأردن ومصالحه بعيداً عن مصالح الآخرين، من عرب وغير عرب متاجرين بالعرب، من الساعين إلى استمرار حال اللاحرب واللاسلم في المنطقة. فرض الأردن خياراته على العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، فرض خياراته على الآخرين، أياً تكن قدرة هؤلاء على ممارسة ضغوطهم من أجل التخلص من خيار الدولتين. إنه الخيار الذي يؤمن مخرجاً من المأزق الذي يعيشه الشرق الأوسط.
لعل أهم ما تميزت به السنوات العشر الأخيرة في الأردن، ذلك الإصرار على تحقيق تقدم على كل صعيد، خصوصاً على الصعيد الداخلي، بغض النظر عن الأزمات الإقليمية المحيطة بالمملكة. لم يعزل الأردن نفسه عن تلك الأزمات بمقدار ما أنه عمل على تفادي ربط التقدم على الصعيد الداخلي بالوضع الإقليمي. في ذلك نجاح كبير للأردن. يستطيع المرء أن يتخيل ما الذي كان سيحل بالأردن لو ارتهن للأزمات الإقليمية وربط تطوره الداخلي بإيجاد حلول لهذه الأزمات في مقدمها الوضع الفلسطيني. لو ربط الأردن نفسه في السنوات العشر الأخيرة بالوضع الإقليمي وجعل نفسه تحت رحمة الآخرين لما كان في الإمكان الحديث عن وجود ألفين وثمانمئة مدرسة مربوطة بشبكة الإنترنت في السنة 2008. لم تكن أي مدرسة مربوطة بالشبكة في العام 1998. في السنة 2008 هناك 532 مدرسة أردنية فيها روضات للأطفال. كان عدد المدارس التي فيها روضات للأطفال في العام 1998 أربع مدارس فقط!
تجسّد التحدي الأكبر الذي واجه الأردن في السنوات العشر الأخيرة في القدرة على تحقيق تطور على الصعيد الداخلي يستفيد منه الإنسان الأردني قبل أي شيء آخر. كان الاستثمار في الإنسان هو الأولوية بالنسبة إلى الأردن. الاستثمار في الإنسان يمثل الخطوة الأولى على طريق وضع حد للتطرف والعمل على مواجهة الإرهاب بأشكاله كلها مع وضع حد للتطرف الديني ونشر الرسالة الحقيقية للإسلام التي هي رسالة التسامح وقبول الآخر.
نجح الأردن في السنوات العشر الأخيرة حيث أخفق كثيرون. نجح رغم موارده المحدودة وثرواته شبه المعدومة. نجح بفضل الرؤية التي تمتع بها ملك عرف كيف يتعاطى مع الإنسان الأردني وكيف يراهن عليه، في حين كان آخرون من أصحاب الثروات يخسرون على الصعيد الداخلي بسبب غياب الرؤية والقدرة على الاستثمار في الإنسان. في النهاية كان السؤال المطروح في غاية السهولة والصعوبة في الوقت ذاته: هل يستطيع المسؤول عن البلد قيادة الشارع، أم يترك الشارع يقوده؟ رفض عبدالله الثاني الحلول السهلة. في الواقع ليس أسهل من الحصول على ما يسمى تصفيق الجماهير عبر اتخاذ مواقف «وطنية». في المقابل ليس أصعب من اتخاذ مواقف عقلانية تصب في النهاية في خدمة الشعب والإنسان الأردني. الأرقام تظهر أن عبدالله الثاني كان على حق. كان على حق في جر الشارع الأردني إلى العقلانية. الأرقام تؤكد ذلك. بين العامين 1999 و2008، ارتفع الإنفاق على التعليم من 217 مليون دينار إلى 522 مليون دينار. هذا مجرد غيض من فيض يسمح بالقول إن الأردن يراهن على الإنسان أولاً وأخيراً وعلى رفض البقاء في أسر التطورات والأزمات الإقليمية ثانياً وأخيراً. نجح في ذلك بين العامين 1999 و 2009. كانت نقطة الانطلاق دولة المؤسسات التي أوجدها الملك حسين، رحمه الله، الذي ترك لخلفه أساساً متيناً في الإمكان البناء عليه لضمان الانتقال إلى شاطئ الأمان. استطاع الملك عبدالله الثاني متابعة البناء. أهم ما استطاع عمله رفض أن يكون الأردن تحت رحمة أحد، بما في ذلك الأزمات الإقليمية. لم يراهن سوى على الخيارات الاستراتيجية للأردن، في طليعتها خيار الدولتين على الأرض فلسطين. ولم يراهن سوى على الإنسان الأردني. ليس بعيداً اليوم الذي سيتأكد فيه أن الرهان على حل الدولتين هو الخيار الوحيد القابل للحياة إقليمياً، مثلما أن الخيار على الإنسان الأردني هو الخيار الوحيد الناجح أردنياً. ولذلك كان خياراً في محله.


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن