| بيروت - «الراي» |
لا يشكل الانقسام الحالي في لبنان بين قوى 8 و 14 مارس علامة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية، بل إنه يأتي في سياق طبيعي عرفه لبنان دائماً، حتى قبل أن يستقل العام 1943.
والواقع أن عاملين مؤثرين طبعا المجتمع السياسي، العائلات السياسية والأحزاب، وتركا أثرهما البالغ على مجرى التطورات السياسية قبل الحرب وخلالها وبعدها. وقد يكون من الصعب الفصل التام بين هذين العاملين بسبب خضوع الأحزاب في لبنان إلى الوراثة السياسية والمبايعة وارتداء العباءة العائلية، وليس إلى التجربة الديموقراطية القائمة على الانتخاب والمداورة في السلطات.
عرف لبنان تجربة الحزبين المتصارعين منذ أن بدأت تتكون معالم إمارة جبل لبنان، بشقيها الدرزي والماروني، حين سيطر على دروز جبل لبنان الصراع اليمني - القيسي. ويقول الدكتور كمال الصليبي في كتاب «تاريخ لبنان الحديث» إن هذ الانقسام يعود إلى منافسة تقليدية بين القبائل العربية الشمالية (القيسيون) والقبائل الجنوبية (اليمنيون) ويرجع عهدها إلى الفتح العربي. وقد تزعمت عائلتا علم الدين وإرسلان الفريق اليميني وتزعمت عائلتا معن التي ينتسب اليها الأمير فخر الدين وبحتر الفريق القيسي.
وبعد حكم الأمير بشير الثاني تحولت الخصومة الدرزية مواجهة بين الخطين الإرسلاني اليزبكي والجنبلاطي.
أما على الصعيد الماروني فكانت قد بدأت تتبلور معالم الزعامات التقليدية من آل الخازن وآل حبيش واللمعيين والشهابيين. ومع تشكيل القائمقاميتين تقدمت عائلات إلى الصف الأول، لتتحول تدريجاً زعامات تبني لنفسها موقعاً متقدماً على مسرح الأحداث.
أدى وقوف موارنة جبل لبنان إلى جانب الاستقلال ورفضهم الانتداب الفرنسي وتمسكهم بحدود لبنان الحالية، إلى تقدمهم إلى مسرح الأحداث في لبنان وتوليهم رئاسة الجمهورية فيه. عشية الاستقلال انقسم اللبنانييون بين فريقين دستوريين، الأول هم الذين اعتبروا أنفسهم محافظين على الدستور اللبناني إثر تعديل بعض مواده التي لا تتوافق مع استقلال لبنان ورفضاً للانتداب، وتمثل هؤلاء بالشيخ بشارة الخوري، والثاني «الكتلويون» الذين كانوا موالين لرئيس «حزب الكتلة الوطنية» الرئيس إميل إده الذي عينته سلطة الانتداب رئيساً إثر اعتقال الخوري ورئيس الوزراء رياض الصلح في قلعة راشيا عشية الاستقلال.
تفاقم الخلاف بين الخوري وإده إلى حد دفع مناصري الخوري في المجلس النيابي إلى نزع النيابة عن إده بسبب موقفه خلال فترة الاعتقال. وكانت مناسبة للخوري للتخلص من خصمه التقليدي وإبعاده نهائياً عن منافسته له على رئاسة الجمهورية. وقد استمر هذا الخلاف على حدته إلى حين وفاة إده ورفض عائلته استقبال الخوري لتقديم واجب التعزية.
ومن نافل القول إن قيادة الكتلتين كانت معقودة اللواء للموارنة فيما كان ينضم إلى هذا للفريق أو ذاك الزعماء السنة والدروز والشيعة فكان صبري حماده ومجيد إرسلان مع «الدستوريين» وحكمت جنبلاط مع «الكتلويين».
ظل الصراع على أشده بين الكتلتين وترجم واقعاً على أرض المجلس النيابي ولا سيما خلال الانتخابات النيابية وفي الفترة التي شهدت التمديد للخوري العام 1948، في وقت انضمت عناصر جديدة إلى الكتلتين اللتين تبلورتا تدريجاً بانضمام الأحزاب التي انطلقت في تلك الفترة وساهمت في إغناء الحياة الحزبية تاركة آثارها على المجالس النيابية المتعاقبة.
لكن لا يمكن الحديث عن تأثيرات الأحزاب على المجلس من دون الحديث عن العنصر العائلي الذي ساهم عبر الأحزاب والكتل والوراثة في تكوين المشهد السياسي. وتكفي نظرة بسيطة إلى أسماء العائلات التي سيطرت على تلك الحقبة من تاريخ لبنان واستمر تعاقب أفرداها على النيابة حتى اليوم:
- الرئيس بشارة الخوري وشقيقه وابنه النائبان سليم وخليل الخوري.
- الرئيس إميل إده وابناه النائبان بيار وريمون إده الذي خلف والده واصبح عميداً لـ «حزب الكتلة الوطنية» وخلفه حالياً العميد كارلوس بيار إده.
- النائب كمال جنبلاط الذي خلفه نجله وليد جنبلاط.
- الرئيس أحمد الأسعد ونجله الرئيس كامل الأسعد وابنه المرشح الحالي أحمد كامل الأسعد.
- قبلان فرنجيه وابناه سليمان وحميد، وأبناؤهما الراحل طوني سليمان فرنجيه وسليمان طوني فرنجيه، وسمير حميد فرنجيه.
- بيار الجميل ونجلاه الرئيسان بشير وأمين الجميل وبيار أمين الجميل والمرشحان الحاليان سامي أمين الجميل ونديم بشير الجميل.
- كميل شمعون ودوري كميل شمعون.
- الرئيس صائب سلام ونجله الوزير تمام سلام.
- عبد الحميد كرامي وابناه الراحل الرئيس رشيد كرامي والرئيس السابق عمر كرامي.
- الأمير مجيد إرسلان ونجله طلال إرسلان.

نمو الأحزاب وتمددها
انطلقت معظم الاحزاب اللبنانية التي دخلت المجلس النيابي تباعاً فسيطرت على اتجاهات الرأي فيه منذ ما قبل الاستقلال، وأول هذه الأحزاب كان «الحزب الشيوعي اللبناني» الذي تأسس العام 1924، لكن المفارقة أنه الحزب الوحيد بين الأحزاب التي أدت دوراً مركزياً في الحياة السياسية قبل الحرب وخلالها، والذي لم يصل أي من مرشحيه إلى المجلس النيابي. ولا تزال حاله على ما هي عليه.
في العام 1932 ولد «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، وحل عام 1949 وأُعدم زعيمه أنطون سعاده بعد اتهام السلطات له بتدبير انقلاب عليها. ومع تسلم الرئيس كميل شمعون الحكم العام 1952 أعاد للحزب رخصته ووقف إلى جانبه خلال ثورة 1958. لكن الحزب لم يستطع أن يوصل إلى المجلس النيابي قبل الحرب سوى نائب واحد هو أسد الأشقر، والد النائب السابق والمرشح الحالي غسان الأشقر، وذلك العام 1957.
بين العامين 1935 و 1936 انطلقت نواة حزبيْ «الكتلة الوطنية» و«الكتلة الدستورية». ولكن الحزب الأخير لم يشهد نمواً خارج إطار رئاسة الجمهورية والنواب الذين داروا في فلك الكتلة انفضوا عنها بعد خروج الخوري من القصر الرئاسي. وعاد معظم القادة، أي النواب الذين تحالفوا مع الخوري وساهموا في التمديد له، إلى مواقعهم وزعاماتهم التي أسسوا لها كياناً مستقلاً بعد انتهاء ولاية الخوري وبدء ولاية شمعون.
وبخلاف «الكتلة الدستورية» استمر نشاط «الكتلة الوطنية» وتفاعل أكثر مع بيار وريمون إده إلى أن تسلم ريمون إده زمام الحزب وصار عميداً له واستمر كذلك إلى حين وفاته.
مسيحياً، شهدت مرحلة الاستقلال ولادة عدد من الأحزاب المسيحية الطابع، والمارونية تحديداً، التي رغبت في تشكيل نواة برلمانية لها في المجالس المنتخبة، وفي خلفية كل مؤسس لحزب رئاسة الجمهورية كونها معقودة اللواء للموارنة.
في العام 1936 تأسس «حزب الكتائب»، وكان الحزب المسيحي الأقرب الى رئاسة الجمهورية اياً كان اتجاهها. تصاعدت قوته بعد الاستقلال وتمكن من فرض حضور نيابي عبر كتلة ممتدة على معظم المناطق مستفيدة من كونها قوة رديفة للعهد. لكنها ظلت كتلة مسيحية تقدم نواباً من لون طائفي وسياسي واحد، من عكار إلى جبل لبنان والجنوب.
وخلال رئاسته للجمهورية أطلق شمعون «حزب الوطنيين الأحرار»، الذي كان يمهد عبره للعمل السياسي بعد انتهاء ولايته. وبعده بقليل أعلن كمال جنبلاط ولادة «الحزب التقدمي الاشتراكي» الذي ارتبط كما بقية الأحزاب بهوية مؤسسه وانتمائه الطائفي.
بين استقلال لبنان وبداية الحرب، ازدهرت الحياة الحزبية، التي تأطرت في كتل نيابية سيطرت عليها القوى المسيحية في بداياتها. وتمكن كل من الأحزاب المسيحية الثلاثة الرئيسية «الكتائب» و«الكتلة الوطنية» و«الأحرار» من تقديم مجموعة من النواب في المناطق اللبنانية كلها. وقد تميز حزبا «الكتلة» و«الأحرار» بضمهما نواباً من خارج الطوائف المسيحية.
لم يكتف كميل شمعون بنواب مسيحيين ينضمون إلى كتلته، فكان في عداد الذين يترشحون على لوائحه كاظم الخليل ومحمود عمار (شيعيان) سليمان العلي (سني). وقد استهدف المكتب الثاني الخليل والعلي في انتخابات العام 1964 وبشير الأعور (درزي). أما من المسيحيين فبرز من كتلته النائب نعيم مغبغب الذي اغتيل في الشوف عشية انتخابات 1960 والأب سمعان الدويهي وميشال ساسين ونصري المعلوف.
أما «الكتلة» فضمت في آخر دورتين انتخابيتين قبل الحرب النائب أحمد إسبر، في حين تعاقب على دخولها كل من النواب بيار إده وإدوار حنين وإميل روحانا صقر ونهاد بويز، والد النائب السابق فارس بويز، وإميل سلهب، وكميل عقل، وجورج عقل، وغبريال جرمانوس.
وفي المقابل، قدمت الكتائب مجموعة من النواب كموريس الجميل، ولويس أبو شرف، وجوزف شادر، وإدمون رزق، وأسد الخوري، وجورج سعاده، وأمين الجميل. لم تشهد التجربة الحزبية عند القوى الإسلامية صعوداً مطرداً، بل بقيت الزعامات التقليدية الأكثر سيطرة على ناخبيها، كما حصل مع رؤساء الحكومات رياض الصلح وصائب سلام ورشيد كرامي، أو مع رئيسي البرلمان صبري حماده وكامل الأسعد.
ولم يستطع «حزب النجاده» الذي شارك في صنع استقلال لبنان أن يستمر طويلاً في نشاطه الحزبي ليكون متقدماً على الساحة السنية، كما حصل مع نده في العمل السياسي «حزب الكتائب».
وتبعاً لذلك كان الزعماء السنة أو الشيعة يشكلون اللوائح إما متحالفين مع الزعامات المسيحية وإما مع الحكم القائم، كما حصل أيام الانتخابات المتتالية في عهد «الشهابيين»، من دون المرور بتجربة الأحزاب.
والتجربة الحزبية الوحيدة التي برزت كانت مع تأسيس كمال جنبلاط «الحزب التقدمي الاشتراكي» العام 1949، لكن الحزب الذي أراده زعيمه الراحل أن يكون نموذجاً غربياً في العمل الاشتراكي تحوّل مع الوقت حزباً يحمل من الإرث العائلي الصفات الكثيرة، والتي لا تزال تتحكم فيه حتى اليوم.
«الحلف» و«الشهابية»
بين العامين 1958 و 1970 سيطر الانقسام بين فريقين تنضوي تحت كل منهما الأحزاب أو القادة الذين والوا الشهابية أو أيدوا قيام الحلف الثلاثي.
تمكن «المكتب الثاني»، الذي برز بتسلم اللواء فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية، من إنشاء نواة نيابية موالية لشهاب، إضافة إلى مجموعة من الوزراء والموظفين الكبار الذين تأطروا تحت اسم «النهج الشهابي» أو «الشهابيين». وبرز من النواب الشهابيين رينه معوض زوج النائبة الحالية نايلة معوض، وأنطون سعيد والد النائب السابق فارس سعيد، وعزيز عون، وجان عزيز، وفؤاد بطرس، وصبري حماده من دون أن ننسى أن رشيد كرامي وكمال جنبلاط وبيار الجميل وقفوا إلى جانب الرئيس فؤاد شهاب في بداية عهده، إضافة إلى «حزب الطاشناق» الأرمني. ومعلوم أن الأحزاب الأرمنية الثلاثة «الطاشناق» و«الهنشاك» و«الرامغافار» كانت تتمثل في المجلس عبر حصص متفاوتة كان «الطاشناق» الأكثر تمثيلاً من بينها، وكانت تشكل حضوراً حزبياً مؤيداً للسلطات المتعاقبة.
استمرت سيطرة الشهابيين على المجلس إلى حين جرت انتخابات العام 1968 واستعاد «الحلف الثلاثي» الذي تشكل من أحزاب «الكتلة الوطنية» و«الأحرار» و«الكتائب» سبق الحكم وأكمل الرئيس شارل حلو ولايته على وقع الفوز الباهر للحلف وسيطرته على المجلس. لكن مجلس العام 1968 أفرز لاحقاً كتلة نيابية مستقلة ساهمت العام 1970 في فوز سليمان فرنجيه على منافسه الشهابي إلياس سركيس الذي انتخب رئيساً للجمهورية العام 1976.
انتخابات ما بعد الحرب
لم تجر أي انتخابات في لبنان طوال ثلاثين عاماً، إذ أُفرزت أحزاب جديدة لدى المسيحيين والمسلمين، فكان الصعود اللافت لـ «القوات اللبنانية» من رحم «الكتائب»، والموالين للرئيس سليمان فرنجية تحت لواء «المردة». وفي التسعينات برز «التيار الوطني الحر».
في المقابل، برزت حركة «أمل» التي أسسها الإمام موسى الصدر وصار رئيسها الرئيس نبيه بري و«حزب الله». أما سنياً فاندثرت القوى الإسلامية الحزبية التي كانت صاعدة خلال الحرب كـ «المرابطون» و«المؤتمر الشعبي» لكمال شاتيلا، فيما بقي «التنظيم الشعبي الناصري» في إطاره العائلي بعد وفاة النائب مصطفى سعد وتولي شقيقه أسامة سعد مقاليد التنظيم.
إلا أن فترة التسعينات شهدت انطلاقة قوتين سنيتين واحدة معتدلة أطلقها الرئيس الراحل رفيق الحريري هي «تيار المستقبل» والثانية أصولية هي «الجماعة الإسلامية». وإذا كانت الأولى قدمت حضوراً قوياً في المجلس النيابي فإن الثانية قدمت، وعلى مدى أعوام، حضوراً نيابياً لافتاً، ولها مرشحوها في الدورة الحالية للانتخابات.
تفاوت الحضور الحزبي بعد عودة الحياة البرلمانية إلى بيروت، فالوجود السوري أعاد إحياء الحضور الحزبي تحت قبة البرلمان لأحزاب لم تكن ممثلة في المجلس كـ «حزب البعث العربي الاشتراكي» الموالي لسورية، و«الحزب السوري القومي الاجتماعي» بعد غياب طويل عن ساحة النجمة. لكن «الحزب الشيوعي» ونتيجة خلافات جذرية مع النظام السوري بقي وحيداً من بين أحزاب «الحركة الوطنية» خارج المجلس ولا يزال يكافح للوصول إليه ولو بنائب واحد، في حين بدأ دخول حركة «أمل» منذ العام 1992 و«حزب الله» في المجلس يتكرس تدريجاً ليختصرا التمثيل الشيعي في المجلس النيابي الذي يترأسه رئيس «أمل» نبيه بري. أما سنياً فسيطرت كتلة الحريري النيابية وبعض الشخصيات السنية من خارج كتلة «المستقبل».
ابتعدت الأحزاب المسيحية عن المجلس خلال التسعينات أولاً بسبب المقاطعة التي أتت بفعل الوجود السوري وثانياً بسبب قوانين الانتخاب التي لم تكن لتسمح بوصول تعددية حزبية إلى المجلس. في المقابل، حلت الأحزاب الموالية لسورية عبر «المردة» وفرضت شخصيات مسيحية وزعامات تقليدية وجودها خارج التحالف مع دمشق.
شكّلت انتخابات العام 2005 بعد اغتيال الحريري أول فرصة للأحزاب المسيحية لتدخل المجلس، فعاد «حزب الكتائب» ودخلت «القوات» و«التيار الوطني الحر» بكتل ذات أعداد متفاوتة. واستأنف اللبنانييون الصراع الحزبي بين فئتين قوى « 8 مارس» وقوى «14 مارس». وعادت الحكاية إلى نقطة البداية، إلى الصراع اليمني والقيسي أيام جبل لبنان. لكن بأساليب أشد ضراوة ووسائل أكثر تطوراً وذكريات أكثر بشاعة عن حروب دخلت فيها الأحزاب وأدخلت اللبنانيين في متاهاتها بلا طائل.