| منى عبد الباري |
«خذوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم»... إنه ليس بمثل غريب، ولكنه يتردد على الأذهان، وهو مثل مصري قديم، واستخدمته العديد من الأقطار العربية، لتطلقه على من يكون على خطأ ثم يقوم بتدارك الأمر بصورة سريعة، وباستخدام الصوت العالي، أو من يريد شيئا فيسهل عليه استخدام الصوت العالي للوصول إلى مبتغاه.
فهناك الكثير من الناس يستخدم علو الصوت، وكأنه إرسال صفارات إنذار أو علامات تخويف أو ترهيب، حتى يصل إلى هدفه بكل يسر دون عرقلة الأمور، ولكن أود أن أقول انه ليس كل من يمتلك الصوت العالي هذا دلالة على قوة الشخصية، وليس هذا هو السبيل لوصول الرسائل لذهن من حوله، حتى يعملون له ألف حساب، لكي يتداركوا علو صوته واحراجهم أمام من حولهم. أولا من يتمتع بتلك الطريقة فهذا دليل على قلة الذوق وعدم الديبلوماسية في قياس الأمور، وعدم التمتع بأسلوب يزخرفه «الاتيكيت» في التعامل مع الآخرين، كما أود أن أقول ان من يملك تلك الصفة فهذا من أكثر الناس في داخله شخصية انسان جبان، لا يحتويه الفكر المنفتح وعدم ادراك الأمور ومعالجتها بصورة راقية... سوى اللجوء إلى الصراخ، لأن قوته لا تتعدى سوى «الزعيق»، كما يطلق عليه بالغة العامية (الدفش)، وهناك الكثير من الناس من يستخدم تلك الطريقة ويقوم باستعراض عضلاته أمام الجميع، وكأنه أنجز ما لم يستطع أحد من قبله القيام به أو القدرة على انجازه، وهناك نوع يستخدم سلاطة اللسان، لكي يتفادى من حوله طول لسانه، وأيضا هو الآخر يعتبر نفسه أنه يتمتع بقدر من الشخصية القوية، لا أدري ماذا حل بالمفاهيم الانسانية وتعامل الناس بالذوق والاحترام، وكأننا بتنا في عصر الزعامة والقوة، لمن يمتلك الأسلوب الارتجالي وليس الاحترام و«الاتيكيت»، حتى الوالدان أصبحا يربيا أبناءهما على حكمة «من ضربك اضربه»، وليس التسامح والعفو و«المسامح كريم»... إلخ، وكأنه يكون بهذه الطريقة تعلم أنه أصبح يأخذ بحقه أولا بأول، والغريب في الأمر عندما يتنازع الصغار على أمور طفولية، نجد أول من يتدخل فيها هم الكبار قبل الصغار، ويعتقدون بذلك أنهم حلوا الأمور، في حين ترجع المياه لمجاريها مع الأطفال أنفسهم وكأنهم لم يكونوا على خلاف قبل برهة من الزمن، في حين يزعم الوالدان أو أحدهما في الوقت نفسه بترك الأطفال هم من يحلون أمورهم دون تدخل من أحد، يا سلام أي ديبلوماسية تلك يا بشر!
لقد أثبتت دراسات عدة أن من يستخدم الصوت العالي أو من يجد ويجتهد أن يكون سليط اللسان، هو في الحقيقة من أكثر الناس ضعفا في الشخصية، على عكس ما يتصورونه من قوة في الشخصية، لأنه بذلك لا يملك الحكمة والهدوء، وليس لديه بعد نظر في إدارة الأمور ومعالجتها، فهو شخص ذو شخصيتين، وكأنه شخصية مزدوجة ظاهرها انسان يستخدم الصراخ أو يكون سليط اللسان، لكي تلبى أموره بكل يسر ويتحاشى الآخرين من حوله الإحراج، مع العلم أنه لن يكسب من حوله سوى البغض والكراهية، ويكون شخصا منبوذا من الجميع وعدم الود في التعامل معه، أما باطنه فهو انسان ضعيف مهزوز لا حول له ولا قوة، يريد من يأخذ بيده ليساعده على تغلب الأمور ومعالجتها، مع العلم بأن من يتمتع بتلك الشخصية فصداقاته قليلة ومحدودة،، ونصيحتي مثلما يقال: حبل الكذب قصير، فإن التمثيل أيضا مكشوف، ومن الأمور البديهية أن الشخصية المصطنعة غير مرغوبة، فلا يوجد «أحلى» من الطبيعة!
* كاتبة وفنانة تشكيلية