تتجه نية كوريا الشمالية إلى تحدي العالم باطلاقها صاروخا بعيد المدى، ونجحت في ذلك رغم التحذيرات والانتقادات الدولية، وتسارع المساعي الديبلوماسية لوقف هذه التجربة، حيث اعلنت عن نجاح وضع قمر اصطناعي اطلق عليه اسم «كوانغ ميو نغسويغ - 2» ضمن خطة وطنية وضعت للتطور التكنولوجي الفضائي، إذ تم وضع القمر الاصطناعي في المكان المطلوب ليدور في المدار بشكل طبيعي وبنجاح، بعد فشلها في اطلاق صاروخ فضائي عام 1998، والصاروخ الاخير، الذي ادعت الولايات المتحدة انه سقط في المحيط الهادي أخيرا، هو ثمرة نضال لرفع التكنولوجيا الفضائية لكوريا الشمالية، وتشجيعا كبيرا للشعب على ان حكومته قد حققت انتصارا تكنولوجيا في الفضاء امام العالم، ما اعطى المزيد من الثقة للزعيم الشيوعي الحالي كيم يونغ إيل عرفانا بجهوده، وهذا يعزز الدعم له في البرلمان لاعادة انتخابه رئيسا للدولة رسميا، ويذكر ان القمر الاصطناعي يحمل معدات حديثة للاتصالات والقياس هدفها اقامة المشاريع للابحاث العلمية في الفضاء بطريقة سلمية، فيما نددت جارتها كوريا الجنوبية، بخطوة بيونغ يانغ واعتبرتها خطوة استفزازية للعالم اجمع، وانتهاكا واضحا للقرار «رقم 1718» الذي يحظر على كوريا الشمالية القيام بأنشطة مرتبطة بصواريخها الباليستية في شكل واضح، في حين تطالب الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون المجتمع الدولي إلى معاقبة النظام الكوري الشمالي الذي لا يخدم القواعد الدولية، ولا يبالي بالعقوبات الاولية، شأنه شأن النظام الايراني الذي هو ايضا ينتهج نهجا مشابها لكوريا الشمالية ومخالفا المجتمع الدولي في شأن المجال النووي العسكري، وفي هذا الموقف المتصلب لاحظنا مسبقا تهديد بيونغ يانغ طوكيو من رد عسكري قوي في حال قيامها باعتراض الصاروخ المشتبه به، إذ قالت بالحرف الواحد: «اذا تجرأت اليابان على اسقاط الصاروخ، فإن الجيش الكوري الشمالي لن يقف متفرجا، بل سيعتبر ذلك، اعادة اجتياح ياباني، على غرار ان اليابان سبق وأن قامت باجتياح الجزيرة الكورية في الحرب العالمية الثانية، وبذلك لن تتكرر تلك الاحداث! فأكدت وهددت بأنها ستدمر جميع الصواريخ الاعتراضية عن طريق استخدامها كل الاساليب العسكرية من دون رحمة.
وعلى كل حال تبقى تجربة اطلاق الصاروخ الكوري الشمالي ذي المدى البعيد تحمل شكوكا دوليا على انها غطاء لتجربة اطلاق صاروخ باليستي يصل مداه إلى اراض أميركية مثل الاسكا وغيرها، عندما نجحت عملية اطلاق الصاروخ الكوري الشمالي فرح الشعب كثيرا ولكن الزعيم الشيوعي كيم يونغ ايل قد تألم كثيرا جراء الاموال التي انفقت من اجل اطلاقه، فلم تنفق هذه الاموال المكلفة على مساعدة شعبه الذي يعاني من صعوبة المعيشة، لذلك شعر كيم بالاسى والحسرة لعدم استطاعته انفاق المزيد من اموال الدولة على شعبه الفقير، ولكن يبقى النجاح والنصر الذي حققه الزعيم الشيوعي مع علمائه هو فخر يفتخر به الشعب امام العالم، فالاعلام الرسمي لا يزال يؤكد ان القمر الاصطناعي يدور حول الارض بنجاح، بينما يعجز مجلس الامن في التوصل إلى موقف واضح تجاه تجربة اطلاق كوريا الشمالية لصاروخها المثير للجدل، فقد انقسم اعضاؤه ما بين الالتزام على ضبط النفس والحديث حول حق كوريا الشمالية في الاستخدام السلمي للفضاء، وبالتالي لم يتمكن مجلس الامن حاليا على فرض العقوبات الجديدة، الامر الذي شجع بيونغ يانغ على استئناف اعادة معالجة قضبان الوقود النووي التي جاءت من مفاعلها التجريبي ذلك للمساهمة في تعزيز القدرة الذاتية على الرد النووي وتأمين الدفاع بكل الوسائل المتاحة لمواجهة التهديدات الخارجية المتزايدة، بيد ان محللين توقعوا ان كوريا الشمالية قد تحتاج إلى ثلاثة او اربعة اشهر لمعالجة ثمانية آلاف من القضبان المشعة من مفاعل «يونعبيون» للحصول على البلوتونيوم! لذا تتوالى الدعوات الدولية إلى اقناع كوريا الشمالية بالعودة إلى المحادثات السداسية حول ملفها النووي وذلك لتجريد شبه الجزيرة الكورية من الاسلحة النووية بعد ان ازداد التوتر في المنطقة واصبح امرا استفزازيا بشكل اوسع.
لقد انهى مجلس الامن اجتماعه الاخير حول اطلاق الصاروخ الذي يحمل اسم «كوانغ ميو نغسويغ - 2» ولكن من دون التوصل إلى اتفاق مرضٍ حول كيفية الرد على ما اعتبرته الدول الغربية الاعضاء في المجلس انتهاكا واضحا لقرارات الامم المتحدة، وتحججت بان الامر يحتاج للمزيد من المشاورات حول الرد المناسب من قبلها، ولكنها لم تتردد بالقول ان هذه الخطوة التي قامت بها بيونغ يانغ تعتبر استفزازية حتما والخطورة تقع في مداه البالغ 6700 كيلو متر ما يشكل انتهاكا لقرار مجلس الامن الذي اعتمد في عام 2006م.
مصادر ديبلوماسية اكدت وجود اتفاق عام في مجلس الامن حول التعبير عن القلق ازاء اطلاق الصاروخ ودعوة بيونغ يانغ إلى العودة نحو المحادثات السداسية التي تضم الكوريتين والصين واليابان وروسيا والولايات المتحدة لاحترام قرارات مجلس الامم المتحدة، ولكن هذه المصادر افادت ان الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين قد لا ينجحوا على فرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية. وفي هذا السياق، اعلنت بيونغ يانغ انها سترد بحزم على اي ادانة تصدرها الامم المتحدة لعملية اطلاق الصاروخ الباليستي، وقالت: «اذا اتخذ مجلس الامن اي تدابير فيها تضييق علينا، فاننا سنعتبره مساسا بسيادتنا»، مضيفين انهم سيتخذون تدابير اكثر حزما وشدة ضد منع بيونغ يانغ من اجراء اي تجربة نووية او اطلاق صاروخ، متعذرة بان لها الحق كغيرها باستخدام الفضاء لغايات سلمية، حيث هذا الحدث قد تكرر مع بلدان كثيرة، وهي اشارة لايران!
هذا وقد تمادت كوريا الشمالية على الولايات المتحدة عند تهديدها باسقاط كل طائرة تجسس اميركية تنتهك مجالها الجوي لمنعها من تحقيق نصر اطلاق اي صاروخ فضائي لغايات سلمية، في حين ان بيونغ يانغ لن تتردد في استخدام الورقة المهمة التي تتمثل بالصحافيتين الاميركيتين المحجوزتين لديها منذ 17 مارس بحجة دخولهما بطريقة غير مشروعة إلى اراضيها، وفي هذا السياق، اوصى المدير العام لـ «الوكالة الذرية» محمد البرادعي بالحوار الهادئ والبناء مع كوريا الشمالية، باعتباره الحل الوحيد لتسوية ملف كوريا الشمالية النووي، مشيرا إلى ان الضغوط التي مورست على بيونغ يانغ طيلة عقدين لم تأت بنتيجة مرضية، فالجهود الدولية المستمرة منذ العام 1992 لاقناعها بالتخلي عن طموحاتها النووية ليست سوى سلسلة من النكسات، فضلا عن التطورات الاخيرة التي تؤكد على انها نكسة جديدة ايضا.
ومن خلاصة ما سبق، نريد القول ان تجربة اطلاق صاروخ كوريا الشمالية، التي كلفت برنامجها نحو 500 مليون دولار او اكثر، قد سببت ازمة دولية جديدة واستفزازا جديدا للعالم الذي يبحث عن الامن والسلام، والسؤال هنا: هل تنجح الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في تفكيك البرنامج النووي من كوريا الشمالية ومنعها من تطوير تقنيتها امام الورقة الرابحة التي تملكها بيونغ يانغ، وهل تنجح الامم المتحدة في فرض عقوبات جديدة عليها امام حقها الثابت في تطوير برنامجها الفضائي؟ ... لكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
alfairouz61_alrai@yahoo.com