إذا كان هناك من يعتقد أن الولاء للنظام السياسي هو ذاته الولاء للوطن فهو إما شخص لم يقرأ التاريخ جيداً وإما شخص لا يود أن يقرأه! غالبية الانقلابات التي تمت على الأنظمة السياسية عبر التاريخ، إن لم يكن جميعها، تمت تحت شعار الولاء للوطن ومعاداة النظام السياسي القائم في الوقت ذاته، إذ يدعي كل طرف أنه الأكثر صدقاً وإخلاصاً للوطن وأبنائه من النظام القائم وقت التغيير السياسي أو الانقلاب! لذلك يجب أن يكون هناك تفريق بين الولاء للوطن والولاء للنظام السياسي القائم، وألا يتم الخلط بينهما بأن يكون الأول شرطاً للثاني أو أن يكون الثاني مطلباً مسبقاً للأول!
الأمر الآخر الذي يجب أن يكون حقيقة ثابتة هو أن الولاء للوطن أو للنظام السياسي لا علاقة له بالجينات الوراثية، لذلك ليس بالضرورة أن يكون كل كويتي ابن كويتي موالياً للوطن أو للنظام السياسي بالتبعية، والعكس صحيح، مثلما هي الحال في جميع دول العالم الأخرى، فليس كل أميركي، على سبيل المثال، موالياً لوطنه أو لنظامه السياسي أو للاثنين معاً، وقد رأينا حالات كثيرة كان بعض الأميركيين يعملون فيها ضد وطنهم أو ضد نظامهم السياسي، لذلك فالولاء سواء كان للوطن أو للنظام السياسي تحكمه عوامل عدة ليس من بينها التسلسل الوراثي أو المواطنة للشخص المعني.
ما سبق هو مجرد تحضير بسيط لموضوع هذا المقال، الذي أعلم أنه سيغضب البعض وقد يفرح البعض الآخر، ولكنني تعودت أن أكتب رأيي الصرف في مقالي بغض النظر عما يغضب أو يفرح الآخرين وما سيعتقدونه في المقال، فلي على نفسي واجب الصدق مع الذات، وللقارئ علي حق الصدق معه، وموضوع الولاء للنظام السياسي في الكويت أحد المواضيع التي تمتلئ ساحتها بالألغام غير المنفجرة، والتي تنتظر من يقع بقدمه عليها لتشتعل الأرض من تحت تلك القدم التي تجرأت وحطت في تلك الساحة شبه المهجورة!
من نعم رب العالمين علينا في الكويت أننا نحظى، حتى الآن، بتوافق كبير بين الحاكم والمحكوم، جعل الفارق بين الولاء للوطن والولاء للنظام السياسي يكاد يكون غير ملحوظ، فالغالبية العظمى من الشعب تؤمن إيماناً واضحاً بأن النظام السياسي القائم، والمتمثل بدستور 1962 الذي ينص على الحكم الديموقراطي ويحدد ذرية الشيخ مبارك الصباح كمصدر وحيد للإمارة، هو النظام الأفضل لهذا البلد، والذي يحقق الحد الأعلى من المصلحة الوطنية العليا، وعلى رأسها الاستقرار السياسي والحدود المقبولة من الحريات الإنسانية. لذلك كان تجديد الولاء للنظام السياسي خلال أهم أزمات هذا البلد في عام 1990 مقترناً مع تجديد الولاء للوطن القابع تحت الاحتلال، ولم يخرج على الساحة، من أهل الكويت آنذاك، من يفصل بين الولائين ويطالب بتجديد الولاء للوطن المحتل ويرفض الولاء للنظام السياسي! مع الأخذ بالاعتبار أن الخيار البديل كان نظاماً بعثياً دموياً، يعرف الكويتيون أنفسهم، قبل غيرهم، مدى بطشه! لذلك لم يكن الأمر يحتاج إلى إينشتاين، كما يقولون، لمعرفة الخيار المرجح لدى الشعب الكويتي.
نبقى الآن وبعد أكثر من 18 عاماً على تحرير البلاد من ذلك الاحتلال، وأكثر من 19 عاماً على ذلك الزمن الذي كان الولاء للنظام مساوياً في المقدار والاتجاه للولاء للوطن، وبعد غياب الخطر المقبل من الخارج، ننظر إلى طريقة تعامل النظام السياسي مع الأحداث السياسية الداخلية، سواء كانت طريقة تعامله مع استخدام ممثلي الأمة لحقوقهم الدستورية، أو لطريقة اعتقال مرشحي مجلس الأمة والإعلاميين بناء على آراء سياسية بحتة، لنضع كفتي الولاء للوطن والولاء للنظام السياسي على الميزان لنرى هل جد في الأمر جديد؟ وهل تغيرت المقادير وتقاطعت الاتجاهات؟ وهل نحتاج اليوم إلى أن نقرع الجرس بشكل يقترب من الهستيرية، لعل من يسمعه يصحو من حالة النوم الأقرب إلى الغيبوبة، ونقول إنه إذا كان رصيد الولاء للوطن ليس مرتبطاً بالجينات الوراثية للشخص، وليس له علاقة بكون الشخص كويتياً ابن كويتي ابن كويتي، فإنه من باب أولى ألا يكون الولاء للنظام السياسي مرتبطاً بهذه الجينات الوراثية، وإنه إذا كان الولاء للوطن تؤثر فيه فطرة الإنسان، فإن الولاء للنظام السياسي، أي نظام كان، تحكمه عوامل أهمها مقدار ما يحققه ذلك النظام من مصلحة وطنية عليا للمواطن، فإذا تعارضت هذه المصالح الوطنية العليا مع مصالح النظام السياسي العليا، فمن الطبيعي أن تكون الغلبة للولاء للوطن على حساب الولاء للنظام السياسي، والتاريخ يشهد على ذلك، وليس أمراً مسلماً به أن يستمر ولاء الأشخاص للنظام أبد الدهر، فهل نعتبر من ذلك ونعيد حساباتنا قبل أن نعيد في وطننا تكرار أخطاء الآخرين في أوطانهم؟ ويستمر الولاء للنظام السياسي جزءاً لا يتجزأ من الولاء للوطن؟ أتمنى ذلك، وأعلم أن الكثيرين منكم يتمنون!
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
salasfoor@yahoo.com
الأمر الآخر الذي يجب أن يكون حقيقة ثابتة هو أن الولاء للوطن أو للنظام السياسي لا علاقة له بالجينات الوراثية، لذلك ليس بالضرورة أن يكون كل كويتي ابن كويتي موالياً للوطن أو للنظام السياسي بالتبعية، والعكس صحيح، مثلما هي الحال في جميع دول العالم الأخرى، فليس كل أميركي، على سبيل المثال، موالياً لوطنه أو لنظامه السياسي أو للاثنين معاً، وقد رأينا حالات كثيرة كان بعض الأميركيين يعملون فيها ضد وطنهم أو ضد نظامهم السياسي، لذلك فالولاء سواء كان للوطن أو للنظام السياسي تحكمه عوامل عدة ليس من بينها التسلسل الوراثي أو المواطنة للشخص المعني.
ما سبق هو مجرد تحضير بسيط لموضوع هذا المقال، الذي أعلم أنه سيغضب البعض وقد يفرح البعض الآخر، ولكنني تعودت أن أكتب رأيي الصرف في مقالي بغض النظر عما يغضب أو يفرح الآخرين وما سيعتقدونه في المقال، فلي على نفسي واجب الصدق مع الذات، وللقارئ علي حق الصدق معه، وموضوع الولاء للنظام السياسي في الكويت أحد المواضيع التي تمتلئ ساحتها بالألغام غير المنفجرة، والتي تنتظر من يقع بقدمه عليها لتشتعل الأرض من تحت تلك القدم التي تجرأت وحطت في تلك الساحة شبه المهجورة!
من نعم رب العالمين علينا في الكويت أننا نحظى، حتى الآن، بتوافق كبير بين الحاكم والمحكوم، جعل الفارق بين الولاء للوطن والولاء للنظام السياسي يكاد يكون غير ملحوظ، فالغالبية العظمى من الشعب تؤمن إيماناً واضحاً بأن النظام السياسي القائم، والمتمثل بدستور 1962 الذي ينص على الحكم الديموقراطي ويحدد ذرية الشيخ مبارك الصباح كمصدر وحيد للإمارة، هو النظام الأفضل لهذا البلد، والذي يحقق الحد الأعلى من المصلحة الوطنية العليا، وعلى رأسها الاستقرار السياسي والحدود المقبولة من الحريات الإنسانية. لذلك كان تجديد الولاء للنظام السياسي خلال أهم أزمات هذا البلد في عام 1990 مقترناً مع تجديد الولاء للوطن القابع تحت الاحتلال، ولم يخرج على الساحة، من أهل الكويت آنذاك، من يفصل بين الولائين ويطالب بتجديد الولاء للوطن المحتل ويرفض الولاء للنظام السياسي! مع الأخذ بالاعتبار أن الخيار البديل كان نظاماً بعثياً دموياً، يعرف الكويتيون أنفسهم، قبل غيرهم، مدى بطشه! لذلك لم يكن الأمر يحتاج إلى إينشتاين، كما يقولون، لمعرفة الخيار المرجح لدى الشعب الكويتي.
نبقى الآن وبعد أكثر من 18 عاماً على تحرير البلاد من ذلك الاحتلال، وأكثر من 19 عاماً على ذلك الزمن الذي كان الولاء للنظام مساوياً في المقدار والاتجاه للولاء للوطن، وبعد غياب الخطر المقبل من الخارج، ننظر إلى طريقة تعامل النظام السياسي مع الأحداث السياسية الداخلية، سواء كانت طريقة تعامله مع استخدام ممثلي الأمة لحقوقهم الدستورية، أو لطريقة اعتقال مرشحي مجلس الأمة والإعلاميين بناء على آراء سياسية بحتة، لنضع كفتي الولاء للوطن والولاء للنظام السياسي على الميزان لنرى هل جد في الأمر جديد؟ وهل تغيرت المقادير وتقاطعت الاتجاهات؟ وهل نحتاج اليوم إلى أن نقرع الجرس بشكل يقترب من الهستيرية، لعل من يسمعه يصحو من حالة النوم الأقرب إلى الغيبوبة، ونقول إنه إذا كان رصيد الولاء للوطن ليس مرتبطاً بالجينات الوراثية للشخص، وليس له علاقة بكون الشخص كويتياً ابن كويتي ابن كويتي، فإنه من باب أولى ألا يكون الولاء للنظام السياسي مرتبطاً بهذه الجينات الوراثية، وإنه إذا كان الولاء للوطن تؤثر فيه فطرة الإنسان، فإن الولاء للنظام السياسي، أي نظام كان، تحكمه عوامل أهمها مقدار ما يحققه ذلك النظام من مصلحة وطنية عليا للمواطن، فإذا تعارضت هذه المصالح الوطنية العليا مع مصالح النظام السياسي العليا، فمن الطبيعي أن تكون الغلبة للولاء للوطن على حساب الولاء للنظام السياسي، والتاريخ يشهد على ذلك، وليس أمراً مسلماً به أن يستمر ولاء الأشخاص للنظام أبد الدهر، فهل نعتبر من ذلك ونعيد حساباتنا قبل أن نعيد في وطننا تكرار أخطاء الآخرين في أوطانهم؟ ويستمر الولاء للنظام السياسي جزءاً لا يتجزأ من الولاء للوطن؟ أتمنى ذلك، وأعلم أن الكثيرين منكم يتمنون!
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
salasfoor@yahoo.com