| يوسف القعيد |
بعد صدور روايتي الأولى: الحداد. في مايو 1969 بشهور... فوجئت بصاحب المطبعة يرسل إليّ مندوباً من عنده إلى وحدتي العسكرية. يطلب مني الذهاب إليه.
كان المكان قريباً... هو في الترعة البولاقية... ووحدتي هي المستشفى العسكري العام في غمرة بحي الشرابية. في البداية تصورت أن هناك خطأ في حساب طباعة روايتي في مطبعته، قلت لنفسي ربما كان الرجل يعتقد أن علينا أموالاً له، وكنا قد بعنا من الرواية ما سددنا به ما علينا للمطبعة. وانتهيت من حسابات الربح والخسارة في طبع روايتي الأولى.
ذهبت إليه في المساء... ليسلمني رسالة قادمة من الخارج، وخارج البلاد في هذه السنوات كان عبارة عن أمكنة شديدة البعاد، وكانت هذه أول رسالة تصلني في حياتي من خارج بر مصر.
تأملت المظروف جيداً... قلبته أكثر من مرة. وكان صاحب المطبعة قد شد كرسياً ونظفه وطلب لي شاياً وشيشة من المقهى المجاور. لأنني أذهب إليه الآن باعتباري ضيفاً ولست زبونا. كما أنني مؤلف وصله خطاب أتى بالطيران من الخارج على عنوان مطبعته هو، الذي كان مدوناً في الصفحة الأخيرة من روايتي... باعتباره دليلاً يقود من يريد الوصول إلى المطبعة، ويبدو أن وصول هذه الرسالة من الخارج على عنوانه أسعده من دون حدود.
يقولون في قريتي... إن «الخطاب يعرف من عنوانه»، ولكن هذا المثل لم يصدق على حالتي. الخطاب مطبوع عليه من الخارج عبارة: «العاملون في النفط»، والعنوان في العراق، وكم كانت تبدو العراق بعيدة في تلك الأيام... لأسباب وتداخلات بعيدة عن حكايتنا.
فكرت أن أحتفظ بالخطاب... لحين عودتي إلى وحدتي العسكرية... حيث لم يكن لي بيت في القاهرة في ذلك الوقت، ولكني إنسان مسكون بالفضول والقدرة على الاندهاش إزاء العالم... وقد حل المشكلة أن صاحب المطبعة استأذن مني معتذراً بشهامة أولاد البلد لأمر يخص المطبعة.
وهكذا وجدتني وجهاً لوجه مع الخطاب خلسة...في الوقت الذي استأذن مني فيه صاحب المطبعة... كنت أريد أن أخلو بنفسي إلى الخطاب... خاصة أن صاحب المطبعة سألني أكثر من مرة عما في الخطاب، وهل هناك ما يمكن أن يخص مطبعته فيه؟
وكنت قد نظرت إلى الخطاب قبل فتحه... وفي حضور صاحب المطبعة... على أنه لا بد وأن يحمل أحد أمرين: إما بشرة خير كبيرة، أو نذير سوء بلا حدود.
وإن كان احتمال السوء ضعيفاً... لسبب بسيط أن الخطاب يصلني من مكان لا علاقة لي به من قبل.
كان عمري وقت وصول الرسالة إلى خمسة وعشرين عاماً... وإزاء حفاوة الرجل بالرسالة... تصورت أن قدري الاجتماعي وأهميتي عنده سيحددها مضمون ومحتوى الرسالة.
فتحت الخطاب في غيابه... إن كان ما فيه شيء يمكن الزهو به... سأعطيه الخطاب لكي يقرأه... وإن كان مؤسفاً... سأعتبره سري الخاص وأنصرف قبل أن يعود، مع كلمة شكر أكتبها له على ورقة. وأمشي.
كانت الرسالة من جبرا إبراهيم جبرا... وكانت عن روايتي الأولى: «الحداد». تهت للحظات. وصلتني بعد ذلك آلاف الرسائل... من أدباء كبار ومن مشاهير قبل هذه الرسالة مثلاً كانت قد وصلتني في قريتي رسالة من محمد عبدالحليم عبدالله «بلدياتي»... يشد أزري ويقول لي انه لن يستطيع أن يساعدني لأن خصومه يسيطرون على كل ما في مصر. كان يقصد رجال عبدالناصر في ذلك الوقت.
وبعد ذلك وصلتني رسالة من نجيب محفوظ - كان في الإسكندرية صيفاً وكنت في القاهرة - وكنت قد كتبت في مجلة «الهلال» أسأله إن كان الإسرائيليون قد أحيطوا علماً بروايته «الباقي من الزمن ساعة» أثناء كتابتها وتدخلوا في سير أحداثها.
وكان الإسرائيليون قد نشروا هذا الكلام في صحفهم... وهالني... فكتبت، ورد هو عليَّ رداً لا يشفي الغليل.
قال لي في رسالة أرسلها من عنوان بيته السكندري في الإبراهيمية. وباختصار شديد... أنه قابل الإسرائيليين فعلاً. لكنهم لم يتطرقوا للرواية التي يكتبها، ولم يطلبوا منه إضافة فصل في آخرها عن السلام مع إسرائيل. لا هم طلبوا ولا هو رد على طلبهم سواء بالرفض أو القبول.
لكن يبقى لرسالة جبرا طعمها الخاص... لقد سرح بي الخيال لحظتها، لم يكن جبرا من القلة الذين أرسلت لهم الرواية، الغريب أن من أرسلت لهم الرواية لم يردوا ومن لم أرسل له الرواية أرسل لي رسالة. وكان هذا درساً بليغاً في خطوات العمر الأولى. أن ما نجري وراءه قد لا يأتي. وما لا نأبه به قد يصل إلينا حتى دون انتظار منا. سألت نفسي سعيداً: هل وصلت الرواية إلى بغداد؟ وكيف؟ ومع من؟ وكم نسخة وصلت منها إلى هناك؟ أم هل حضر جبرا إلى مصر؟ وكيف تم هذا ولم أعرف؟
كانت الرسالة الأولى بعد الرواية الأولى وكفى... ورقة واحدة تساوي جميع رسائل العمر التي جاءت قبلها. أو بعدها. أو التي ستصل إليّ حتى آخر اللحظة من العمر.
كان ممنوعاً عليّ الاحتفاظ بأوراق في وحدتي العسكرية... وهذا الخطاب كان يعني في مفهوم الأمن العسكري الصارم في زمن عبدالناصر... أنني اتصلت بجهات أجنبية دون الحصول على إذن.
سافرت إلى قريتي خصيصاً من أجل حفظ الرسالة فيها، ولم أعثر عليها حتى الآن... لكثرة الورق، فعندي عادة بالغة السوء وهي الاحتفاظ بكل ورقة تقع في يدي. دون أرشفة... بمعنى أن كل مجموعة من الأوراق تحفظ مع بعضها. الخطابات وحدها... قصاصات الصحف وحدها، أنا لا أفعل هذا لضيق الوقت.
ولذلك توجد الأوراق مختلطة مع بعضها بشكل يجعل التعامل معها في حال غيابي من رابع المستحيلات، وأحسد كثيراً جداً الإنسان المنظم الذي يضع كل شيء في مكانه الطبيعي ولا يحركه منه.
ولذلك يسهل عليه استحضار ما يبحث عنه بسهولة شديدة وفي وقت قليل...تلك ميزة لا أتمتع بها. ولابد من الاعتراف بذلك، مع أنني قرأت اخيراً في مذكرات أحد رجال الأعمال الناجحين... أن التخلص من الأوراق فوراً... كان طريقه الأساسي إلى النجاح. والحمد لله أني لا أريد أن أكون رجل أعمال. ولا أحب هذا النوع من النجاح الذي يتكلم عنه.