أن يترشح العميد كارلوس إده، عميد حزب «الكتلة الوطنية» في كسروان، في مواجهة النائب ميشال عون دليل على أن المسيحيين في لبنان يمتلكون القدرة على التعافي والخروج من المحنة التي حلت بهم. المهم الآن ترجمة القدرة إلى فعل، ذلك أن في أساس المحنة تحولهم إلى غطاء للسلاح غير الشرعي، ولميليشيا مذهبية تنفّذ انقلاباً على الصيغة اللبنانية بهدف تكريس لبنان «ساحة»، مجرد «ساحة» في خدمة المحور الإيراني- السوري. هذا المحور الراغب في استخدام الوطن الصغير في لعبة التفاوض من أجل عقد صفقات على حسابه، وعلى حساب أبنائه. قبل ذلك، عانى اللبنانيون من عهد الوصاية الذي رفض أن يترك لبنان قبل تأمين وجود غطاء مسلح له اسمه ميليشيا «حزب الله»، وركيزة مسيحية اسمها ميشال عون، الذي تحوّل بقدرة قادر إلى تابع من توابع الحزب الوحيد المسلح في البلد.
هل يكون المسيحيون في كسروان في مستوى التحدي، هل يواجهون عبر كارلوس إده الغوغاء وأولئك الذين ارتضوا أن يكونوا أداة في عملية إلحاق لبنان بالمحور الإيراني- السوري، هل يتذكر اللبنانيون، في المعركة الدائرة حالياً، أن هناك شخصاً واضحاً في تاريخ لبنان الحديث اسمه ريمون إده حاول قطع الطريق على الصفقات التي يمكن أن تتم على حساب لبنان؟ هذا الشخص عمل الكثير من أجل لبنان، فهم منذ البداية معنى تحويل الوطن الصغير «ساحة». رفض كل الإغراءات ولم يقبل في أي لحظة أن يكون أسير منصب، أو موقع، أو جاه. يكفي أنه الوحيد الذي تصدى لـ «اتفاق القاهرة» المشؤوم في العام 1969 رافضاً تحويل لبنان إلى «ساحة». أدرك ريمون إده منذ البداية الأبعاد والمخاطر التي ستترتب على «اتفاق القاهرة». حذر باكراً من أن ذلك سيجلب الويلات على لبنان. لم يلغ لبنان «اتفاق القاهرة» سوى في العام 1987 في عهد الرئيس أمين الجميل. حصل ذلك بعد خراب البصرة، أي بعد سلسلة لم تنته من المآسي السابقة للاتفاق واللاحقة له، بينها مأساة وصول ميشال عون إلى قصر بعبدا في العام 1988، ورفضه اخلاء القصر وتسليمه إلى رينيه معوّض الرئيس المنتخب شرعياً كي يسهل اغتيال الأخير على يد الأجهزة السورية في الثاني والعشرين من نوفمبر 1989 في بيروت الغربية. كانت بيروت الغربية تحت السيطرة التامة لتلك الأجهزة التي سارعت إلى إخفاء معالم الجريمة عن طريق إزالة كل أثر لها على وجه السرعة.
ترتدي المواجهة بين كارلوس إده وميشال عون طابعاً خاصاً. ستظهر ما إذا كان المسيحيون في لبنان تعلموا شيئاً من تجارب الماضي القريب.
لن تكون معركة كسروان يوم السابع من يونيو المقبل مجرد معركة بين نهجين سياسيين يتعارض كل منهما مع الآخر تعارضاً جذرياً، ستكون أكثر من ذلك بكثير، إنها معركة بين الصادق وغير الصادق، بين الانتهازي والضعيف أمام السلطة من جهة، والمتمسك بمبادئه لا يحيد عنها قيد أنملة مهما بلغت كمية الدولارات «الطاهرة» التي تفرش أمامه من جهة أخرى. الفارق واضح كل الوضوح إنه الفارق بين السماء والأرض، بين الشجاع الذي يتنقل من دون حراسة، والجبان الذي يتخلى عن جنوده في أرض المعركة.
تكمن أهمية كارلوس إده في أنه ورث عن ريمون إده كل صفات الرجولة، ورث عنه الصدق أوّلاً، وبعد النظر ثانياً، والسير في خط سليم قويم ذي معالم واضحة ثالثا. وربما كان أهم من ذلك كله، أنه ورث عن ريمون إده تلك القدرة على استشفاف المستقبل، والعمل من أجل قيام مجتمع مدني متحضر في لبنان. كان ريمون إده بعيداً عن كل ما هو طائفي ومذهبي. كان صديقاً لصائب سلام، وكمال جنبلاط، وحسين الحسيني، وكل الكبار في البلد. كان ضد استخدام السلاح واللجوء إلى العنف. افترق عن بيار الجميل، وكميل شمعون بسبب السلاح. لم يقبل يوماً أن يكون محسوباً على طائفة، أو فريق من اللبنانيين باستثناء فريق الشرفاء الذين رفضوا تلويث يدهم بالدم. كان ريمون إده بعيد النظر إلى درجة أنه رفض استفبال ميشال عون في باريس. كان يعرف منذ البداية من هو هذا الرجل الذي عمل كل ما في وسعه من أجل تمكين نظام الوصاية من التحكم في لبنان، كل لبنان، بعدما سهّل على السوريين دخول قصر بعبدا، ووزارة الدفاع اللبنانية في أكتوبر من العام 1990.
أن ينتصر أهل كسروان لكارلوس إده يعني أنهم ينتصرون لأنفسهم أوّلاً، ينتصرون لمن عمل على إعادة المسيحيين إلى لبنان بدل تهجيرهم منه، ينتصرون لمن يرفض التخلي عن المبادئ، والسيادة، والاستقلال. وينتصرون أخيراً لشهداء الاستقلال الثاني من رفيق الحريري، وباسل فليحان ورفاقهما، إلى النقيب الطيار سامر حنا الذي ذنبه أنه حلق بطائرة هليكوبتر تابعة للجيش اللبناني فوق الأراضي اللبنانية، مروراً بسمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، وبيار أمين الجميل، ووليد عيدو، وأنطوان غانم، واللواء فرنسوا الحاج، والرائد وسام عيد، وشهداء الجيش الوطني في مخيم نهر البارد. ينتصرون للشهداء الأحياء مروان حماده، والياس المر، ومي شدياق، وسمير شحاده. ينتصرون باختصار لكل من رفض تغطية الجرائم والتفجيرات من الأدوات السورية، والإيرانية، وأدوات هذه الأدوات.
إنها معركة واضحة في كسروان. معركة الحق مع الباطل، معركة الصادق والأمين مع كل من لا علاقة له بالصدق والأمانة. من يخوض معركة كارلوس إده في كسروان، وهي معركة القضاء على الفاسد والفاسدين وضعاف النفوس أولاً وأخيراً، إنما يخوض معركة مرتبطة بالتخلص من تلك النفوس المريضة التي تعتقد أن خلاص المسيحيين يكون عبر تحالف الأقليات في لبنان وسورية. يا له من حلف بائس لا هدف له سوى أن يكون مصير مسيحيي لبنان شبيهاً بمصير مسيحيي العراق. هل يتعلم أهل كسروان الدرس فيصوتون لكارلوس إده... أم يضعون مصيرهم في يد أشباه الأميين الذين يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء وهم بالكاد يفهمون ما يقرأون... الكلمة لأهل كسروان والخيار خيارهم. إنه خيار بين ثقافة الحياة وثقافة الموت!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
هل يكون المسيحيون في كسروان في مستوى التحدي، هل يواجهون عبر كارلوس إده الغوغاء وأولئك الذين ارتضوا أن يكونوا أداة في عملية إلحاق لبنان بالمحور الإيراني- السوري، هل يتذكر اللبنانيون، في المعركة الدائرة حالياً، أن هناك شخصاً واضحاً في تاريخ لبنان الحديث اسمه ريمون إده حاول قطع الطريق على الصفقات التي يمكن أن تتم على حساب لبنان؟ هذا الشخص عمل الكثير من أجل لبنان، فهم منذ البداية معنى تحويل الوطن الصغير «ساحة». رفض كل الإغراءات ولم يقبل في أي لحظة أن يكون أسير منصب، أو موقع، أو جاه. يكفي أنه الوحيد الذي تصدى لـ «اتفاق القاهرة» المشؤوم في العام 1969 رافضاً تحويل لبنان إلى «ساحة». أدرك ريمون إده منذ البداية الأبعاد والمخاطر التي ستترتب على «اتفاق القاهرة». حذر باكراً من أن ذلك سيجلب الويلات على لبنان. لم يلغ لبنان «اتفاق القاهرة» سوى في العام 1987 في عهد الرئيس أمين الجميل. حصل ذلك بعد خراب البصرة، أي بعد سلسلة لم تنته من المآسي السابقة للاتفاق واللاحقة له، بينها مأساة وصول ميشال عون إلى قصر بعبدا في العام 1988، ورفضه اخلاء القصر وتسليمه إلى رينيه معوّض الرئيس المنتخب شرعياً كي يسهل اغتيال الأخير على يد الأجهزة السورية في الثاني والعشرين من نوفمبر 1989 في بيروت الغربية. كانت بيروت الغربية تحت السيطرة التامة لتلك الأجهزة التي سارعت إلى إخفاء معالم الجريمة عن طريق إزالة كل أثر لها على وجه السرعة.
ترتدي المواجهة بين كارلوس إده وميشال عون طابعاً خاصاً. ستظهر ما إذا كان المسيحيون في لبنان تعلموا شيئاً من تجارب الماضي القريب.
لن تكون معركة كسروان يوم السابع من يونيو المقبل مجرد معركة بين نهجين سياسيين يتعارض كل منهما مع الآخر تعارضاً جذرياً، ستكون أكثر من ذلك بكثير، إنها معركة بين الصادق وغير الصادق، بين الانتهازي والضعيف أمام السلطة من جهة، والمتمسك بمبادئه لا يحيد عنها قيد أنملة مهما بلغت كمية الدولارات «الطاهرة» التي تفرش أمامه من جهة أخرى. الفارق واضح كل الوضوح إنه الفارق بين السماء والأرض، بين الشجاع الذي يتنقل من دون حراسة، والجبان الذي يتخلى عن جنوده في أرض المعركة.
تكمن أهمية كارلوس إده في أنه ورث عن ريمون إده كل صفات الرجولة، ورث عنه الصدق أوّلاً، وبعد النظر ثانياً، والسير في خط سليم قويم ذي معالم واضحة ثالثا. وربما كان أهم من ذلك كله، أنه ورث عن ريمون إده تلك القدرة على استشفاف المستقبل، والعمل من أجل قيام مجتمع مدني متحضر في لبنان. كان ريمون إده بعيداً عن كل ما هو طائفي ومذهبي. كان صديقاً لصائب سلام، وكمال جنبلاط، وحسين الحسيني، وكل الكبار في البلد. كان ضد استخدام السلاح واللجوء إلى العنف. افترق عن بيار الجميل، وكميل شمعون بسبب السلاح. لم يقبل يوماً أن يكون محسوباً على طائفة، أو فريق من اللبنانيين باستثناء فريق الشرفاء الذين رفضوا تلويث يدهم بالدم. كان ريمون إده بعيد النظر إلى درجة أنه رفض استفبال ميشال عون في باريس. كان يعرف منذ البداية من هو هذا الرجل الذي عمل كل ما في وسعه من أجل تمكين نظام الوصاية من التحكم في لبنان، كل لبنان، بعدما سهّل على السوريين دخول قصر بعبدا، ووزارة الدفاع اللبنانية في أكتوبر من العام 1990.
أن ينتصر أهل كسروان لكارلوس إده يعني أنهم ينتصرون لأنفسهم أوّلاً، ينتصرون لمن عمل على إعادة المسيحيين إلى لبنان بدل تهجيرهم منه، ينتصرون لمن يرفض التخلي عن المبادئ، والسيادة، والاستقلال. وينتصرون أخيراً لشهداء الاستقلال الثاني من رفيق الحريري، وباسل فليحان ورفاقهما، إلى النقيب الطيار سامر حنا الذي ذنبه أنه حلق بطائرة هليكوبتر تابعة للجيش اللبناني فوق الأراضي اللبنانية، مروراً بسمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، وبيار أمين الجميل، ووليد عيدو، وأنطوان غانم، واللواء فرنسوا الحاج، والرائد وسام عيد، وشهداء الجيش الوطني في مخيم نهر البارد. ينتصرون للشهداء الأحياء مروان حماده، والياس المر، ومي شدياق، وسمير شحاده. ينتصرون باختصار لكل من رفض تغطية الجرائم والتفجيرات من الأدوات السورية، والإيرانية، وأدوات هذه الأدوات.
إنها معركة واضحة في كسروان. معركة الحق مع الباطل، معركة الصادق والأمين مع كل من لا علاقة له بالصدق والأمانة. من يخوض معركة كارلوس إده في كسروان، وهي معركة القضاء على الفاسد والفاسدين وضعاف النفوس أولاً وأخيراً، إنما يخوض معركة مرتبطة بالتخلص من تلك النفوس المريضة التي تعتقد أن خلاص المسيحيين يكون عبر تحالف الأقليات في لبنان وسورية. يا له من حلف بائس لا هدف له سوى أن يكون مصير مسيحيي لبنان شبيهاً بمصير مسيحيي العراق. هل يتعلم أهل كسروان الدرس فيصوتون لكارلوس إده... أم يضعون مصيرهم في يد أشباه الأميين الذين يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء وهم بالكاد يفهمون ما يقرأون... الكلمة لأهل كسروان والخيار خيارهم. إنه خيار بين ثقافة الحياة وثقافة الموت!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن