| سعاد العنزي |
التجارب التي تساءل التاريخ، وتستضيء بومضه، هي كثيرة، ولكنها تتغاير وتتباين في نوعيتها وكيفيتها، ومن الندرة أن تجد تجربة شعرية تحتفي بالتاريخ، مع حمولة فنية عالية، وشعرية بالغة المرامي، وبوجدانيات طاغية على كل الكتابات التاريخية، والأيديولوجية، والعلمية الأكاديمية.
لأن الشاعر علي السبتي، روح وكيان مختلطان بالعروبة وبالتاريخ، لا فاصل بينهما، إلا بانفصال الروح عن الجسد، كم نقب بالتاريخ؟ وكم غاص في مجاهيل الواقع؟ وكم استشرف المستقبل؟ إنه الشاعر الذي حمل على عاتقه هموم أمته، وتماهى مع وجع فلسطيني يصرخ على القدس، واحترق بنكسات العرب المتوالية، فأصبح يعشق التطواف بالتاريخ العربي والإسلامي، وإشراقاته، حتى يضيء ويستضيء، بتوقداته البناءة، التي شيدت الحضارة الإسلامية العظيمة، فغدت في زمان مضى، وكانوا، وكنا.
وهذا ما يؤكده في احد الحوارات التي أجريت معه:
«لم أنفصل يوماً عن قضايا مجتمعي الاجتماعية أو السياسية. اعتبر نفسي جزءاً من المجتمع الكويتي والعربي والإنساني بشكل عام وحين أتناول قضية فإني أفعل من جانب إنساني. لعل أهم تلك القضايا الظلم والاضطهاد. من يتتبع شعري ويتفحصه يتأكد من ان ثمة أسماء لرموز من فلسطين، وأن ثمة بين العبارات التي صدرت عني منذ سنين ما يعبر عن واقع العراق الحالي، حيث لا نعرف القاتل وتضيع هوية المقتول».
(الجريدة، السبت 11 أغسطس،2007م)
شاعرنا ، امتلأ بالضجيج، والفوضى، فوضى الأشياء من حوله، ثيمات التاريخ الإسلامي، وثقافات الشعوب الأخرى، وأساطير الإغريق ، والفراعنة، وبابل، بين عشتار، وتموز، وبين المواطن العربي الذي اكتوى بنار القومية والعربية، فأعاد ترتيب هذه الفوضى، فكانت القصيدة، قصيدة علي السبتي، التي جمعت ثقافات العالم، واستشرفت الحلول، عبر إعادة بناء وحدات الفكر والتاريخ والانثروبولوجيا، فعشتار (من الآلهة البابليين، في ملحمة جلجامش) تأخذ بيد العربي، كي يتخطى الأزمات، ويستنهض هممه، عبر القوى الأسطورية الخارقة:-
« والمح طيف عشتار
يفك قيودها تموز
عاد يجمع الثوار» ( ديوان «بيت من نجوم الصيف»، ص26)
وهذا ما يؤكده الدكتور عبدالله العتيبي في تقديمه للطبعة الثانية من الديوان موضحا خلو الديوان من الغموض في استخدام الشاعر للرمز:
« بل نجد الرمز هنا واضحا خصوصاً لمن يملك حظا من الثقافة المعاصرة. وبعض اسقاطاتها المعاصرة على بعض معطيات التراث الإنساني». ( السابق، ص26)
عند قراءة ديواني الشاعر « بيت من نجوم الصيف» عام 1969م، و ديوان : «وعادت الأشعار» عام 1997م، سيلاحظ الشاعر ملمحا مؤلما في تجربة الشاعر النفسية، ونحن هنا لا نتحدث عن التجربة الفنية، التي بدأت بقوة شعرية مكثفة منذ البدايات، بل نتحدث عن المضامين، والبنى الفكرية التي احتوتها دواوين الشاعر، فديوان « بيت من نجوم الصيف»، يحمل الشباب نفسه، بكل عنفوان الثورة والرغبة في التحرر، والحرية، وتحقيق الانتصارات، والنهوض على كبوتنا، روح محملة بأساطير القوة، والخصب، من مثل عشتار وتموز، ليبني الحياة الجديدة على أفق متعدد من الحريات، والكرامة لبني الإنسان، والرغبة الجامحة، في محاربة روح الجمود والتخلف، والبنى الاجتماعية الجامدة ، والمتخلفة عن الركب، في فترة الخمسينات والستينات في المجتمعات العربية، والمجتمع الكويتي بشكل خاص مشيرا إلى الظلام، الذي اقترن بالجهل والتخلف، فيقول في قصيدة «الليل في المدينة»:
« من أين هذا الليل... من أي الصحاري
من أي حالكة البحار
من أي واد للوحوش، يفح بالدم والدمار
كالداء يولد إثر داء
ليل ترى أم ذا نذير الانتهاء
غشي المدينة كاد أن يخنق ساكنيها
وأحالها بحرا من الحيتان تأكل من بنيها». (ديوان «بين من نجوم الصيف»، ص66)
أما ديوان « وعادت الأشعار» عام1997م، على الرغم من انها حافة بمعزوفات تضرب على وتر الوطنية والقومية، إلا انها تحمل خيبة وانكسار المثقف العربي، وانهزامه في قوميته، وصيحاته المتتابعة في الوحدة العربية، بعد نكسة 1967م، والشرخ الذي أحدثه الغزو العراقي للكويت، فنجد، تلك الروح المفعمة بالدماء الجديدة، والطامحة في التجديد، تتغنى بمغاني التاريخ الإسلامي المشرق، وتتألم من الواقع العربي المتخاذل والمنكس لرايات النصر:-
وذكرى من الماضي تضم أضالعي
تعاركني حينا وحينا تصالح
ومهما بدا منكم يزيح غضاضتي
هوى كان أيام الشباب ينافح
أردتم كما شئنا- نجوما بيوتنا
ولكنها الأيام آت ورائح
( ديوان «وعادت الأشعار»، ص40)
هذا الأمر الذي يجعله ، يخبر متلقي نصوصه، بخبر حقيقي، استقر ت حالته النفسية عليه، بقصيدة «ضاع كل الكلام هدر»:
«ضاع كل الكلام هدر
مثلما هامة ، صرخت ثم نامت على ضفة القبر
من تعب واحتوتها الحفر».
(السابق، ص 78)
ولكن إن كانت الآمال تحطمت وتكسرت على مذابح الديموقراطيات المبطنة بقيم الدكتاتوية لدى الشعوب العربية، فإن تجربة الشاعر، خالدة وباقية في تاريخ الفكر والأدب والثقافة العربية ، لأنها أصدق تمثيل لكثافة شعرية وقيم جمالية ومعرفية، تطرحها تجربة الشاعر علي السبتي.
* كاتبة وناقدة كويتية
Mobdi3on@windowslive.com