بيروت مدينة من حديد. عاصمة لبنان مدينة حديدية كما درج قول «امرأة حديدية» في عقود خلت. وهذا ليس مديحا ولا هجاء، اذ انّ من عادة النساء أن يكنّ رقيقات، أن يكنّ ورودا لا معادن. وفي الوقت نفسه فانّه غالبا ما يكون مديحا، في شرقنا هذا، إلصاق صفات القوة والثبات الى جانب صفات الأنوثة والرقة والضعف أيضا.هكذا لأنّ لا شيء يهزّ هذه المدينة. او الأحرى لا شيء يهزّ روحها ورغبتها في الحياة وقدرتها على التدفق شوارع وليال سهر وجامعات وأعمال. حيث انّ جسدها دائم الاهتزاز. لكنها راقصة حزينة يدور خصرها وتثبّت عينيها في السماء. راقصة تغري من حولها وفي الوقت نفسه تخضعهم، تستدرجهم الى الغواية، وترقص على أعصابهم. هو قلق الجسد وثبات الروح. هو القلق تحديدا. هي مدينة قلقة. على قلق كأن الريح تحتها، على ما ذهب المتنبي في مديح نفسه وهجائها في الوقت نفسه. قلق العظماء، والضعفاء في الوقت نفسه.
الاكتظاظ المحيّرغير ما سبق، لا شيء يفسّر أرتال السيارات وجحافل المشاة يعيدون تكرار أيامهم الماضية كل يوم، في حين أنهم يعيشون واحدة من أسوأ الازمات السياسية التي مرّت على لبنان منذ استقلاله في العام 1943 حتى اليوم.لا شيء يفسّر اكتظاظ شوارع المدينة وأسواقها بالغادين والرائحين كأن شيئا لم يكن. الذين يذهبون الى أعمالهم ويأكلون في المطاعم ويسهرون في الحانات ويشربون القهوة في المقاهي، ثم يعودون بعد ذلك الى منازلهم ليستعيدوا أدوارهم ككائنات تلفزيونية تنتظر خبرا من هنا أو عاجلا من هناك. لا شيء يفسّر كيف أنّ زائر بيروت، اذا لم يكن من مدمني التلفزيونات والمحطات الاخبارية، لن يعرف أنّ هذه المدينة متعبة ومنهكة وتشارف على استقبال حرب أهلية طاحنة. اذ تمارس حياتها بشكل شبه عادي، في وقت ترتفع الأسعار بشكل جنوني، بما تصل نسبته في بعض البضائع الى أكثر من ثلاثين في المئة.
العسكرلا شيء مختلف عن بيروت قبل ثلاث سنوات سوى العسكر المنتشرين في الشوارع، لكن من دون ثقل كبير على السكان والمارة وسائقي السيارات. لا حواجز ولا نقاط تفتيش أو مراقبة. لا ازعاج ولا منع تجوّل ولا اقفال طرق وفتح أخرى. فقط جنود وآليات ودبابات موزعة على خطوط التماس الوهمية، بين الأحياء الشيعية وتلك السنية، وبين الأحياء المارونية وتلك الشيعية، وبين المناطق الدرزية وتلك الشيعية. جنود وآليات لا تفعل شيئا سوى التواجد على الأرض، تحسبا فقط. هذا لأن لبنان كلّه يعيش تحسبا. تحسبا من حرب، وتحسبا من صفقات دولية على حسابه، وتحسبا من اقفال طريق المطار اذا قرر حزب ما ذلك، وتحسبا من هجوم على السراي الحكومي، وتحسبا من عدم انتخاب رئيس للجمهورية، وتحسبا من ومن ومن....
ليس غريباعلى سبيل المثال، لن يكون غريبا في بيروت رؤية مجموعة من المراهقن العائدين من مدارسهم، أو الأطفال الممسكين بأيدي أهلهم، يعبرون قرب ملالة من دون أدنى انتباه الى وجودها. اذ أنها صارت من ديكورات المشهد اليومي. ما عادت الآليات العسكرية تدفع الى الريبة أو التحسب من طارئ أوجب وجودها. وما عاد العساكر صنو المشكلات والمتاعب، لا يأتون الا لفكّ اشتباك أو حلّ خلاف، باتوا مثل الأرصفة، يجب أن يكونوا دائما هناك، لأن المارة قد يأتون في أيّ لحظة.هكذا دخل العسكر الحياة السياسية من أوسع أبوابها، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري حتى اليوم، قبل أن يخرج رمزهم السياسي، الرئيس السابق اميل لحود، من قصر بعبدا.
لا رئيس... وان يكنعدا العسكر، فانّ الحياة، بعد أسبوعين من دون رئيس للجمهورية، لم تتأثر كثيرا، او قل لم تتأثر اطلاقا. على العكس من ذلك، فانّ القلق الذي كان مسيطرا قبل انتهاء ولاية لحود، والذي انعكس بعض الشيء على الشارع يومها، انحسر واختفي في اليوم التالي، بعد أن تيقن اللبنانيون من أن لبنان بلا رئيس ليس كارثة.عادت الحياة فورا الى طبيعتها، حتى أن بعض الظرفاء راحوا يقولون ان الحياة أكثر راحة من دون رئيس جمهورية، وستكون أكثر راحة بكثير من دون الرئيسين الآخرين، رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، وتستطرد النكتة لتصل الى انّ الوزارات ستكون على ما يرام اذا تركت للمديرين العامين يديرونها من دون وزراء، حيث ان مجلس الوزراء شبه معطل اليوم، وكذلك لا حاجة للنواب، المقفل مجلسهم منذ مدة طويلة.هذا النوع من الكوميديا السوداء يعكس الحالة الغريبة التي بات اللبنانيون يعيشونها، ان لم نقل يعانون منها، وتعبر عن نفسها في تحويل الخوف الى نكات وفي استخراج اللامبالاة من القلق على المصير.
مشهد عادياذاً تحول القلق بين المواطنين الى شعور عادي، وصار الغريب مألوفا، والمستحيل عاديا، وبات التململ والقرف وشتم السياسيين من عادات اللبنانيين اليومية، التي ترافق شرب القهوة والتدخين بشكل مبالغ فيه بسبب التوتر.لهذا، اذا قرّر أحد مراسلي التلفزيونات الأجنبية أو العربية، أن يصوّر، في الشارع، مشهدا يفسّر الأزمة، أن يلتقط في فانوس كاميراه خمس دقائق تختصر ما يريد قوله من أنّ هذا البلد «على كفّ عفريت»، و«قابل للانهيار في أي لحظة»، و«على شفير الهاوية»، و«وصل الى جدار مسدود»، و«في لحظة حرجة من تاريخه»، و«على مفترق طرق خطير» وغيرها من الجمل الكليشيهات التي تتردد يوميا على ألسنة السياسيين والاعلاميين والمواطنين حتى، اذا قرّر أحد أن يلتقط لحظة مثل هذه، لن يجد ضالته. لن يجد شوارع خالية أو أسواقاً فارغة أو اعتصامات هنا او احتجاجات هناك. طبعا هذا يستثني الاعتصام المزمن في قلب المدينة. ولن يجد عائلات تشحذ قوتها في الشارع، أو أعمال عنف ونهب وسرقة، على ما يجري في المدن التي تفقد رأسها أو حاميها أو عقلها أو روحها.
مسرح جديدمن مفارقات بيروت على سبيل المثال، افتتاح مسرح جديد، هو مسرح بابل، بجهد جبار من المخرج العراقي جواد الأسدي. مسرح جديد في مدينة قديمة. مسرح جديد في عاصمة هي مسرح العواصم المجاورة لها والبعيدة عنها. مسرح صراعاتهم وحروبهم ومنازلاتهم واستعراضات قواهم. مسرح جديد بدلا من اقفال المسارح القديمة. أمر محيّر. كيف تتسع مدينة لمسرح وتضيق بشبانها المهاجرين الى اي مكان آخر غير لبنان؟ كيف تتسع لمسرح جديد مدينة يحتضر نظامها السياسي وتتناتشه الطوائف؟ أضف الى ذلك أنّ المسرح هو ذروة المدينة. هو اعلان بأنّ المدينة هادئة وسكانها يملكون من الهدوء والوقت والمال والراحة العقلية والنفسية، ما يؤهلهم ويخوّلهم ويسمح لهم بأن يقتطعوا ساعتين أو ثلاث من ليلهم لمشاهدة كلّ هذا التجميع بين الكتابة والتمثيل والموسيقى والأزياء والأضواء.
الريح تحتهاعلى قلق كأن الريح تحتها، يمكن القول، أو يمكن القول أيضا انها مدينة عادية، تعاني بعض الصعوبات السياسية التي لا يأبه لها كثيرون. ويمكن القول انها مدينة تعيش فصاما حادا، بين أزمتها المرعبة، وبين حياتها اليومية العادية. الريح تحتها لكنها لا تطير، بل تقلق. الريح تحتها لكنها لا تقذف بعيدا، بل تبقى مكانها. الريح تحتها، وفوقها تمر رياح أيضا، آتية من الغرب والشرق، ولا أحد من اللبنانيين ينحني أمام هذه العواصف. الجميع يتابعون حيواتهم. على قلق لكن يتابعون حيواتهم.
ملالات في شوارع لا تمل