صلاح الإنسان واستقامته وتجنبه كبائر الآثام لا يعني ان الرجل يصلح ان يكون النموذج الأمثل لتقلد بعض المهام ذات العلاقة بالجماهير. لذا نجد ان المؤسسات ذات التواصل الاجتماعي المفتوح مع الناس تعطي موظفيها دورات تدريبية تنفق عليها آلاف الدنانير لتعليم منتسبيها فن التعامل مع المراجعين. صحيح ان الآداب العامة معروفة لدى الكثيرين بالفطرة والتنشئة الاجتماعية، وصحيح ايضاً ان شريعتنا تقوم على الاخلاق «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» كما قال الحبيب المصطفى عليه الصلاة السلام لكن لا مانع من الاستفادة من التجارب والخبرات ذات الطابع العام (المشترك الإنساني)، فالحكمة ضالة المؤمن ان وجدها فهو أحق الناس بها، ففي اجواء التوتر الوظيفي يحتاج الموظف وأصحاب الاحتكاك المباشر مع الجماهير التي تختلف أمزجتهم وأخلاقهم ومستويات نضجهم إلى فنون وآليات التعامل مع مفاجآت الناس وغضبهم وحماقة بعضهم.
وأعود إلى ما قلته في مطلع المقال بأن صلاح الإنسان غيركاف في تأهيله لمواجهة الناس، لأنه قد يكون سريع الغضب رغم تقواه او سليط اللسان او لا يتراجع عن قرار اتخذه دون روية أو بمكابرة وعند أو... إلى آخر سمات الضعف البشري، لذا قال عليه السلام «إنما الحلم بالتحلم وانما العلم بالتعلم». أي انه يمكن اكتساب هذه السمات بالدربة والمكابدة والمجاهدة. والدورات التدريبية ما هي الا محاولات جادة لفهم تفاصيل السلوك الإنساني ومن ثم ايجاد نظام وخطة لتكيّف الإنسان مع الخاصية التي يراد تزويده بها او سلبية يحتاج إلى التخلص منها... حتى في الزواج قال عليه الصلاة السلام: «ان جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه». وقد يتساءل الإنسان أليس الخلق من الدين؟ والجواب بلى، ولكن لمزيد من الاهتمام بهذه الصفة لذا قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: «الدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد في الدين».
إمام المسجد وخطيب الجمعة، مهمتهما في غاية الصعوبة، والسهولة في الوقت ذاته، قد يحفظان القرآن ويطلبان العلم وهذه جهود فردية، ولكن التحدي هل يستطيعان ان يستوعبا الناس بأعمارهم المختلفة وجنسياتهم المتعددة، وثقافاتهم المتباينة، وتجدد المصلين من صلاة لآخرى، كيف يكونان ذوي خطاب موزون يراعى فيه عقول الناس وتنوعهم.
الشيخ ياسر قضماني عرفته قبل عشرين سنة او أكثر اماماً في مساجد الفروانية، ولم أعرف عنه الا الهدوء الذي هو سمة شخصيته والحرص على خدمة المصلين تدريساً، ومساعدة المحتاجين من خلال ارشادهم إلى من يقضي حوائجهم. قبل أيام أرسلت له وزارة الأوقاف ورقتين الأولى بالتوقف عن الخطابة إلى اشعار آخر، والثانية نقله من مسجده (أحمد الرويشد بالفروانية) إلى مسجد (شبرة) في خيطان خلف لجنة التعريف بالإسلام.
ربع قرن من العطاء الهادئ يعامل وكأنه لا شيء! أتدرون لماذا؟ لأن وزارة الأوقاف ذات الاوجاع الكثيرة لم تستدع الرجل الإمام والخطيب للتأكد مما قيل فيه لعل المصدر كان معصوماً لا يحتاج إلى التثبت وراءه!! وعدم الاستدعاء يجمع بين خطأين الأول تصديق مطلق بالتهمة والثاني ان كانت التهمة بأنه (مبتدع) فهل الحل نقله إلى مسجد جديد لينشر بدعه فيه!! أم محاورته، من تظن الأوقاف انه أخطأ تقدم النصح له حرصاً عليه كمسلم أولاً وعلى الجمهور الذي يصلي وراءه ويستمع إلى دروسه وخطبه! أظن ان الأوقاف بتصديقها للتهم تساهم بنشر البدع في جعل الشيخ يتنقل من المساجد!! وهل تصديق الأوقاف لما يقال عن منسوبيها من مغالطات دون التثبت هو السنة المؤكدة!! قرار فاشل لوزارة تؤصل الفوضى الموجودة في كثير من الوزارات وللحديث بقية عن وزارة الأوجاع.


محمد العوضي